المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

د. جواد علي

الجزء الثاني – الفصول 41-62

 

الفصل الحادي والاربعون العرب وألحبش.. 369

الفصل الثاني والأربعون مكة المكرمة 388

الفصل الرابع والأربعون مجمل الحالة السياسة في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام 419

الفصل الخامس والأربعون المجتمع العربي. 443

الفصل السادس و الأربعون أنساب القبائل. 475

الفصل السابع و الأربعون القبائل العدنانية 484

الفصل السابع و الأربعون الناس منازل و درجات.. 497

الفصل الثامن و الأربعون الحياة اليومية 511

الفصل الخمسون البيوت.. 529

الفصل الحادي والخمسون فقر وغنى وأفراح ؤأَتراح. 545

الفصل الثاني والخمسون الدولة 565

الفصل الثالث والخمسون حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل. 583

الفصل الرابع والخمسون الغزو وأَيام العرب.. 601

الفصل الخامس والخمسون الحروب.. 616

الفصل السادس والخمسون في الفقه الجاهلي. 632

الفصل السابع والخمسون الاحوال الشخصية 645

الفصل الثامن والخمسون الملك والإعتداء عليه 654

الفصل التاسع و الخمسون العقود و الالتزامات.. 663

الفصل الستون حكام العرب.. 668

الفصل الحادي و الستون أَديان العرب.. 672

الفصل الثاني والستون التوحيد والشرك. 678

 

الفصل الحادي والاربعون
العرب وألحبش

صلات العرب بالحبشة صلات قديمة معروفة ترجع إلى ما قبل الميلاد. فبين السواحل الافريقية المقابلة لجزيرة العرب وبين السواحل العربية اتصال وثيق قديم، وتبادل بين السكان. اذ هاجر العرب الجنوبيون إلىالسواحل الافريقية وكونوا لهم مستوطنات هناك، وهاجر الأفارقة إلى العربية الجنوبية، وحكموها مراراً، وقد كان آخر حكم لهم عليها قبل الإسلام بأمد قصير.

ويرى بعض الباحثين إن أصل الحبش من غرب اليمن من سفوح الجبال،وفي اليمن جبل يسمى جبل "حُبيش"، قد يكون لاسمه صلة بالحبش الذين هاجروا إلى افريقية وأطلقوا اسمهم على الأرض التي عرفت باسمهم،أي "حبشت" أو الحبشة.

ويرون أيضاً إن "الجعز" أو "جعيزان" كما يدعون كذلك، هم cesani للذين وضع "بليني" منازلهم على مقربة من "عدن". فهم من أصل عربي جنوبي. هاجر إلى الحبشة وكو"ن مملكة هناك. والى هؤلاء نسبت لغة الحبش، حيث عرفت بالجعزية، أي لغة الجعز.

ويظن إن العرب الجنوبيين هم الذين موّ نوا السواحل الافريقية المقابلة بالعناصر السامية. وكانوا قد هاجروا مراراً اليها،ومن بين تلك الهجرات القديمة، هجرة. قام بها السبئيون في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد هاجر معهم "الحبش" في ذلك الوقت أيضاً. وقد توقف سيل الهجرات هذه حين ندخل "البطالمة" في البحر الأحمر،وصار لهم نفوذ سياسي وعسكري على جانبي هذا البحر. غير أنها لم تنقطع انقطاعاً تاماً، إذ يرى بعض الباحثين أن العرب كانوا قد دخلوا الحبشة والسواحل الإفريقية المقابلة فيما بعد الميلاد أيضاً، فنزحوا اليها فيما بين السنة "232" والسنة "250" بعد الميلاد مثلاً، حيث ركبوا البحر ونزلوا هناك.

وقد تبين أن السبئيين كانوا قد استوطنوا في القرن السادس قبل الميلاد المناطق التي عرفت باسم "تعزية"Ta'izziya من أرض "أريتريا" ونجد الحبشة، وكوّنوا لهم حكومة هناك. وأمدوا الأرضين التي استولوا عليها بالثقافة العربية الجنوبية. ولم يقطع هؤلاء السبئيون صلاتهم بوطنهم. القديم، بل ظلت أنظارهم متجهة نحوه في تدخلهم وهم في هذا الوطن بشؤونه وارسالهم حملات عليه واحتلالهم له في فترات من الزمن. ولعلّ ما جاء في أحد النصوص من "مصر" الحبشة، قصد به هؤلاء الذين كانوا قد استوطنوا تلك المنطقة من إفريقية.

وفي القرن السادس قبل الميلاد،كان الاوسانيون قد نزحوا إلى السواحل الافريقية الشرقية، فاستوطنوا الأرضين المقابلة ل Pemba "زنزبار" Zanzibar وهي "عزانيا" Azania، وتوسعوا منها نحو الجنوب. وقد عرف هذا الساحل في كتاب "الطواف حول البحر الأريتري "، باسم Ausaniteae وهو اسم يذكرنا ب "أوسان". وقد ذكر مؤلف الكتاب، أنه كان خاضعاً في أيامه "القرن الأول بعد الميلاد"ء، لحكام Mapharitis. ويريد بهم حكام دولة "سبأ وذو ريدان".

وقد عثر الباحثون على حجر مكتوب في حائط كنيسة قديمة بالقرب من "أكسوم"، وإذا به كتب بالسبئية، وفيها اسم الإلهة السبئية "ذت بعسن" "ذات بعدن" "ذات البعد" وعثر على بقايا أعمدة في موضع "يحا" الواقع شمال شرقي "عدوة" Adua، تدل على وجود معبد سبئي في هذا المكان، كما عثر على مذبح سبئي خصص بالإله "سن" "سين". وعثر على كتابات وأشياء أخرى تشير كلها إلى وجود السبئيين في هذه الآرضين.

وعرف ملك الحبش ب "النجاشي" عند العرب. واللفظة لقب تطلقه العربية على كل من ملك الحبشة، فهي بمنزلة "قيصر"، اللفظة التي يطلقها العرب على ملوك الروم، و "كسرى" التي يطلقونها على من حكم الفرس، و "تبع" التي يطلقونها على من يحكم اليمن. أما في العربية الجنوبية، فقد أطلقت لفظة "ملك" على من ملك الحبشة، وقد ورد "ملك اكسمن"،أي "ملك اكسوم" وورد "ملك حبشت"، أي ملك الحبشة. فأخذ العرب اللفظة من الحبش. وهي في الحبشية بمعنى جامع الضريبة، والذي يستخرج الضريبة، فهي وظيفة من الوظائف في الأصل، ثم صارت لقباً. وورد في بعض النصوص العربية الجنوبية اذ لقب به "جدرة" مثلاً.

ويظن إن مملكة "أكسوم" التي ظهرت في أوائل أيام النصرانية، قد كانت دولة أقامها العرب الجنوبيون في تلك البلاد. وقد استطاع الباحثون من العثور على عدد من الكتابات تعود إلى ملوك هذه المملكة، دوّن بعض منها باليونانية مما يدل على تأثر ملوك هذه المملكة بالثقافة اليونانية وعلى وجود جاليات يونانية هناك نشرت ثقافتها في الحبشة. وقد عرفْت هذه المملكة بمملكة "أكسوم" "اكسمن".نسبة إلى عاصمتها. مدينة "اكسم" "أكسوم".

وقد كان ملوك أكسوم وثنيين. بقوا على وثنيتهم إلى القرن الرابع أو ما بعد ذلك للميلاد. ويظن إن إلملك "عزانا" Ezana وهو ابن الملك "الاعميدا" Ela-Amida، هو أول ملك تنصر من ملوك هذه المملكة وذلك لعثور الباحثين على آثار تعود إلى عصر، ترينا القديمة منها انه كان وثنياً، وترينا الحديثة منها انه كان نصرانياً، مما يدل على أنه كان وثنياً في أوائل أيام حكمه، ثم اعتنق النصرانية، فأدخل شعارها في مملكته، وذلك بتأثير المبشرين عليه.

وفي جملة ما يستدل به على تأثر العرب الجنوبين في الحبش، هو الأبجدية الحبشية المشتقة من الخط العربي الجنوبي. وقرب لغة الكتابة والتدوين عندهم من اللهجات العربية الجنوبية. وبعض الخصائص اللغوية والنحوية التي تشير إلى أنها قد أخذت من تلك اللهجات. ثم عثور العلماء على أسماء الهة عربية جنوبية ومعروفة في كتابات عثر عليها في الحبشة والصومال. ووجودها في هذه الأرضين هو دليل على تأثر الافريقين بالثقافة العربية الجنوبية،أو على وجود جاليات عربية جنوبية في تلك الجهات.

وكما تدخل العرب في شؤون السواحل الإفريقية المقابلة لهم، فقد تدخل. الافريقيون في شؤون السواحل العربية المقابلة لهم. لقد تدخلوا في أمورها مراراً. وحكموا مواضع من ساحل العربية الغربية ومن السواحل الجنوبية وتوغلوا منها إلى مسافات بعيدة في الداخل حتى بلغوا حدود نجران.

ويظهر من الكتابات الحبشية، أن الحبش كانوا في العربية الجنوبية في القرن الأول للميلاد. وقد كانوا فيها في القرن ألثاني أيضاً. ويظهر أنهم كانوا قد استولوا على السواحل الغربية، وهي سواحل قريبة من الساحل الافريقي ومن الممكن للسفن الوصول اليها وانزال الجنود بها. كما استولوا على الأرضين المسماة ب Kinaidokopitae في جغرافية "بطلميوس".

وورد في نص من النصوص الحبشية أن ملك "أكسوم" كان قد أخضع السواحل المقابلة لساحل مملكته، وذلك بارساله قوّات برية وبحرية تغلبت على ملوك تلك السواحل من ال "Arrhabite " "الأرحب" "الارحبية" "أرحب" Kinaidokolpite، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعلى العيش بسلام في البر وفي البحر. ويرى بعض الباحثين إن المراد ب "Arrhabite" بدو الحجاز. وأن Kinaidokolpite هم "كنانة". وأن السواحل التي استولى الأحباش عليها تمتد من موضع "لويكه كومه" Leuke Kome "القرية البيضاء" إلى أرض السبئيين.

ويرى "فون وزمن" أن احتلال الحبش لأرض Kinaidokoplitae الأرض المسماة باسم قبيلة لا نعرف من أمرها شيئاً، والتي ورد اسمها في كتابة Monumentum Adulitanum فقط وفي جغرافية "بطلميوس"، كان قبل تدوين تلك الكتابة وربما في حوالي السنة" 100" بعد الميلاد. ويراد بها ساحل الحجاز وعسير من ينبع Ianbia في الشمال إلى السواحل الجنوبية الواقعة على البحر العربي شمال "وادي بيش"،فشملت الأرض المذكورة والتهائم والساحل كله.

غير اننا نجد أن مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" يشير من جهة آخرى إلى أن الساحل الافريقي المسمى ب "تنجانيقا" في الوقت الحاضر كان في أيدي الحميريين في ذلك الوقت. ومعنى ذلك إن ملك حمير استطاع في أيام ذلك المؤلف من الاستيلاء على ذلك الساحل ومن ضمه إلى ملكه. كما فعل أهل حضرموت وعمان فيما بعد.

ووردت جملة "احزب حبشت" في النص الموسوم ب "CIH 314+954". وهي تشير إلى وجود "أحزاب" أي جماعات من الحبش في العربية الجنوبية. وقد يراد بها مستوطنات حبشية وقوات عسكرية كانت قد استقرت في تلك البلاد. كما وردت في النص الموسوم ب Ryckmans 535 اذدي يتحدث عن حرب أعلنها "الشرح يحضب" على "احزب حبشت"، و "ذى سهرتن" و "شمر ذى ريدان".

وأشار "اصطيفان البيزنطي" إلى قوم دعاهم Abasynoi يظهر من قوله إن مواطنهم كانت في شرق حضرموت. ويفهم من كلامه أن هؤلاء كانوا حبشاً يقيمون في هذه الأرضين. وقد يكونون قد استولوا عليها بانقوة وألحقوا ما استولوا عليه بمملكة أكسوم.

وورد في كتابات تعود إلى أيام "علهان نهقان"، بأن هذا الملك كان قد تفاوض مع "جدرت" "جدرة" ملك "أكسوم" والحبشة لعقد صلح معه. ويظهر من جملة "واقول وقدمن واشعب ملك حبشت"،أي "واقيال وسادات وقبائل ملك الحبشة"، الواردة فيها، أن ملك الحبشة كان يحكم جزءاً من العربية الجنوبية في ذلك الوقت، وان الملك "علهان نهفان" تفاوض معه لتحسين العلاقات السياسية فيما بينه وبين الحبش ولضمان مساعدتهم في حروبه مع منافسيه وخصومه. ويرى "فون وزمن" أن تلك المفاوضات كانت قد جرت في حوالي السنة "180" بعد الميلاد.

وقد عقد "علهان" حلفاً مع الحبش، ويظهر أنه عقده بعد انتهائه من الحرب التي أعلنها على حمير. تلك الحرب التي اشترك الحبش فيها أيضاً وكذلك أهل حضرموت. ولما عقد "علهان" الحلف مع الحبش، كان ابنه "شعر أوتر" قد اشترك معه في الحكم.

ولم يدم الحلف الذي عقد بين "علهان" وابنه "شعر أوتر" من جهة والحبش من جهة أخرى، إذ سرعان ما نقض ووقعت الحرب بن "شعر أوتر" وبين "الحبش" على نحو ما ذكرت في أثناء حديثي عن حكم ""شعر أوتر". إلا أنه لم يتمكن من القضاء عليهم، ولم يزحهم عن اليمن. بل بقوا في الأرضين التي كانت خاضعة لهم والتي تقع في الجزء الغربي من اليمن.

وقد جاء اسم "جدرت" "جدرة" على هذه الصورة: "جدر نجش اكسم" في النصوص. وورد على هذه الصورة: "جدرت ملك حبشت واكسمن" في النص الذي وسم ب Jamme ومعنى الجملة الأولى "جدر نجاشي أكسوم".

ومعنى الجملة الثانية "جدرة ملك الحبشة وأكسوم". وقد قدّر بعض الباحثين زمان حكم هذا النجاششي بحوالي السنة "250" بعد الميلاد.

ويظهر إن الحبش كانوا قد تمكنْوا من دخول "ظفار" عاصمة حمير، وذلك فيما بين السنة "90 ا" و "205" بعد الميلاد. وذلك في أيام "لعزز يهنف يهصدق". ولا ندري إلى متى بقوا فيها. والظاهر أن حكمهم فيها كان قصيراً.

وقد كان نزول الحبش في أرض اليمن في أيام حكم الملك الحبشي "عذبة" على ما يظن. وكان هذا الملك على صلات حسنة بالرومان،ففتح بلاده للمصنوعات الرومانية النفيسة، وظل الحبش في اليمن في أيامه حتى وفاته، فلما توفي أو عزل تولى ملك آخر مكانه هو "زوسكالس" Zoskales وقد أدى هذا التغير إلى تبدل ألحال، اذ اضطر الحبش إلى النزوح من الأماكن التي كانوا قد استولوا عليها. ويرى بعض الباحثين إن ثورة قامت في الحبشة على حكم "عذبة" وأحلت "زوسكالس" محله. فانتهز أهل اليمن فرصة انشغال الحكومة بالاضطرابات التي وقعت بهذه الثورة، ونهضوا على الحبش فأخرجوهم عن ديارهم،وأخرج الحبش من السواحل التي كانوا قد استولوا عليها، المعروفة ب Kinaidokolpitae، ويراد بها ساحلّ الحجاز وعسير.

ووردت في النص الموسوم ب "Rychmans 535"، لفظة "و ذ ب ه" "وذبه" ثم ذكرت بعدها جملة: "ملك اكسمن "، أي "ملك الاكسومين"، أو "ملك الأكسوميين". وهو الملك الذي استعان به "شمر ذو ريدان". وقد قرأ بعض الباحثين لفظة "وذبه" على هذه الصورة "عذبة" اًو "وزبه". وذهبوا إلى أنه ملك الحيشة الذي استعان به "شمر ذو ريدان"4، والذي تدخل في شؤون اليمن فيما بين السنة "300" و "320" بعد الميلادْ، ويظهر من اللقب الطويل الذي تلقب به ملك "أكسوم"،أي الحبشة Ethiopiaوهو الملك "عيزانا" Ezana، أن اليمن وما جاورها من أرضين كانت خاضعة لحكم الحبش في أيامه أيضاً. أما لقبه الذي تلقب به فهو: "ملك اكسوم وحمير وريسان وسبأ وسلحن"، ويذكر بعد هذا اللقب أسماء ثلاثة مناطق افريقية كانت تحت حكمه، ثم ختم هذا اللقب بتتمته، وهي جملة: "ملك الملوك" و "سلحن" "سلحين"، هو قصر ملوك سبأ وذو ريدان بمأرب.

وكان الملك "عيزانا" "عزانا"، قد دخل في النصرانية بتأثير المبشر "فرومنتيوس"، الذي أرسله إليه الملك "قسطنطين" ملك البيزنطيين عام "350" للميلاد أو "356". وقد فرض هذا الملك النصرانية على شعبه وأعلنها ديانة رسمية لمملكته كما جعل الديانة الرسمية للعربية الجنوبية.

وكانت العربية الجنوبية خاضعة لحكم أبيه، ولعلّه هو الذي أدخلها في حكمه. اذ كان أبوه وهو "الاعميدا" Ella 'Amida، قد لقب نفسه باللقب المذكور. ويرى بعض الباحثين أن حكم "عيزانا" لم يكن فيما بين السنة "330" و "350" بعد الميلاد أو بعد ذلك كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، بل كان في حوالي السنة "450" للميلاد. ويرى أن ملكاً آخر كان قد تدخل في شؤون اليمن واستولى على ساحل Kinaidokopitae، هو الملك "سمبروتس" Sembruthes وقد حكم على رأيهم في حوالي السنة "405" بعد الميلاد.

ويرى بعض الباحثين أن الحبش استولوا على العربية الجنوبية بعد وفاة "شمر يهرعش"، وأن ذلك كان في حوالي السنة "335 م". وأن "ثيوفيلس" نصَّر عرب اليمن في حوالي السنة "354 م"، إذ أنشأ كنيسة في " ظفار". وقد صار رثيس أساقفة "ظفار" يشرف على الكنائس التي أنشئت في اليمن وفي ضمن ذلك كنيسة "نجران" والكنائس الأخرى التي بنيت في العربية الجنوبية إلى الخليجْ.

وأعرف تدخل للحبش في العربية الجنوبية، تدخلهم في شؤون اليمن في النصف الأول للقرن السادس واحتلالهم اليمن، إذ بقوا فيها أمداً حتى ثار أهل اليمن عليهم، فتمكنوا من انقاذ بلادهم من الحبش بمعونة من الفرس. وتركوا بذلك اليمن أبداً.

ويظهر من بعض الكتابات أن حصن "شمر" والسهل المحيط به كان في أيدي الحبش، وقد ورد فيها اسم موضع "مخون"، وهو "مخا". ويرد اسم هذه المدينة لأول مرة. وتتناول هذه الكتابات حوادث وقعت سنة "528" بعد الميلاد. وتبدأ قصة دخول الحبش إلى اليمن على هذا النحو: لما قتل ذو نواس من اًهل نجران قربباً من عشرين ألفاً، أفلت منهم رجل يقال له "دوس ذو ثعلبان" أو رجل آخر اسمه "جبار بن فيض" أو غير ذلك، ففرّ على فرس له، فأعجزهم حتى خرج فوصل الحبشة،وجاء إلى ملكها، فأعلمه ما فعل "ذو نواس" بنصارى نجران، وأتاه بالانجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن. وأنا كاتب إلى قيصر أن يبعث إليّ بسفن أجعل فيها الرجال، فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالانجيل المحرق. فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة عبر فيها البحر ودخل اليمن.

وفي رواية أخرى إن "دوس ذو ثعلبان" قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على "ذي نواس" وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا، فلا نقدر على إن نتناولها بالجنود. ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فانه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا، فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي، بعث معه سبعين ألفاً من الحبشة، وأمر عليهم رجلاٌ من أهل الحبشة يقال له أرياط، وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشْرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن. وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم تكن له حرب، غير أنه ناوش ذا نواس شيئاً من قتال، ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه. فما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه، وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فسحل فيه، فكان آخر العهد به. ووطىء "أرياط" اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها، ثم أقام بها.

ويظهر من دراسة هذا المروي،أن الرواة كانوا على اختلاف بينهم في حديثهم عن "أصحاب الأخدود". وقد أشار العلماء إلى هذا الاختلاف. وقد اختلفوا في زمانهم أيضاً، واكتفى بعضهم بقولهم: "وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد"، وقال بعضهم: انهم كانوا باليمن قبل مبعث الرسول بأربعين سنة، أخذهم "يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. وجعل بعضهم عدد من قتل من نصارى نجران عشرين ألفاً، وجعله بعضهم اثني عشر ألفاً، وذكر بعض آخر إن أصحاب الأخدود سبعون ألفاً. وقد قتلهم "ذو نواس اليهودي" واسمه "زرعة بن تبان أسعد الحميري"، واسمه أيضاً "يوسف". وجعله بعضهم "يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري". وجعلوا زعيم نصارى نجران، والذي ثبت النصرانية فيها ونشرها بين النجرانيين رجل من أهل نجران، اسمه "عبد الله بن ثامر". وكان قد أخذ النصرانية عن راهب، رآه فلازمه وتعلق به، وأثر في قومه، بشفائه الأمراض بالدعاء لهم إلى الله لشفائهم، فدخل كثير ممن شفوا وبرؤوا بدينه، وبذلك انتشرت النصرانية في نجران.

ولم يبين رواة الخبر المتقدم الأسباب التي دعت نجاشي الحبشة إلى الطلب من قائده "أرياط" بأن يقتل ثلث رجال اليمن، ويخرب ثلث البلاد، ويسبي ثلث النساء وأبناءهم وأن يتبع هذا النظام الثلاثي في العقوبة. ولم يذكروا الموارد التي أخذوا منها خبرهم على طريقتهم في أخذ الأخبار من غير تمحيص.

وزعم "ابن الكلبي" أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر،حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. فلما سمع بهم ذو نواس، كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وان يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحداً فأبوا، وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك، صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الابل، وخرج حتى لقي بعضهم فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها. فلما وجه الحبشة ثقات اصحابهم في قبض الخزائن، كتب "ذو نواس" إلى كل ناحية أن اذبحوا كل من يريد اليكم منهم. ففعلوا فلما بلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، جهز سبعين ألفاً، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة. فلما صار الحبشة إلى صنعاء ورأى ذو نواس أن لا طاقة له بهم، ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه، فكان أخر العهد به.

هذا مجمل ما ورد في كتب المؤرخين الاسلاميين والأخبارين عن ذي نواس. وقد أخذ بعضه مما علق في أذهان أهل اليمن عن ذلك الحادث، وأخذ بعض آخر مما علق بأذهان أهل الكتاب عنه، ويعود الفضل في تدوينه وجمعه إلى القران الكريم، إِذ إشار بايجاز إليه: )قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود(. فكانت اشارته هذه الى أصحاب الأخدود حافزاً دفع بالمفسرين وأصحاب التأريخ والأخبار على جمع ما علق بالأذهان من هذا الحادث، فجاء على الصورة المذكورة.

ولم يرد الينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوباً في المسند. وكل ما ورد مما له علاقة في حادث دخول الحبشة اليمن، هو ما جاء في النص المهم المعروف بنص حصن غراب والموسوم REP.EPIGR.2633 من أن الأحباش فتحوا أرض حمير وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين.

ولم يذكر في النص اسم هذا الملك. ويعود تأريخه إلى سنة "645" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "525" للميلاد.

ويرى ونكلر مستنداً إلى نص "حصن غراب" أن "ذا نواس" كان هو البادىء بالحرب، وأن السميفع أشوع وأولاده أصحاب النص كانوا في معية الملك ذي نواس في حملته على الحبشة، غير انه لم يكتب له التوفيق، وأصيب بهزيمة اذ سقط فهزم جمعه. وعندئذ غزا الحبش ارض اليمن واستولوا عليها. فأسرع السميفع أشوع وأولاده في الذهاب إلى حصن "ماوية" للتحصن فيه ولتقوية وسائل دفاعه، ولم تكن قلوب هؤلاء مع ذي نواس، وانما أكرهوا على الذهاب معه. وبقوا في حصنهم هذا إلى أن دخل الحبش أرض اليمن، فتفاهم معهم.

وقد أشرت إلى ملخص ما جاء في التواريخ الاسلامية عن ذي نواس وعن حادث تعذيب نصارى نجران، وهو حادث لم يكن بعيد العهد عن الإسلام. فقد أشير إليه بايجاز في القرآن الكريم: ) قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. اذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (. فجمع المفسرون والأخباريون ما علق بالأذهان من هذا الحادث ورووا أخباراً متناقضة متباينة في أصحاب الأخدود.

أما رأي اليهود - وهم طرف من أطراف هذا النزاع - عن حادث نجران فلا علم لنا برأي رجاله المعاصرين في الحادث. إذ لم يصل الينا شيء مدوّن بقلم مؤلف يهودي معاصر له. وقد أخذ الأخباريون - كما قلت - ما كان علق عن ذلك الحادث بأذهان يهود اليمن ويثرب، على لسان وهب بن منبه، وأضرابه، أخذوه عن طريق الرواية والحفظ، فهذا المدون في كتب أهل الاخبار والمنصوص على سنده هو كل ما نعرفه من رأي اليهود المتأخرين في حادث في نجران.

وأما ما رواه النصارى عنه، وهم الطرف الثاني فيَ النزاع، فإنه أطيب جداً وأوضح مما ورد في الموارد الاسلامية وفي الرواية اليهودية الشفوية اذ اعتمدت المواد الاسلامية واليهودية على منابع شفوية، هي السماع والرواية، فجاء وصفها للحادث مزوّقأَ. أما الموارد النصرانية فقد اعتمدت على السماع والمشافهة أيضاً، ولكنها أخذت من موارد ووثائقّ مسجلة دوّن بعضها بعد وقوع الحادث بقليل، وكان لتدوينها الحادث أهمية كبيرة بالنسبة لمن يريد تأريخه والوقوف على كيفية حدوثه، وإن كانت لا تخلو أيضاً من المبالغات والتهويل، والعواطف، لأنها كتبت في ظروف عاطفية حماسية. ونقلت من محيط للمبالغة فيه مكانة كبيرة ومن أفواه أناس ليس لهم علم بمنطق المحافظة على صدق الواقع. وقد دوّنت لبعث حمية النصارى على انقاذ أبناء دينهم المضطهدين في اليمن.

وقد ادرك بعضها زمن الحادث وأخذ سماعاً من رجال شهدوه، أو من رجال نقلوا رواياتهم من شهود العيان. فلهذه الوثائق إذن شأن عظيم،ني نظر المؤرخ. ومن هؤلاء الرحالة: "قزما"، والمؤرخ "بروكوبيوس" المتوفي في حوالي السنة "565" للميلاد. ومن المتأخرين: المؤرخ "ملالا" Johannes Malala. وقد نقل من كتابه بعض المؤرخين المتأخرين عنه،مثل "ثيوفانس"Theophanes "758 - 818" و "سدرينس" Georg Cedrnus، و "نيقيفورس كالستيNicephorus Callisti.

وكان "قزما" المعروف ب Cosmas Indicopleutes أي "قزا بحار البحر الهندي"، وصاحب كتاب "الطبوغرافية النصرانية" Christian Cosmography وكتاب "البحار الهندية" "بحار البحر الهندي" Indicopleutes في مدينة "أدولس" Adulis، الواقعة على ساحل الحبشة على المحيط الهندي ينقل كتابة "بطلميوس" Ptlemaeus اليونانية بأمر النجاشى )Elesboan ()Elesboas( في العهد الذي كان فيه النجاشي يتهيأ لغزو أرض حمير. فكتب في جملة ما كتبه قصة غزو الحبشة لليمن بعد25 عاماً من وقوعه. فلروايته عن الحملة شإن كبير لأنها غير بعيدة عهد عن الحادث، ثم إن صاحبها نفسه كان قد أدركها وقد سمع أخبارها من شهود عيان. ولعله كان نفسه من جملة أولئك الشهود، شاهد السفن وهي تحمل الجنود لنقلهم إلى اليمن، واتصل بالرسميين الحبش واستفسر منهم عن الحملة.

ويفهم من رواية "قزما"، إن الحملة كانت في أوائل أيام حكم القيصر "يسطينوس" Justinus "518 -527م". أما "ثيوفانس" Theophanes و "سدرينوس" Cedrnus ومن اعتمد عليهما، فقد جعلوا الحملة في السنة الخامسة من حكم هذا القيصر، وذكروا إن الذي حمل النجاشي على هذا الغزو هو تعذيب ملك حمير لنصارى نجران، وقد قتل هذا الملك.

ويحدثنا "ثيوفانس". و "سدرينوس" عن غزو ثانٍ قام به الحبش على حمير لآعتداءاتهم على تجار الروم،وذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم "يوسطنيانوس" Justinus "527 - 565م"، وفي عهد النجاشي "ادد"Adad. أما ملك حمير، فاسمه "دميانوس"Damianus. وقد ذكر "ملالا" هذا الحديث محرفأَ بعض التحريف، فجعل اسم النجاشي "أندس" Andasبدلاّ من ادد، وصيّر اسم ملك حمير "دمنوس" Damnus عوضاً عن "دميانوس" Damianus، وذكر حملة "اندس" هذه قبل جملة Elasbaas. وأشار إلى أن النصرانية كانت قد انتشرت في الحبشة قبل أيام "اندس". وذكر المؤرخان الآخران إن "أدد" تنصر على أثر احرازه النصر على الحمريين.

وتحدثنا رواية سريانية إن النجاشي المسمى "ايدوك" Aidog حارب الملك "اكسينودون" Xenedon ملك الهنود. ثم حارب "دميون" Dimion ملك حمير لاعتدائه على التجار الروم واستيلائه على أموالهم. فانتصر "ايدوك" على ملك حمير، ثم تنصر، وعين على حمير ملكاً نصرانياً. فلما مات هذا الملك، عذب خلفه نصارى نجران، فغزا "ايدوك" حمير وانتصر عليها. وأقام علها "ابرهام" "ابراهيم" Abraham. ولا يشك المستشرق "فيل" Fell في أن - المراد ب "Adad" "Andas" "Aidog"" رجل واحد هو النجاشي "كالب"،وهو Elasbaas "كلب الا أصبحه" "كالب الا اصبحه". وأما Dimion , Damianus, Xenedon، يراد بها "ذو نواس". وقد تحدث "فل" Fell باطناب عن مختلف الروايات الواردة عن النجاشي "كالب" "كلب الا إصبحه" و "الاعاميدة". "عيلاميده" وعن انتشار النصرانية في الحبشة، وأمثال ذلك، فإليه يرجع من يطلب المزيد.

وفي المرويات اليونانية عن الشهداء أن الذي قام بتعذيب نصارى نجران هو الملك "ذو نواس" Dunaas ملك حمير، وان ذلك كان في السنة الخامسة من حكم، "يوسطينوس" Justinus، أن الذي غزا اليمن هو النجاشيEla Atzbeha. فلما دخلت جيوشه أرض حمير، فر Dunaas الى الجبال فتحصن فيها، حتى إذا سنحت له الفرصة خرج فقتل من بقي من جيش النجاشي في اليمن واحتل مدينة "نجران" فقام عندئذ Elesbas بحملة ثانية فانتصر بها على "Dunaas" وعين Abraham في مكانه.

وفي جملة ما لحق بقصص الشهداء الحميريين، المناظرة التي جرت بين أسقف "ظفار" المسمى "كَريكنتيوس " Gregentiusوبين Herban اليهودي، والظاهر أنها من القصص الذي وضع في السريانية وليست لها قيمة تأريخية بالطبع. وقد دوّن "يوحنا الأفسي" John of Ephesus المتوفي في حوالي سنة "585" للميلاد في تأريخه الكنسي وثيقة مهمة جداً عن حادث تعذيب نصارى نجران، هي رسالة وجهها "مار شمعون" أسقف "بيت أرشام" Simon of Beth Arsham المعاصر لهذا الحادث إلى "رئيس دير جبلة" Abt von Gabula يصف فيها ما سمعه وما قصصَّه عليه شهود عيان من أهل اليمن وما لاقوه هناك من أصناف العذاب. ومنه أخذها البطريق "ديونيسيوس" Patriach Dionysius، فأدخلها في تأريخه المؤلف بالسريانية. وقد نشرها "السمعاني" في مؤلفه "المكتبة الشرقية". وتجد هذه الرسالة أيضاً في تأريخ "زكريا" Zacharias von Mitylene المتوفي في حوالي سنة "568" للميلاد، وهو بالسريانية أيضاً. وفي الرسالة اختلافات عن نسخ الرسالة الأخرى، ولكنها غير مهمة على كل حال ولا تغير من جوهرها شيئاً.

وقد ذكر "شمعون" في رسالته أنه كان قد رافق "ابراهيم" "ابراهام" Abraham والد"نونوسوس" Nonnosus الشهير في رسالة خاصة أمر بها القيصر "يوسطينوس" Justinus الأول الى ملك الحيرة "المنذر الثالث". وكان ذلك في العشرين من كانون الثاني من سنة "835" من التأريخ السلوقي،وتقابل هذه السنة سنة"524" للميلاد. فلما بلغا قصر الملك، سمعا بأخبار استشهاد نصارى نجران. وعلم به "شمعون".من كتاب وجهّه ملك حمير الى ملك الحيرة، يطلب منه أن يفعل بنصارى مملكته ما فعله هو بنصارى نجران. وقد قرىء الكتاب أمامه، فوقف على ما جاء فيه، وعلم به أيضاً من رسول أرسله في الحال إلى نجران ليأتيه بالخبر اليقين عن هذه الأعمال المحزنة التي حلت بالمؤمنين.

وقد وجّه شمعون في نهاية الرسالة نداءً إلى الأساقفة خاصة أساقفة الروم ليعلمهم بهذه الفاجعة التي نزلت باخوانهم في الدين، والى بطريق الاسكندرية ليتوسط لدى نجاشي الحبشة في مساعدة نصارى اليمن، كما وجّه نداءه الى أحبار "طبرية" للتأثير على ملك حمير، والتوسط لديه بالوصف عن الاضطهاد والتعذيب.

وقد درس عدد من الباحثين هذه الرسالة، ونقدوها، وهي في الجملة صحيحة ووثيقة مهمة لا شك في ذلك بالنسبة إلى من يريد الوقوف على موضوع استشهاد نصارى نجران. أما ما جاء فيها على لسان ملك حمير من جمل وعبارات استخلصت على حد قول "شمعون" من الرسالة التي وجهها ملك حمير إلى المنذر، فمسألة فيها نظر، وقضية لا يمكن التسليم بها، فلا يعقل أن يكون ما قيل فيها على لسانه قد صدر منه. وما دوّن فيها من عبارات بحق الشهيد "حارثة" "الحارث" Arethas ونصارى نجران لا يعقل أن يكون قد صدر من ملك يهودي. ولكننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أمر الرسالة التي أرسلها الملك إلى المنذر لحثه على اضطهاد نصارى مملكته مقابل مبلغ يقدمه ملك حمير إليه. ولا داعي يدعو إلى نكرانها والشك فيها. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الرسالة صحيحة، ولكن ما دونه شمعون من جمل وعبارات على انها من كلام ملك حمير، هو من انشائه وكلامه، لا ترجمة حرفية للكتاب. وخلاصة ما يقال في الرسالة انها وثيقة مهمة، ولها قيمة تأريخية في الجملة بغض النظر عن التفصيلات الواردة فيها وعن عواطف كاتبها وعن المبالغات التي وردت فيها وفي مركز صاحبها والمكانة التي كان فيها ما يسوغ صدور مثل هذه الأمور منه ووقفه عليها.

ومن الوثاثق التأريخية التي تتعلق بشهداء نجران كتاب ينسب إلى "يعقوب السروجي" في السريانية في نصارى نجران، وقصيدة في رثاء الشهداء ل"بولس" Paulus Bishop of Eddessa أسقف "الرها" Eddassa=Edessa ومدحه اياهم، ونشيد كنسي سرياني ل"يوحنا بسالطس" Johannes Psaltes رئيس دير قنسرين المتوفى سنة "600" للميلاد، وميمر ليعقوب الرهاوي.

ويظهر مما ورد في "كتاب الشهداء الحميريين" وفي رسالة "شمعون الأرشامي" أن "يعقوب السروجي" أسقف "سرجيوبولس" Sergiopolis أي "الرصافة" كان من رجال البعثة المذكورة التي أوفدها القيصر "يوسطين الأول" "يسطينوس" Justin 1 إلى الملك "المنذر". و "الرصافة" Sergiopolis هي "متروبولية منطقة الفرات" Metoripolis of Euphratensis بالنسبة إلى نصارى العرب. ويذكر مؤلف الكتاب المذكور أنه عمد وهو في "حيرة النعمان" "حيرتا دى نعمانا" Hirtha Dhe,Na, mana أحد سادات حمير، واسمه "أفعو"Afu، وكان أحد الوثنين الذين جاؤوا من اليمن إلى الحيرة، وقد شاهد بنفسه تعذيب نصارى "نجران". وقد كلفه ملكه، أي ملك حمير،السفارة عند ملك الحيرة. ولكنه كان رقيق القلب، فرق قلبه وهو في الحيرة على النصرانية، فتنصر على يديه.

وقد نقل مؤلف كتاب الشهداء الحميريين صورة الكتاب الذي أرسله ملك حمير، وقد دعاه "مسروقاً" Masruq، إلى "المنذر بن الشقيقة" "منذر بن شقيقة" Mundhar bar Zaqiqa وهو يحرضه فيه على النصارى.

ولا بد من الإشارة إلى الأثر المهم المنشور باليونانية ل "يوحنا بولند" Johann Bolland وجماعته في عشرات المجلدات، والى أثر آخر نشره "بويسونا" Boissona في اليونانية كذلك في خمسة مجلدات. فقد دوّنت في الكتاب الأول قصة الشهيد القديس "الحارث" Arethas وبقية شهداء نجران، وقصة الحرب التي وقعت بين النجاشي وذي نواس. ودوّنت في الأثر الثاني مضامين رسالة "مار شمعون". وقد بين "فينندفل" Winand Fell رأيه فيما جاء في مجموعة "بولند" Bolland.

وللنصوص الحبشية ولا شك أهمية عظيمة عند من يريد تدوين غزو الأحباش لليمن وتأريخ شهداء نجران إذ كانوا الطرف الرئيسي في هذا الحادث، وهم الذين أغاروا على اليمن فقتلوا ملك حمير. لذا وجّه الباحثون أنظارهم نحوها وفتشوا عنها، غير انهم لم يعثروا على نصوص فيها أمور جديدة عن الحادث تنفرد بها. وما عثر عليه ليس بكثير. ومن ذلك كتابة عليها "يوسف سابيتو" J.Sapeto أشير فيها باختصار إلى القديس الحارث "حيروت" Herut وبقية الشهداء، وجملة مخطوطات حبشية محفوظة في المتحف البريطاني وردت فيها أخبار الشهداء وغزو الحبشة لليمن، وأمر "ذو نواس" المسمى فيها ب "فنحاس"،وهي لا تختلف في الجملة اختلافاً كبيراً عما جاء في أعمال "البولنديين" وأعمال القديس "أزقير" التي نشرها "روسيني"، وهو الذي استشهد بأمر ملك حمير "شرحبيل بن ينكف" مع "38" آخرين.

يتبين من بعض الموارد الإغريقية والحبشية أن الأحباش كانوا قد نزلوا بأرض حمير قبل قيام ذي نواس بتعذيب نصارى حمير بسنين، وانهم انتصروا على ذي نواس، فاضطر إلى التقهقر إلى الجبال للاحتماء بها، وانهم تركوا في اليمن جيشاً لحماية النصارى والدفاع عنهم. فلما مات قائد الجيش ونائب الملك، انتهز ذو نواس هذه الفرصة فأغار على الحبش فتمكن منهم، وعذّب من وجد في بلاده من النصارى واضطهدهم، وأغار على نجران، وحاصرها مدة طويلة بلغت سبعة أشهر على زعم الرواية الحبشية. فلما طال الحصار،عمد ذو نواس إلى الخداع والغش، ففاوض النجرانيين على التسليم له، وتعهد إن فتحوا له المدينة، ألاّ يتعرض لهم بسوء. فلما صدقوه وفتحوا المدينة له، أعمل فيهم السيف، فحمل، ذلك الحبش على غزو اليمن.

وورد في كتاب الشهداء الحميريين، ما يفيد بأن الحبش بعد أن نزلوا أرض حمير، عارضهم رجل اسمه "مسروق" وحاربهم وقاومهم، وهاجم مدينة "ظفار" عاصمة حمير، وكان الحبش قد استولوا عليها وتحصنوا بها، ولما رأى "مسروق" أنه لا يتمكن من التغلب على الحبش الذين كانوا يحاربونه في مدينة "ظفار"، أوفد اليهم كهانأَ ويهوداً من طبرية ورجلين من الحيرة كانا نصرانيين في الاسم، يحملون معهم كتاباً يعدهم فيه أنهم إن سلّموا له "ظفار" فلن يؤذيهم، بل يعيدهم إلى الحبشة سالمين. فوثقوا بكلامه وصدّقوه، وخرجوا إليه وكانوا ثلاث مئة محارب على رأسهم القائد "أبابوت"، فقبض عليهم وغدر بهم، إذ سلمهم إلى اليهود فقتلوهم. ثم أرسل من حرق بيعة ظفار بمن كان فيها من الحبش، عددهم مئتان وثمانون رجلاً، وكتب إلى الحميريين آمراً بقتل النصارى قاطبة إن لم يكفروا بالمسيح ويتهوّدوا. وكتب إلى الحارث من أشراف مدينة نجران أن يأتيه مع من عنده من حملة السلاح لحاجته الشديدة اليهم. فلما بلغ الحارث مدينة ظفار، وسمع بما حدث، رجع إلى نجران. فحاصر مسروق المدينة، وطال الحصار، فراسل أهلها على الأمان. فلما فتحوا له مدينتهم، غدر بهم، وأحرق بيعتهم وأحرق خلقاً منهم بالنار رجالاً ونساءً وأطفالاً. وكان بعض قسيسيهم من حيرة النعمان ومن الروم والفرس والحبشة.

فلما تمادى مسروق في غيه وفي قتل النصارى في نجران وغير نجران من مدن اليمن وقراها، سار سيد من سادات القوم اسمه "أميّة" الى الحبشة فأخبر مطرانها "أوبروبيوس" و "كالب" النجاشي بما حل بنصارى اليمن، فأمر "كالب" جيوشه بغزو حمير، فغزتها وقضى على "مسروق" اليهودي، وهو "ذو نواس" في كتب الإسلاميين.

هذه رواية في السبب المباشر لغزو اليمن. وفي رواية أخرى أن الملك "دميون" Dimion "دميانوس" Dimianos ملك حمير Homeritae، كان قد أمر بقتل التجار الروم الذين كانوا في بلاده وبنهب أموالهم انتقاماً من الروم الذين أساؤوا في بلادهم معاملة اليهود واضطهدوهم، فتجنب التجار الروم الذهاب إلى اليمن أو إلى الحبشة والى المناطق القريبة من حمير، فتأثرت التجارة مع الحبشة، وتضرر الأحباش. فعرض النجاشي على ملك حمير عروضا لم يوافق عليها، فوقعت الحرب. وتزعم الرواية أن النجاشي لم يكن نصرانياً، فقيل له: إن كتب لك النصر فادخل قي دين المسيح. فوافق على ذلك. فما انتصر، تنصّر، وانتقم من حمير. ثم أرسل رجلين من ذوي قرابته الى القيصر يلتمس منه إرسال أسقف وعدد من رجال الدين. وبعد بحث واستقصاء وقع الاختيار على Johannes Paramonaris من كنيسة القديس يوحنا، فذهب مع عدد من الكهان " فعمّد النجاشي وأتباعه، وأقام الكنائس، وأرشد الناس إلى الدين الصحيح.

وقد عرف ذو نواس في النصوص النصرانية باسم Dimnus=Damian و Damnus=Dimianos و "مسروق". ونرى تشابهاً كبيراً بين Dimnus و Damian و Damnus وكلمة "ذو نواس" العربية. فالظاهر أنها تجريف نشأ عن هذا الأصل. وأما النصوص الحبشية فقد دعته "فنحاس" Phin,has، وهو اسم من اسماء اليهود.

أما النجاشي الذي حارب حمير وغزا أرضها طَ فقد دعاه "بروكوببوس" باسم Hellestheaeus. ودعاه غيره بأسماء قريبة منه مثل Elesbowan=Elisbahaz و Ela-Atzbeha=Elesbaas=Elesboas. ويظهر انها أخذت من "ايلا اصباح" Ela-Asbah أو "ايلاصباح" Ela-Sebah في الحبشية. ودعي أيضاً باسم اخر، هو Aidug، دعاه به "يوحنا الأفسي" Johannes von Ephesus و "اندس" Andas وقد دعاه "ملالا" بذلك. و Adad ودعاه به "ثيوفانس" و "سدرينوس" Cedrenus. أما في الروايات الحبشية، فقد سمي "كالب" Kaleb. فهو إذن "الا أصبحة كالب" Elle, Asbwha Kaleb وتعني "الا" Elle=Ella "ذو" أو من "آل". وأما "أصبحة"، فاسم أجداده وعشيرته التي انحدر منها. كما أن "ذا نواس"، لا يعني اسم الملك، بل لقب أسرته. فاسمه هو "يوسف". ويكون النجاشي، أي ملك الحبشة الذي جهز الجيش وفتح اليمن هو "كالب" من "آل أصبحة" أو "الا أصبحة كالب" كما عرف بذلك.

وقد تحول اسم النجاشي Ela Sebah=Elesbass الى "أصحمة" في العربية. فقد ذكر بعض العلماء أن "أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي"، ف "أصحمة" إذن هو النجاشي المذكور.

والنجاشي Ela Atybeba=Elesboas، وهو ابن النجاشي Tayena الذي كان على النصرانية. وقد خلف هذا النجاشي، النجاشي Andas الذي كان قد أقسم أنه إذا انتصر في الحرب يتنصر. فانتصر،فدخل في النصرانية. وصارت النصرانية ديانة رسمية للحبشة. وقد لقب Tayena بلقب "ملك اكسوم وحمير Homer وريدان وسبأ وسلحين" في كتابة من كتاباته، مما يدل على أنه كان قد حكم اليمن.

وقد عثر في خرائب مدينة "مأرب" القديمة، على نص مصاب بتلف في مواضع عديدة منه، تبين من دراسة ما بقي منه انه مدون بلغة أهل الحبشة، وأنه يتحدث عن غزو بحري لميناء لم يذكر اسمه في النص، وقد يكون ذلك بسبب التلف الذي أصاب النص، قام بذلك الغزو مدون النص، وقد كان في سفينة تبعتها إحدى عشرة سفينة أخرى، فنزل بذلك الميناء وتغلب عليه ونزل المحاربون من سفنهم ودخلوا الميناء، فأخذوا غنائم وأسرى. ثم تلت هذه السفن دفعة ثانية من سفن جاءت محملة بالمحاربن، نزلوا في موضع يقع جنوب الموضع الذي نزل هو فيه. لم يذكر اسمه في النص كذلك. وقد انتصر الغزاة على الأماكن التي هاجموها، لأنهم كانوا مع الحق والشرع، فكان الله معهم، وكان أهل الميناء على الباطل وضد الشريعة الحقة فعوقبوا بالهزيمة.

والنص المذكور - وإن كان خلواً من كل إشارة إلى "ذي نواس"، أو إلى اسم "نجاشي" الحبشة، أو إلى زمن وقوع الغزو والأماكن التي وقع عليها - يشير إلى غزو الحبش لليمن في حكم "ذي نواس"، والى تغلب الحبش عليه. ويظهر منه أن القافلة الأولى تركت ساحل الحبشة من موضع "ادولس" "عدولس" "عدولي" Adulis على ما يظهر وكانت بإمرة "الا اصبحة"، فعبرت باب المندب، حتى وصلت إلى ساحل اليمن. وقد اختارت ميناء "مخا" موضعاً للنزول، فنزلت به وتغلبت على أصحابه. ثم جاءت قافلة أخرى نزلت في موضع يقع جنوب هذا الميناء، وتغلبت على أصحابه كذلك. وبذلك تم النصر للحبش. ولم يشر النص إلى أسم الموانىء التي تحرك منها الجيش، أو الموانىء التي نزل بها في ساحل اليمن.

وقد عالج الباحثون هذه الأسماء، فرأى قسم منهم أنها تعني شخصاً واحداً هو ملك الحبشة الذي حارب ذا نواس. ورأى آخرون أن المراد ب Aidug و Adad و Andas شخص واحد هو نجاشي حكم قبل هذا العهد، اي في القرن الرابع للميلاد، وهو "الا عاميدة" "علا عاميدة" Ela Amida، المعاصر للقيصر قسطنطين، وكان أول من تنصر من ملوك الحبشة على بعض الروايات. وذلك لعدم انسجام هذه الرواية التي تنص على تنصر Aidug بعد انتصاره على حمير، كما أشرت إلى ذلك، مع روايات أخرى تشر إلى تنصر ملوك الحبشة قبل غزو اليمن هذا بكثير.

وترى الروايات العربية أن ذا نواس لما غُلب على أمره ورأى مصيره السيىء، ركب فرسه وسار إلى البحر فدخله فغرق فيه. أما الروايات الحبشية والإغريقية، فإنها ترى أنه سقط حياً في أيدي الأحباش فقتلوه.

وهناك شعر نسب إلى علقمة ذي جدن زعم انه قائله، هو: أو ما سمعت بقبل حمير يوسفاً  أكل الثعالب لحمه لم يقتبر ?

وقد استدل منه "فون كريمر" على أن ذا نواس لم يغرق في البحر كما في الروايات العربية الأخرى، بل قتل قتلاً كما ورد في روايات الروم.

حكم السميفع أشوع

وذكر "بروكوبيوس" إن الذي حكم حمير بعد مقتل ملكهم هو رجل اسمهEsimiphaios=Esimiphaeus اختاره النجاشي من نصارى حمير ليكون ملكاً. على أن يدفع إلى الأحباش، جزية سنوية فرضي بذلك وحكم. غير أن من تبقىّ من جنود الحبشة في أرض حمير ثاروا عليه وحصروه في قلعة، وعينوا مكانه عبدأَ نصرانياً اسمه "ابراهام" Abraham كان مملوكاً في مدينة "أدولس" "عدول" Adulis لتاجر يوناني. فغضب النجاشي وأرسل قوة قوامها ثلاثة آلاف رجل لتأديبه وتأديب من انضم إليه. فلما وصلت إلى اليمن، التحقت بالثوار، وقتلت قائدها وهو من ذوي قرابة النجاشي. فغضب Hellestheaeus عندئذ غضباً شديدآ،وسيّر إليه قوة جديدة لم تتمكن من الوقوف أمام أتباع Abram فانهزمت ولم يفكر النجاشي بعد هذه الهزيمة في إرسال قوة أخرى. فلما مات، صالح Abraham خليفته على دفع جزية سنويه، على أن يعترف به نائباً عن الملك على اليمن، فعين نائبا عنه.

وذكر "بروكوبيوس" أيضاً أن القيصر "يوسطنيانوس" أرسل رسولاً عنه إلى النجاشي Ela-Atzbeha Hellestheaeus والى Esimiphaeus اسمه "جوليانوس" Julianus ليرجو منهما اعلان الحرب على الفرس وقطع العلاقات التجارية معهم، لأنهما والقيصر على دين واحد، فعليهما مساعدة أبناء دينهم الروم والاشتراك معهم في قضيتهم، وهي قضية عامة مشتركة، على النصارى جميعاً الدفاع عنها.

وطلب من ملك حمير Homeritae خاصة أن يوافق على تعيين "قيس" "Phylarch" Caisus=Kaisos سيداً على قبيلة معد Maddeni، وأن يجهز جيشاً كبيراً يشترك مع قبيلة معد في غزو ارض الفرس. وكان قيس كما يقول "بروكوبيوس" من أبناء سادات القبائل، وكان شجاعاً قديراً وكفؤاً جداً وحازماً، قتل بعض ذوي قرابة Esimiphaeus فانهزم إلى البادية هائماً. وقد وعد الملك خيراً، غير أنه لم ينجز وعده، إذ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق طويلة تمر بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من قومه في الحرب. وقد وصل رسول "جستنيان" "يوسطنيان" Justinian سنة "531م" إلى ميناء "ادولس" من البحر، ثم ذهب منه إلى "اكسوم" حيث وجد النجاشي Ela Atybeba واقفاً على عربة ذات أربع عجلات، وقد ربطت بها، أربعة فيلة، وكان عارياً إلا من مئزر كتان مربوط بذهب، وقد ربط على بطنه وذراعيه حلياً من ذهب. وبعد أداء هذا الرسول رسالته، ثار "ابرام" Abram على Esimiphos، وقضى على حكمه.

وقد رجع السفير فرحاً مستبشراً بنجاح مهمته، معتمداً على الوعود التي أخذها من الملكين. غير انهما لم يفعلا شيئاً، ولم ينفذا شيئا مما تعهدا به للسفير. فلم يغزوا الفرس، ولم يعين "السميفع أشوع" "قيساً" "فيلارخاً" على قبيلة معد. وقد تحرش Abramos=Abram بالفرس، غير انه لم يستمر في تحرشه بهم، فما لبث أن كف قوانه عنهم.

ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة وعريقة، له عند قومه مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة. ولشخصيته ولمكانة أسرته، وأرسل رسوله الى "السميفع" لاقناعه بالموافقة على اقامته رئيسا على قومه، وبهذا يكتسب القيصر رئيسا قويا وحليفا شجاعا يفيده في خططه السياسية الرامية الى بسط سلطان الروم على العرب، ومطافحة الساسانيين.

وقد زار "ابرام" Abram والد "نونوسوس" Nonnosus الذي أرسله جستنيان" Justinian إلى النجاشي وإلى اليمن وإلى معد Caisus=Kaisos "قيساً" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "535م"، وزاره "نونوسوس" نفسه في أثناء حكمه، فأرسل "قيس" ابنه "معاوية" معه إلى القسطنطينية إلى "يوسطنيان"، ثم استقال "قيس"، وصار أخوه رئيساً على معد، وزار القسطنطنية، فعينّ "فيلارخاً" على فلسطين.

ويظهر من دراسة خبر المؤرخ "بروكوبيوس" أن قيصر الروم المذكور كان قد أرسل رسولاً عنه إلى "النجاشي" وإلى "السميفع"، إبان حكم السميفع لليمن، أي قبل ثورة "أبرام" "أبرهة" عليه. ولهذا كلمه الرسول في أمر "قيس"، ولكنه أخفق في اقناعه بالعفو عنه وبالاعتراف به رئيساً على معد، فلم يعترف به إلى مقتله. فلما توفي، جاء رسول القيصر ثانية إلى النجاشي والى ابرهة والى "قيس" بمهمة تحريضهم لمعارضة الفرس، وتوحيد كلمتهم. وكان "أبرهة" على عكس "السميفع" على علاقة طبية ب "قيس"، وقد قرر تنصيبه رئيساً على معد.

وقد أشار المؤرخ "ملالا" إلى خبر الرسول الذي أرسله القيصر إلى النجاشي لاقناعه بالاشتراك مع الروم في محاربة الفرس، غير أنه لم يذكر اسم الرسول الذيَ أوفده القيصر إلى بلاط "أكسوم". وقد ذكر أن النجاشي بعد أن تغلب على ملك حمير عين أحد ذوي قرابته ويدعى Anganes=Agganعلى الحميريين. وأما "يوحنا الأفسي"،. فقد دعاه Abramios، ودعاه "ثيوفانس،" "الحارث" Arethas.

و Esimiphaeusالذي نصبه النجاشي ملكاً على حمير بعد مقتل ملكهم اليهودي،   

هو "السميفع أشوع"، صاحب النص الموسوم ب CIH 621 بين العلماء. وقد دونه مع أولاده: "شرحبيل" يكمل" و "معديكرب يعفر"، وجماعة من سادات القبائل منهم: أبناء ملحم "ملحهم"، وكبراء "كبور" قبائل محرج سيبان ذو نف. وقد كان السميفع أشوع من "بني لحيعت يرخم"،وكان هو وأولاده سادة "الهت" على: "كلعن" "كلعان" أي الكلاع و"ذ يزن" "ذى يزان" "ذى يزأن" و "ذى جون" و "مثلن" "مثلان" "مطلحن" "مطلحان" و "شرفن" "شرفان" "شرقان" و "حب" "حبم" ويثعن "يثعان" و "يشر" يشرم ويزر ومكرب "مكريم، و "عقهت" "عقهة" و "بزاي" "بزايان" ويلجب "يلجبم" وغيمن "غيمان" "جيمان" و يسب وجبح وجدوى "جدويان" و "كزر" "كزران" و "رخيت" وجردان "الجرد" وقبيل "قبلان" و شرجى "شرجا".

أما أبناء ملحهم، فقد كانوا على وحظت "وحظة" و "الهان" "الهن" و "سلفن" "سلفان" "السلف"، و "ضيفن" "ضيفت" "الضيفة" و "ريان" "رثاج" و "رياح" و "ريحن" و "ر كب" "ركبن" و "مطلن" "مطلان" و "مطلفن" "مطلفان" و "ساكلن" "ساكلان"، و "زكزد".

وقد دونوا النص المذكور، لمناسبة ترميمهم واصلاحهم أسوار ودروب ومنافذ وصهاريج حصن "مويت" "عرمويت"، "ماويت" "ماوية"، وتحصنهم فيه بعد أن جاء الحبش إلى أرض حمير ففتحوها، وقتلوا ملكها وأقياله الحمريين والأرحبيين، وذلك في شهر "ذو حجت" "ذي الحجة" من سنة "640" من التأريخ الحميري الموافق لسنة "525 " للميلاد.

ويظهر إن "السميفع أشوع"، كان من أهل "نصاب"، وكان قد هاجر لسبب لا نعرفه هو وأولاده إلى الحبشة.فأقام بها، ثم عاد فاستقر في "عرّ مويتّ" أي في "حصن ماوية"، وأخذ يوسع من هذا الحصن أرضه ويفتح أرضين جديدة ويتقدم نحو الأرضين التي حكمها "ذو نواس". فلما جاهر "ذو نواس" بمناصبة النصرانية والحبش والروم العداء،كلفه الحبش والروم بمهاجمة "ذي نواس" وقدّموا له المساعدات المادية من عون عسكري ومالي، يستعين بها في تنفيذ مشروعه هذا. وأخذ يشتري القبائل ويفرض نفوذه عليها بالقوة وبالمال حتى انتهى الأمر بزوال ملك "ذي نواس"، فعيّن "السميفع" حاكماً على اليمن ونائباً عن ملك الحبشة عليها، الا أن ثورة وقعت فيها، قضت على حكمه، فولى الأحباش شخصاً آخر في مكانه. وذلك بعد السنة "531" للميلاد.

و "شرحب ال لحمى عت يرخم" "شرحبيل لحيعت يرخم"، هو والد "السميفع أشوع"، ولم يكن ملكآَ، غير أنه لم يكن من العامة، بل كان من "اقول" الأقيال. وذلك لعدم ذكر لقب الملك بعد اسمه، وعدم نص ابنه "السميفع" على أن والده كان ملكاً. ويجوز أن يكون للسميفع أشوع أبناء آخرون،غير الولدين: "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكسل" و "معد يكرب يعفر" المذكورين في النص.

وفي متحف استانبول نص وسم ب Osma. Mus. No:281 نشره وترجمه العالم البلجيكي "ريكمنس" G.Ryckmans، في مجلة Le Museon،وردت في مطلعه جملة: "نفس قدس سميفع أشوع ملك سبا "، وفي آخره عبارة: "بسم رحمنن وبنهو كرشتش غلبن "، ومعناها "بسم الرحمن وابنه المسيح الغالب". وفي هاتين الجملتين دلالة مريحة على أن السميفع أشوع كان ملكاً على سبأ وأنه كان على دين النصارى. وقد استعمل النص كلمة "كوشتس" بمعنى المسيح ويستعملها أهل الحبشة كذلك. وقد أخذوها، ولا شك من الروم. ويؤيد كولت "السميفع أشوع" نصرانياً، ما ذكره المؤرخ "بروكوبيوس" من أن الحبشة عينت رجلاً نصرانيأ من حمير اسمه Esimiphaeus ملكاً على حمير، وذلك بعد قتل الملك الحميري الذي عذِّب النصارى في بلاده، ويقصد به ذو نواس.

ولم جيك "السميفع أشوع" ملكاً مستقلاً كل الاستقَلال يتصرف بملكه كيف يشاء، بل كان في الواقع تابعاً لحكومة "أكسوم". يفهم ذلك صراحة من هذا النص الذي أتحدث عنه. جاء في السطر الثالث منه:"امراهمو نجشت اكسمن برو وهوثرن"، أي "في أيام أميرهم نجاشي أكسوم بنوا وأسسوا". وجاء في السطر السادس: "املكن الابحه ملك جبشت"، أي "الملك الابحة ملك الحبشة"، ويقصد ب "الابحة" نجاشي الحبشة "الا أصبحة" Ella ' Asbeha الذي كان ملك الحبشة في ذلك العهد، وعاصمته مدينة "أكسوم".

وتعني كلمة "نجشت" الواردة في النص ملكَاً أو أميراً في العربية، وقد أخذها العرب من البفس، وأطلقوها على ملوك الحبش، وهي "نجاشي" و "النجاشي" في عربيتنا، كما أطلقوا كلمة "قيصر" على اباطرة الروم.

وقد ذكرت في النص أسماء "ذو يزان" "ذو يزن" و "حسن" "حسان" و "شرحبال" "شرحبيل" قيل "ذو معفرن"، أي قيل المعافر. و"اسودن" أي الأسود "وسميفع" قيل "دو بعدان" "ذ بعدن"، وزرعة قيل مرحبم، أي مرحب "المراحب" و "حارث" و "مرثد" أمراء "ثعبان"و "شرحبيل يكمل". وجاء بعض هذه الأسماء في نصوص أخرى، ومنها نص " حصن غراب" المتقدم وقد اشتهر بعض هذه القبائل في الإسلام.

ولدينا نص غفل من التأريخ وسمه العلماء بREP.EPIG.4069، وردت فيه جملة أسماء، هي: "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكمل" و"شرحب ال يقبل" "شرحيل يقبل"، و "مرثد علن احسن" "مرثد علن أحسن" "مرثد علان أحسن"، و "سميفع أشوع" أبناء "شرحب ال لحى عت يرخم" "شرحبيل لحيعت يرخم" أقيال "اقول" "ذو يزان" "ذو يزن" و "جدنم" "ذو جدن" و "يلجب" و "يصر". ويظن أن "السميفع أشوع" المذكور هنا هو الملك الذي نتحدث عنه. ولم يلقب في هذا النص بلقب ملك، كما لم يلقب به والده كذلك. والظاهر أنه كتب قبل عهد توليه الملك. وأنه لم يكن من الأسرة المالكة، ولكن من ابناء الذوات والأعيان. ووردت في نهاية النص جملة "الرحمنّ رب السماء والأرض"، وهي عبارة تختلف عن العبارات المألوفة التي نعهدها في النصوص الوثنية القديمة، تظهر منها عقيدة التوحيد والابتعاد عن الآلهة اقديمة بكل جلاء. غير أننا لا نستطيع أن نستخرج منها أن صاحبها كان يهودياً كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، أو أنه كان نصرانيا. انما نستطيع أن نقول إن أصحاب هذا النص كانوا على دين التوحيد وكفى.

ومن الأسماء الواردة في هذا النص: "ضيفتن" "ضيفت" "ضيفة" و "ريحم" "ريح" "رياح" و "مهرت" "مهرة" وقبيلة "سيبن" "سيبان ". وقد تكون مهرت "مهرة"، هي مهرة التي تنسب إلى "مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قصاعة" في اصطلاح النسابين.

ويقع "عرمويت"، أي حصن "مويت" "ماوية" في جزيرة بركانية تسمى حصن الغراب" وهو الآن خراب. وقد عثر الباحثون في أنقاضه على كتابة وسمت بCIH 728 دونها "صيد ابرد بن مشن" "صيد ابرد بن مشان"، أحد أقيال "بدش" "باداش". وورد فيها اسم "قنا". وقد كان لهذا الحصن شأن كبير في تلك الأيام لحماية الجزيرة والميناء من الأعداء المهاجمين ومن لصوص البحر. وللدفاع عن التجار الذين كانوا يتاجرون مع افريقية والهند. ولهذا اهتم " ألسميفع أشوع" وأولاده بترميمه وبإصلاحه وتقويته.

وأما ميناء "قنا" الذي ذكرته في مواضع من هذا الكتاب، وهو في الموضع المسمى ب "بيرعلي" في الوقت الحاضر على رأي بعض الباحثين، فقد كان من الموانىء المهمة على البحر العربي. وقد كان مرفأ للتجارة الآتية من الشمال، أو من البحر لارسالها إلى "شبوة" ومواضع أخرى في شمال هذا الميناء.

ومما يلاحظ أن المواضع الآثارية التي على الساحل الجنوبي لجزيرة العرب قليلة معدودة. وتكاد تنحصر في أرض عدن وابينَ. وحصن الغراب وفي مواضع من أطراف "ظفار" وحول "المكلا" و"الشحر " وساحل مهرة. مع ان السواحل هي من المواضع التي يجب أن تكون في العادة عامرة بالمدن والمرافئ بسبب سهولة اتصالها بالعالم الخارجي، ووقوعها على طرق مائية تجلب اليهن السفن والناس. والظاهر ان وخامة الجو في هذه السواحل وصعوبة حماية ساحل من لصوص البحر، وتفشي الامراض، وملوحة المياه الجوفية، واسبابا اخرى، كانت في جملة ما حال بين الناس وبين بناء المدن على هذه السواحل.

وقد اشتهرت ظفار بأنها المرفأ المعد لتصدير اللبان والمر وحاصلات البلاد العربية الجنوبية الاخرى. وكان محاطا بسور. أما المواضع الاخرى، فلم تكن مسورة في الغالب. وقد اشار " كرب ايل وتر " في اخباره عن حروبه في السواحل الجنوبية انه خرب مدينة " تفض" في " ابين "، واحرق مواضع اخرى على البحر، يظهر انها لم تكن مسورة. ويظهر ان السواحل لم تكن مأهولة مثل الارضين الشمالية العالية، فلم يعثر الباحثون على كتابات كثيرة فيها حتى الآن. وصارت مدينة "عدن" ومدينة "قنا" من أهم المرافىء على الساحل الجنوبي.

هذا ولا بد لي هنا من الإشارة إلى كتابة حبشية ناقصة عثر عليها "أحمد فخري" سنة "1947م" بمأرب، فيها إشارة إلى دخول الحبشة إلى اليمن، وإن لم ينص على ذلك نصاً. ويظن أنها تشدير إلى استيلاء "الا اصبحة" النجاشي على اليمن سنة "525" للميلاد. وانتصارة على "ذي نواس".

ويظهر من هذه الكتابة أن حملة الحبش على اليمن نقلت في قافلتين من السفن: تحركت القافلة الأولى بقيادة النجاشي الذي كان قد احتجز سفينة خاصة به، فعبرت به باب المندب ورست عد ساحل اليمن.وكانت سفينة النجاشي أول سفينة بلغته، ثم تلتها بقية السفن. وقد سقط من الكتابة اسم الموضع الذي رست السفن فيه، ولعلة "مخا". فوقعت معارك بين ألحبش، وبين الحميرين، انتصر فيها الأحباش فأخذوا أسرى وغنائم. ولما كان النصر ناقصاً وقد طمست من الكتابة البا??قية منهَ كلمات، فقد صار غامضاً مقتضباً،لا يفهم منه إلا إشارات.

???أبرهة

AbrahamوAbramiois هما اسمان لمسمى واحد، أريد به "أبرهة" المشهور عند أهل الأخبار الذي اغتصب الملك باليمن، ونصب نفسه حاكماًعليها، ولقب نفسه بألقاب الملوك، وإن اعترف اساساً بأنه "عزلى ملكن اجعزين"، أي "نائب ملك الأجاعزة" على اليمن. وحكم اليمن أمداً، وترك في نفوس اليمانيين اثراً قويا.

ويرى بعض الباحثين أن "كالب ايلا أصبحة "، كان قد أرسل حملة سنة "523" للميلاد على اليمن، حملتها اليها سفن بيزنطية، نزلت في البلاد وتغلبت على "ذي نواس" فهرب "ذو نواس" من "ظفار"، ثم عاد فباغت الحبش وأنزل بهم خسائر كبيرة، واضطهد النصارى وعذّ بهم. فحمل النجاشي على ارسال حملة جديدة عليه نزلت اليمن سنة525" للميلاد. وصارت في أيدي الحبش حتى سنة "530" للميلاد. اذ قامت ثورة على الحبشة، وانتهز "أبرهة" الفرصة، فأخذ الأمر بيديه، وبقي حاكماً على اليمن منذ هذا الوقت تقريباً حتى سنة "575" للميلاد. وكان قد انتزع الحكم من "السميفع أشوع"، الذي نصّبه الحبش ملكاً على اليمن حين دخولهم اليها وعيّنوا رجلين من الحبش يحكمان معه ويراقبان أعماله لئلا يقوم بعمل يضر مصالحهم.

ولأهل الأخبار روايات عن كيفية استئثار "أبرهة" بالحكم واغتصابه له. لهم رواية تقول: إنه جاء إلى اليمن جندياً من جنود القائد الحبش "أرياط" الذي كلفه نجاشي الحبشة بفتح اليمن، فلما أقام باليمن سنين، نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، حتى تفرقت الحبشة، وخرج أبرهة على طاعة قائده، ثم غدر به وأخذ مكانه. ورواية أخرى، تقول إن النجاشي أرسل جيشا ًقوامه سبعون الفاً، جعل عليه قائدين، أحدهما: أبرهة الأشرم. فلما ركب ذو نواس فرسه واعترض البحر فاقتحمه وترك به، نصب أبرهة نفسه ملكاً على اليمن، ولم يرسل له شيئاً، فغضب النجاشي ووجه اليه جيشاً عليه رجل من أصحابه، يقال له أرياط، فلما حل بساحته، بعث اليه أبرهه: "إنه يجمعني واياك البلاد والدين، والواجب عليّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا". فرضي بذلك أرياط، واْجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعاً يلتقيان به، واكمن أبرهة لأرياط عبداً يقال له: "أرنجده" في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه، فسمي الأشرم، ونهض أرنجده من الحفرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله". وأخذ أبرهة الحكم لنفسه واستأثر به.

وتذكر رواية أخرى، أن النجاشي كان قد وجه أرياط أباصحم "ضخم" في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته. فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن.

وتذكر رواية إن "أرياط" اخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان، حصوناً لم يكن في الناس مثلها. ونسبوا في ذلك شعراً إلى "ذي جدن"، زعموا أنه قاله في هذه المناسبة. ويظهر من روايات اخرى أن تلك الحصون بقيت إلى ما بعد أيامه. وذكر أن "أرياط" كان فوق أبرهة، أقام باليمن سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك.

وتجمع روايات أهل الأخبار على أن النجاشي غضب على أبرهة لما فعله باليمن ولما أقدم عليه من قتل أرياط، وأنه حلف الاّ يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويحز ناصيته، ويهرق دمه. فلما بلغ ذلك أبرهة، كتب إلى النجاشي كتاباً فيه تودد واعتذار وتوسل واسترضاء، فرضي النجاشي عنه، وثبته على عمله بأرض اليمن.

ولما استقام الأمر لأبرهة باليمن، بعث إلى "أبي مرة بن ذي يزن"، فنزع منه امرأته "ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان"، و "علقمة" هو ذو جدن. وكانت ولدت لأبي مرّة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد ابي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة. وهرب منه أبو مرة.

ولأبرهة ذكر وشهرة. في كتب أهل الأخبار والتأريخ. وقد ورد اسمه في الشعر الجاهلي، وضرب به المثل في القوة والصيت والسلطان، حتى لنجد أهل الأخبار يذكرون اسماء جملة اشخاص دعوهم "أبرهة" ذكروا أنهم حكموا اليمن.

والظاهر أن الشهرة التي بلغها في أيامه وغزوه القبائل العربية واستعماله القسوة معها، أحاطته بهالة في أيامه تضخمت فيما بعد، فأحيط بقصص وأساطير وصير من اسمه جملة حكام حكموا باسم "أبرهة".

فقد ذكروا اسم "أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ". وكان يقال له "الرائد". وجعلوا لأبرهة هذا ولدين، هما: إفريقس، والعبد ذو الأذعار. وأولد إفريقس شمر يرعش. وذكروا "أبرهة" آخر، قالوا له: "أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة". وسمى "الهمداني" جملة رجال "أبرهة"، وأدخلهم في "الأصابح". ويظهر من دراسة اسم "أبرهة" ونعته في الحبشية أن الأخباربين أخذوها فصيرّوا منها أسماء عربية ربطوا بينها وبين تأريخ اليمن كما فعلوا مع أشخاص اخرين.

وقد ضرب "لبيد بن ربيعة العامري" المثل ب "أبي يكسوم" وهو أبرهة في وجوب الاتعاظ بهذه الدنيا الفانية التي لا تدوم لأحد، فقال: لو كان حي في الحياةُ مخلداً  في الدهر ألقاه أبويكسـوم

والتبّعان كلاهما وُمـحـرَق  وأبو قبيس فارس اليحمـومْ

وقد ترك أبرهة وثيقة مهمة على جانب خطير من الأهمية، وهي النص الذي وسم بGlaser 618 وبCIH 541، عند الباحثين في العربيات الجنوبية. وهي ثاني نص طويل يصل الينا من اليمن، يتألف من "36 ا" سطراً ومن حوالي "470" كلمة وتبحث عن ترميم سدّ مأرب ذي المكانة الخالدة في القصص العربي وتجديده مرتين، وذلك في أيام أبرهة. المرة الأولى في شهر "ذو المدرح" من سنة "657" من التاريخ الحميري المقابلة لسنة "542" للميلاد، والثانية في شهر "ذو معان" "ذ معن" من سنة "658" من التأريخ الحميري، أي في سنة "543" من الميلاد.

وقد افتتح النص بالعبارة الاتية: " بخيل وردا ورحمت رحمنن ومسحو ورح قدس سطرو ذن مزندن. إن ابره عزلى ملكن اجعزين رمحز زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت"، أي "بحول و قوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس سطروا هذه الكتابة. إن أبرهة نائب ملك الجعزيين رمحز زبيمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في النجاد وفي تهامة ". ويلاحظ أن أبرهة قد لقب نفسه في هذا النصر باللقب الرسمي الذي كان يتلقب به ملوك حمير قبل سقوط دولتهم، مع أنه كان "عزلى ملكن اجعزين"،أي نائب ملك الجعزين. والواقع أنه كان قد استأثر بالحكم في اليمن، وحصر السلطة في يديه، وصار الحاكم المطلق، ولم يترك النجاشي أكسوم غير الاسم، حتى أنه دعاه في هذا النص "ملك الجعز" حسب.

وفي النص حديث عن ثورة قام بها "يزد بن كبشت" "يزيد بن كبشة" من السادات البارزين في اليمن. وكان أبرهة قد أنابه عنه، وجعله خليفته على قبيلتي "كدت" و "دا"، غير أنه ثار عليه لسبب لم يذكر في النص، وأعلن العصيان. وانضم إليه أقيال "اقول" سبأ و "اسحرن"،وهم: "ذو سحر" و "مرة " و"ثممت" و "ثمت" "ثمامة" و "حنش" "حنشم" و "مرثد " و "حنف" "حنفم" "حنيف" و "ذ خلل" "ذو خليل" و "ازانن" و"الأزان" والقيل "معد يكرب بن سميفع"، و "هعن" "هعان" واخوته أبناء أسلم. فما بلغ نبأ هذه الثورة مسامع "أبرهة"، سيّر إليه جيشاً بقيادة "جرح ذزبنر" "جراح ذو زبنور"، فلم يتمكن أن يفعل شيئأ، وهزمه "يزيد"، واستولى على حصن "كدر" "كدار"، وجميع من أطاعه من "كدت" "كدة" ومن "حريب" حضرموت وهاجم "هجن اذمرين" "هجان الذماري" وهزمه واستولى على أملاكه، وحاصر موضع "عبرن" "عبران" "العبر". عندئذ قرر أبرهة معالجة الموقف بارسال قوات كبيرة لرتق الخرق قبل اتساعه، فجهز في شهر "ذ قيضن" "ذو القيض" "ذو قيضان" من سنة "657" من التقويم الحميري أي سنة "542" للميلاد جيشاً لجباً من الاحباش والحميريين، وجهه نحو أودية "سبأ" و "صمرواح" ثم "نبط" على مقربة من "الوادي" "عبرن" "عبران" "العبر". وفي "نبط" جعل أهل "الو" "الوى" و "لمد" والحميربين في المقدمة. أما القيادة، فكانت بأيدي القائدين: "وطح" "وطاح" و "عوده" "ذو جدن". وبينما كان الجيش في طريقه لحرب."يزيد بن كبشة" إذا به يظهر مع عدد من أتباعه أمام "أبرهة" يطلب منه العفو والصفح. أما الباقون، فقد تحصنوا في مواضعهم، وأبو الخضوع والاستسلام.

وبينما كان أبرهة يفكر في أمر بقية الثائرين إذا به يسمع بخبر سيء جداً، هو تصدع سد "مأرب" وتهدم بعض توابعه، وذلك في شهر "ذ مذرن" "ذو مذران" "ذو المذرى" من سنة "657" من تقويم حمير، أي سنة "542" للميلاد. فأمر مسرعاً بتحضير مواد البناء والحجارة ، وحدد أجل ذلك بشهر "ذ صربن" "ذو الصرب" من السنة نفسها. وفي أثناء مدة التحضير هذه، افتتح أبرهة كنيسة في مدينة مأرب يظهر أنه هو الذي أمر ببنائها، ورتب لخدماتها جماعة من متنصرة سبأ. ولما انتهى من ذلك عاد إلى موضع السدّ لوضع أسسه وأقامته مستعيناً بحمير وبجنوده الحبش، لكنه اضطر بعد مدة إلى السماح لهم بإجازة، ليهيئوا لأنفسهم الطعام وما يحتاجون إليه، وليريحهم مدة من هذا العمل المضني الذي تبرموا منه، وليقضي بذلك على تذمر العشائر التي لم تتعود مثل هذه الأعمال الطويلة الشاقة. ورجع أبرهة في أثنائها إلى مأرب، فعقد معاهدة مع أقيال سبأ وتحسنت الأحوال، وأرسلت إليه الغلات والمواد اللازمة للبناء،ووصلت إليه جموع من الفعلية وأبناء العشائر، فعاد إلى العمل بهمة وجد، فأنجزه على نحو ما أراد، فبلغ طوله خمسة وأربعين "أمماً". أما عرضه، فكان أربع عشرة ذراعاً، بني بحجارة حمر من "البلق". وانجزت أعمال قنواته وأحواضه والمشروعات الفرعية المتعلقة به في "خبشم" "خبش" وفي "مفلم" "مفلل" "مفول". وقد دوّن أبرهة في نهاية النص ما أنفقه على بناء هذا السد من أموال، وما قدّمه إلى العمال والجيس الذي اشترك في العمل من طعام واعاشة من اليوم الذي بدئ في بالانشاء حتى يوم الانتهاء من في شهر "ذو معن" ذو معان" من سنة "658" الموافقة لسنة "543"للميلاد.

ويظهر من النص أن ثورة "يزيد بن كبشت" كانت ثورة عنيفة قوية، وأنها شملت حضرموت و "حريب" و "ذو جدن" و "حباب" عند "صراواح". ولكنها فشلت وتغلبت أبرهة عليها بمساعدة قبائل يمانية ذكرها في النص.

أما "يزيد بن كبشة" فلا نعرف من أمره في الزمن الحاضر إلا شيئاً يسيراً، وهو ما كره أبرهة في نصه عنه، من أنه عيّه عاملاً ووكيلاً عنه على قبيلة "كدت" "كدة". وهي كندة على رأي أكثر العلماء.

وأما الاقيال الذين انضموا إليه وساعدوه، وهم: "ذو سحر" و "مرة" و "ثمامة" و "حنش" و "مرثد" و "حنيف" وآل ذو خليل وذو يزان "ذ يزن" "ذو يزن"، و "معديكرب بن سميفع" و "هعن" "هعّان" واخوته أبناء أسلم. فهم يمثلون على الجملة الطبقات الأرستقراطية القديمة في سبأ. فآل ذو خليل وذو سحر، من الأسر التي ذكرت أسماؤها في النصوص المدونة قبل الميلاد. وقد أرخ بأسرة "ذي خليل" في نصوص المسند، وذكروا في كتابات السبئيين العتيقة التي تعود الى أيام المكربين. وكان لهم في أيامهم شأن يذكر في تأريخ سبأ، إذ كان منهم المكربون. وذكر "الهمداني" اسم جماعة يقال لهم "البحريون"، قال: انهم من ولد ذي خليل من حمير.

وليس من السهل تشخيص "مرّة" و "ثمامة"، فهما من الأسماء المتعددة المذكورة في الكتب العربية. وقد أشير إلى "ثمامة بن حجر" ملك "قصر الهدهاد" في "عمران". وذكر الهمداني "بني ثمامة" وقال: إن جبأ مدينة المعافر، وهي لآل الكرندي من بني ثمامة آل حمير الأصغر، فهل يكون لهؤلاء صلة ب "ثمامة" النص ? وذكر بعض الأخباريين اسم ملك من ملوك اليمن سموه "مرثداً" زعموا أنه كان آخر الملوك، وزعم قسم منهم أنه حكم مدة قصيرة بعد "ذي نواس"، فهل صاحب هذا الآسم هو "مرثد" المذكور في النص ? ولا عبرة بالطبع بما ذكر من أنه كان ملكاً، فقد كان من عادة الأقيال والأذواء التلقب بلقب ملك.

وورد "ذو مراثد بن ذو سحر"، في الموارد العربية، فجمعت بين "مراثد" و "سحر"، وورد اسم "سحر" واسم مرثد في النص، فهل هنالك صلة بين هذه الأسماء ? ويرى "كلاسر" أن "ازان"، هم "يزن"، ومتهم "سيف بن ذى يزن" الذي ثار على الحبش،واستعان بالفرس لانقاذ بلاده من أيدي الأحباش.

وأما معديكرب بن سميفع، فيرى الباحثون أنه ابن "السميفع أشوع". وقد جاء اسمه بين أسماء الأقيال الذين ثاروا على أبرهة، وانضموا إلى ثورة "يزيد ابن كبشة". فهو من الأقيال الحاقدين على أبرهة لاغتصاب أبرهة الملك من والده. ولهذا انضم إلى "يزين بن كيشة ! سيد "كدت" "كندة" وحارب معه الحبش.

وفي أثناء وجود أبرهة في مأرب قضي على عصيان الأقيال الذين انضموا إلى ثورة "يزيد"، وأبوا الخضوع لحكم أبرهة بعد استسلام يزيد وخضوعه. وكذلك استسلمت قبيلة كدار "كيدار" "كدر"، وتحسن موقفه بذلك كثيراً، وأصبح سيد اليمن وصاحب الأمر. أما الذين ساعدوه وآزروه وعاونوه والتفوا حوله، فهم: ذو معاهر و "بن ملكن" ابن الملك ومرجزف وذو ذرنح وعدل "عادل" و ذو فيش، وذو شولمان "ذو الشولم" و "ذو شعبان" "ذو الشعب" وذو رعين "ذرعن"، و "ذو همدان" و"ذو الكلاع"، و "ذ مهدم" "ذو مهد" و "ذ ثت" "ذو ثت" "ذو ثات"و"علسم" و "ذو يزان" "ذ يزن" "ذو يزن"، و "ذو ذبين" "ذو ذبيان" و "كبر حضرموت" كبير حضرموت، وذو فرنة "ذ فرنة". وقد ذكر النص انهم كانوا إلى جانب الملك، وانهم كانوا على ود وصداقة معه. وهم بالطبع من أسر عريقة، ومن كبراء القوم، وقد وردت أسماء بعض أسرهم في النصوص المدونة قبل الميلاد.

ولم يذكر في هذا النص اسم "كبر حضرموت"، أي كبير حضرموت الذي كان يحكم حضرموت في أيام أبرهة، يظهر من ذكره مع الرجال الذين حضروا إلى مأرب أنه كان تابعاً لأبرهة، أو أنه كان حليفا له.

وتدل جملة "بن ملكن"، على أن المراد بها "ابن الملك"، أي "ابن أبرهة"، ولم يشر النص إلى اسمه. فلعله قصد أكبر أولاده. ويرى البعض انه كان يحكم "وعلان" "ذو ردمان"، وانه كان يلقب ب "ذ معهر" "ذو معاهر" "ذو معهر". وقد أشار "الهمداني" إلى "ذي المعاهر". وذكر أنه قصر "وعلان" ب "ردمان".

وفي اثناء وجود أبرهة في مأرب، وفدت إليه وفود من النجاشي ومن ملك الروم "ملك رمن" ومن ملك القرس "ملك فرسن"، ورسل من "المنذر" "رسل مذرن" ومن "الحارث بن جبلة" "رسل حرثم بن جبلت" ومن "أب كرب بن جبلة" "أبكرب بن جبلة" "رسل ابكرب بن جبلت"ومن رؤساء القبائل. ويلاحظ إن النص قد قدّم النجاشي على ملك الروم، كما قدّم ملك الروم على ملك الفرس، ثم ذكر من بعد ملك الفرس اسم المنذر والحارث ابن جبلة وأبي كرب بن جبلة "ابكرب بن جبلت". أما تقديم النجاشي على غيره فأمر لا بد منه، وذلك لسيادة الحبشة ولو بالاسم على اليمن، واعتراف أبرهة بسيادة مملكة اكسوم عليه. وفي ارسال مندوب عن النجاشي إلى أبرهة في مهمة سياسية، دليل ضمني على انفراد أبرهة بالحكم، واستقلاله في ادارة اليمن حتى صار في حكم ملك مستقل، يستقبل وفود الدول ورسلهم ومن بينهم وفد من ملك قامت حكومته بغزو اليمن والاستيلاء عليها. وأما تقديم ملك الروم على ملك الفرس، فلصلة الدين والسياسة بين الحبشة والروم واليمن، فللروم الأسبقبة والأفضلية اذن على الفرس.

ويلاحظ أيضاً أن النص قد استعمل كلمة "محشكت" للوفد أو الرسل الذين جاؤوا الى أبرهة من النجاشي ومن ملك الروم، فكتب "محشكت نجشين" و "محشكت ملك رمن" أي "رسل الجا!ثي" "سفراء النجاشي" "سفير النجاشي" و "رسل ملك الروم". وتعني كلمة "محشكت" في إللغة السبئية "الزوجة"، فعبرّ في هذا النص بهذه الكلمة عن معنى "سفير" "سفراء" و "رسل حكومة صديقة مقربة"، فلها إذن هنا معنى دبلوماسي خاص. أما بالنسبة إلى رسل "ملك الفرس"، فقد أطلق عليهم كلمة "تنبلت"، فكتب "تنبلت ملك فرس"، أي "وفد ملك الفرس" وذلك يشير إلى أن لهذه الكلمة معنى خاصأَ في العرف السياسي يختلف عن معنى "محشكت"، وأن الوفد لم يكن في منزلة وفدي الحبشة والروم ودرجتهما.

ولقد أحدث مجيء مندوب النجاشي "رمحيز زبيمن" ومندوب ملك الروم ومبعوث ملك الفرس،ورسل المنلر ملك الحيرة، والحارث بن جيلة وأبي كرب اين جبلة، أثراً كبيراً ولا شك في نفوس العرب الجنوبيين، وفي نفوس الأقيال وقبائلهم، فمجيء هؤلاء إلى اليمن، وقطعهم المسافات الشاسعة، ليس بامر يسير، وفيه أهمية سياسية كبيرة. وفيه تقدير لأبرهة ولمكانته في هذه البقعه الخطرة المسيطرة على البحر الأحمر وفمه عند باب المندب، وعلى المحيط الهندي. كما أحدثت الأبهة التي اصطنعها أبرهة لنفسه في اليمن. والقوة التي جمعها في يديه أثرأَ كبيراً ولا شك أيضاً في نفوس المبعوثين الذين قطعوا تلك المسافات للوصول إلى عاصمة سبأ ذات الأثر الخالد في النفوس.

ولم يكن مجيء هؤلاء المبعوثن إلى أبرهة لمجرد التهنئة او التسلية أو المجاملة أو ما شاكل ذلك من كلمات مكتوبة في معجمات السياسة. ولكن لأمور أخرى أبعد من هذه وأهم، هي جرّ أبرهة إلى هذا المعسكر أو ذلك، وترجيح كفة على أخرى، وخنق التجارة في البحر الأحمر، أو توسيعها، ومن وراء ذلك اما نكبة تحل بمؤسسات الروم وتجاراتهم، واما ربح وافر يصيبهم بما لا يقدر. لقد كان العالم إِذ ذاك كما هو الآن، جبهتين: جبهة غربية، وجبهة أخرى شرقية: الروم والفرس. ولكل طبّالون ومزمرون من الممالك الصغيرة وسادات القبائل يطبلون ويزمرون، ويرضون أو يغضبون، ويثيبون أو يعاقيون إرضاء للجبهة التي هم فيها، وزلفى اليها وتقرباً. لقد سخر الروم كل قواهم السياسية للهيمنة على جزيرة العرب، أو ابعادها عن الفرس وعن الميالين اليهم على الأقل. وعمل الفرس من جهتهم على تحطيم كل جبهة تميل إلى الروم وتؤيد وجهة نظرهم وعلى منع سفنهم من الدخول إلى البحر الهندي، والاتجار مع بلاد العرب. وعمل المعسكران بكل جد وحزم على نشر وسائل الدعاية واكتساب معركة الدعاية والفكر، ومن ذلك التأثير على العقول. فسعى الروم لنشر النصرانية في الجزيرة، فأرسلوا المبشرين وساعدوهم، وحرضوا الحبشة على نصرها ونشرها، وسعى الفرس لنشر المذاهب النصرانية المعارضة لمذهب الروم والحبشة ولتأييد اليهودية أيضاً، وهي معارضة لسياسة للروم أيضاً. ولم يكن دين الفرس عكما نعلم نصرانياً ولا يهودياٌ، وإنما هو دين بغيض إلى أصحاب الديانتين. ولم يكن غرض الروم "من بث النصرانية أيضاً خالصاً لوجه الله بريئاً من كل شائبة.

أما النجاشي الذي أرسل الوفد إلى أبرهة فاسمه "رمحيز زبيمن" "رمحيز زبيمان" كما ذكر ذلك أبرهة نفسه. ولا يعرف من أمر هذا النجاشي شيء كثير، ولا يعرف كذلك أكان قد خلف النجاشي "كالب ايلا أصبحة" Kaleb Ela Asbaha الذي بأمره كان الفتح، أم كان خلفاً لخليفته. وقد أشرت من قبل إلى ما ذكره "بروكوبيوس" وأهل الأخبار عن التوتر الذي كان بين نجاشي الحبشة وأبرهة، وعن امتناع أبرهة عن دفع جزية سنوية إليه. ويظهر إن أبرهة رأى أن من الخير له مصالحة النجاشي والاعتراف بسلطانه اسمياً، وفي ذلك كسب سياسي عظيم، كما هو كسب للنجاشي ولو صورياً، فدفع الجزية له وتحسنت العلاقات.

وأما "ملك رمن" ملك الروم، فلم يذكر "أبرهة" اسمه في نصه. ولكن يجب أن يكون هو القيصر "يوسطنيانوس" Justinian الذي حكم من سنة"527" حتى سنة "566" للميلاد، وكان حكمه بعد حكم "يسطين" الذي ولى الحكم من سنة "518" حتى سنة "527" للميلاد. وكان "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" قد وضع خطة للتحالف مع الحبش ومع حمير للاضرار بالفرس. وراسل "السميفع أشوع" Esimiphaeus للاتحاد معه ولمحاربة الفرس. فلما تولى "أبرهة" الحكم عاد القيصر فاتصل به، وتودد إليه لتنفيذ ما عرضه على "السميفع أشوع" من مهاجمة الفرس. فوافق أبرهة على ذلك، وأغار عليهم غير أنه ترجع بسرعة.

وأما "حرثم بن جبلت"، فهو الحارث بن جبلة ملك الغساسنة، وأما "ابكرب بن جبلت"، فإنه Abochorabus المذكور في تأريخ "بروكوبيوس". وقد ذكر هذا المؤرخ أن القيصر "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" Justinian كان عينه عاملاً "فيلارخا" Phylarch على عرب السرسين Saracens بفلسطين، وأنه كان رجلاً صاحب قابليات وكفاية، تمكن من تأمين الحدود ومن منع الأعراب من التعرض لها، فكان هو نفسه يحكم قسماً منهم، كما كان شديداً على المخالفين له. وذكر أيضاً أنه كان يحكم أرض غابات النخيل جنوب فلسطين، ويجاور عربها عرب اخرون يسمون "معديني" "معدّ" للأع " Maddeni هم أتباع ل "حمير" Homeritae.

أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقرّبه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات نخل كثير، عرفت عند الروم ب Phoinikon "واحة النخيل"، أو "غابة النخيل" وهي أرض بعيدة، لا تبلغ إلا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، إذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعين هذا الرئيس عاملاً "فيلارخاً" على عرب فلسطين.

وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسية بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" Amorkesos الذي سبق إن تحدثت عنه في كلامي على علاقة العرب بالبيزنطيين.

و "غابة النخيل" التي ذكرناها، تجاور أرض قبيلة "معد" Maddenoi، وكانت معد كما يظهر من أقوال المؤرخ "بروكوبيوس" خاضعة في عهده لحكم الحميريين. وقد ذكرت كيف أن القيصر توسط لدى "السميفع أشوع" ليوافق على تعيين "قيس" رئيساً على معد. وقد تمردت هذه القبيلة على "أبرهة"، فسيرّ اليها قوة لتأديبها، كما يظهر ذلك من كتابة أمر "أبرهة" بكتابتها لهذه المناسبة. أدّبها بقوة سيرّها اليها في شهر "ذو ثبتن" من شهور فصل الربيع، فانهزمت معد، وأنزلت القوة بها خسائر فادحة. وبعد أن تأدبت وخضعت، اعترف "أبرهة" بحكم "عمرو بن مذر" عليها، وتراجعت القوة عنها.

و Maddenoi، هي قبيلة Ma,addayaالتي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" John of Ephsus مع "طياية" Taiyaye في كتابه الذي وجهّه إلى أسقف "بيت أرشام" Beth Arsham،ويظهر من هذا الكتاب أن عشائر منها كانت مقيمة في فلسطين.

وفي القرآن الكريم سورة، أشارت إلى سيل العرم، هي سورة سبأ، ورد فيها: )لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جناّت عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم.واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنيتهم جنتين ذواتي أكل خمط واثلٍٍ و شيء من سدرٍ قليل(. ولم يحدد المفسرون الوقت الذي تهدم فيه السد.

ول "أبرهة" نص آخر، كتبه بعد النص المتقدم، لمناسبة غزوه "غزيو" "معداً"، في شهر "ذ ثبتن" "ذى ثبت" "ذى الثبت" "ذى الثبات" من شهور سنة "662" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "547" أو "535" للميلاد. وهذا النص عثرت عليه بعثة "ريكمنس" مدوّنا على صخرة بالقرب من بئر "مريغان". فوسم ب Ryckmans 506. وقد ترجمه "ريكمنس" G.Ryckmans الى الفرنسية، ثم إلى لغات أخرى.

وفي النص مواضع طمست فيها معالم بعض الحروف، عزّ بذهابها فهم المعنى وضبط الأعلام. كما أن فيها بعض تعابير معقدة، عقدت على من عالجه فهم المعنى فهماً واضحاً، ثم هو نص قصير لا يتجاوز عشرة اسطر، واختصر وصف الحوادث حتى صيره وكأنه برقية من برقيات "التلغراف"، ولكنه مع كل هذا ذو خطر بالغ،لأنه يتحدث عن حوادث لم نكن نعرف عنها شيئاً، ويصف الأوضاع السياسية في ذلك العهد، ويشير إلى اتصال ملوك الحيرة بالحبش والى سلطان حكام اليمن على القبائل العربية، مثل معدّ، مع أنها قبائل قوية وكثيرة العدد. وهو مما يؤيد رواية أهل الأخبار في أنه كان لليمن نفوذ على قبائل معدّ وأن تبايعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على تلك القبائل.

وقد تلقب "أبرهة" في هذا النص كما تلقب في نص سد مأرب بلقب الملك. الذي كان يتلقب به ملوك اليمن، وهو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في النجاد "طودم" وفي المنخفضات "تهمتم"، "تهامة"، كما افتتحه بجملة: "نخيل رحمن ومسحهو"، أي "بحول الرحمن ومسيحه"، وقد سبق ل "ابرهة" أن افتتح نصه الذي دوّنه على "سد مأرب" بجملة: "بخيل ودا ورحمت رحمن ومسحهو ورح قدس"، ومعناها: "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحه روح القدس"، والجملتان من الجمل التي ترد في نصوص اليمن لأول مرة، وذلك بسبب كون أبرهة نصرانياً، وقد صارت النصرانية في أيام احتلال الحبش لليمن ديانة رسمية للحكومة، باعتبار أنها ديانة الحاكمين. وعرف "أبرهة" في النصين ب "ابره زيبمن"، أي "أبرهة زييمان"، ولفظكة "زي ب م ن" "زيبمن" من ألقاب الملك في لغة الأحباش.

واليك هذا النص كما دوّنه "ريكمنس" عن النص الأصيل: "بخيل رحمنن ومسحهو ملكن ابره زبيمن ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت سطرو ذن سطرن كغزيو معدم غزوتن ربعتن بورخن ذ ثبتن كقسدو كل بنيعمرم وذكى ملكن ابجر بعم كدت وعل وبشرم بنحصنم بعم سعدم و م.خ ض.و وضرو قدمى جيشن على بنيعمرم كدت وعلى ود، ع. ز. رن. مردم وسعدم بود بمنهح تربن وهرجو وازرو ومنمو ذ عسم ومخض ملكن بحلبن ودنو كطل معدم ورهنو وبعدنهو وزعهمو عمرم بن مذرن ورهنهمو بنهو وستخلفهو على معدم معدم وقفلو بن حلبن بخيل رحمنن ورخهو ذلئنى وسثى وست ماتم ".

ونصه في عربيتنا: "بحول الرحمن ومسيحه. الملك أبرهة زبيمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في الطود "الهضبة" وفي تهامة "المنخفضات". سطروا هذه الأسطر لما غزت معد: الغزوة الربيعية بشهر ذو الثبات "ذ ثبق" "ذو الثبت". ولما غلظ " ثار" كل "بنو عامر". أرسل الملك "أبا جبر"، بقبيلة "كدت" كندة وقبيلة "عل" و "بعثر بن حصن" "بشرم بن حصنم" بقبيلة "سعد" لحرب "بني عامر" فتحركا بسرعة وقدما جيشهما نحو العدو: وحاربت "كدت" بكندة وقبيلة "عل" بني عامر ومراداً، وحاربت "سعد" بواد "بمنهج" ينهج "يؤدي" إلى "تربن" "الترب". فقتلوا من بني عامر وأسروا وكسبوا غنائم. وأما الملك، فحارب ب "حلبن" "حلبان"، وهزمت معد، فرهنت رهائن عنده.

وبعدئذ، فاوض "عمرو بن المنذر" "عمرم بن مذرن"، وقدّ م رهائن من أبنائه. فاستخلفه "اقره" على معد. وقفل "أبرهة" راجعاً من "حلين" "حلبان"، بحول الرحمن. بتأريخ اثنين وستين وست مئة.

وقد درس بعض الباحثين هذا النص، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى حملة أبرهة على مكة في العام الذي عرف عند أهل الأخيار ب "عام الفيل" وأشير اليها في القرآن الكريم. وذهب بعض آخر إلى أنه يشير إلى غزو قام به أبرهة تمهيداً لحملة كان عزم القيام بها نحو اْعالي جزيرة العرب، فتوقفت عند مكةْوذهب آخرون إلى إن ما جاء في هذا النصبر لا علاقة له بحملة الفبل، ذلك لأن هذه الحهعلة كانت في سنة "547" للميلاد على تقديرهم، على حين كانت حملة الفيل سنة "563" على تقديرهم أيضاً.

وذهب "بيستن" إلى أن هذا النص يتحدث عن معركتين: معركة قام بها "أبرهة" في "حلبان": ومعركة كندة وسعد - مراد بموضع "تربن" "الترب" "تربة"، وقد حاربت فيها جماعة من القبائل.

ويظهر من النص إن "أبرهة" غزا بنفسه معداً في شهر "ذى ثبتن" من ربيع سنة "662" من التقويم السبئي، والتقى بها في موضع "حلبن" "حلبان"، فهزمها وانتصر عليها، فاضطرت عندئذ إلى الخضوع له ومهادنته، والى وضع رهائن عنده تكون ضماناً لديه بعدم خروجها مرة ثانية عليه. فوافق على ذلك. وفيما كان في "حلبان" بعد اتفاقه مع معد، جاءه "عمرو بن المنذر" "عمرم ابن مذرن" وكان أبوه "المنذر" عينه أميراً على معد، ليفاوضه في أمر "معد" فقابله ب "حلبان"، وأظهر له استعداد أبيه "المنذر" على وضع رهائن عنده لئلا يتكرر ما حدث، وبحصول اعترافه على تولي عمرو حكم "معد" فوافق أبرهة على ذلك، وقفل "وقفلو" أبرهة راجعاً إلى اليمن، وسوّى بذلك خلافه مع معدّ. وصار "عمرو بن المنذر" رئيساً على معد بتعيين أبيه له عليها وبتثبيت "أبرهة" هذا التعيين.

و "حلبان" موضع في اليمن في أرض "حضور"، وذكر انه موضع في اليمن على مقربة من "نجران"، وانه موضع ماء في أرض "بني قُشيَر". وقد وعت ذاكرة أهل الأخبار على ما يظهر شيئاً عن ألمعركة التي نشبت في هذا الموضع إذ رووا شعراً للمخبّل السعدي يفخر بنصرة قومه "أبرهة بن الصباح" ملك اليمن. وكانت "خندف" حاشيته. ذكروا أنه قال: صرموا لأبرهة الأمور محلها  حلبان فانطلقوا مع الأقـوال

ومحرق والحارثان كلاهـمـا  شركاونا في الصهر والأموال 

وأورد "الهمداني" أبياتاً فيها اسم موضع "حلبان" واسم "أبي يكسوم"، وهي قوله:.

ويوم ابي يكسوم والناس حضرٌ  على حلبان إذ تقضي محامله

فتحنا له باب الحضير وربّـه  عزيز يمشي بالسيوف أراجله 

وقد روى هذان البيتان وهما من شعر "المخبل السعدي" في هذا الشكل: ويوم أبي يكسوم والناس حضر  على حلبان إذ تقضي محامله

طوينا لهم باب الحصين ودونه  عزيز يمشي بالحراب مقاوله

ويظهر من هذا الشعر أن "أبرهة" لما جاء بجيشه إلى موضع "حلبان"، وجد مقاومة، ووجد أبواب الحصن مقفلة، وقد تحصن فيه المقاومون، ودافعوا عنه، فهجم قوم الشاعر عليه، ففتحوا باب الحصن، ودخلوه.

أما تأديب " بني عامر"، فلم يقم ب "أبرهة" بنفسه، بل قام به قائد اسمه "ابجبر". "أبو جبر"، قاد قبيلتي "كدت"، أي "كندة" و "عل"، وقائد آخر اسمه "بشرم بن حصنم"، أي "بشر بن حصن"، قاد قبيلة "سعدم"، أي "سعد" "بنو سعد". وسار القائدان بجيشهما وتقدما بهما إلى "بني عامر"، وحاربا على هذا النحو: حاربت "كندة" و "عل" قبائل سقطت بعض الحروف من اسم كل واحدة منها،فبقي من احداهما "ود.ع" وبقي من الأخرى "زرن" "ز. رن" وقبيلة "مردم"، أي "مراد". وحاربت "سعد" بوادٍ يؤدي إلى "تربن" "الترب"، فقتلوا وأسروا "ازروا" وأصابوا غنائم. ولم يسم النصر الوادي الذي يؤدي إلى "الترب".

ويظهر أن موضع "تربن" الذي يؤدي إليه الوادي الذي جرت فيه المعركة، هو موضع "تربة"، مكان في بلاد بني عامر، ومن مخاليف مكة النجدية، على مسافة ثمانين ميلاً تقريباً إلى الجنوب الشرقي من الطائف. وذكر أنه واد بقرب مكة اى يومين منها، يصب في بستان ابن عامر، حوله جبال السَّراة، وقيل انه واد ضخم، مسيرته عشرون يوماً أسفله بنجد أعلاه بالسراة،وقيل: يأخذ من السرًاة ويفرغ في نجران، وقيل: موضع من بلاد بني عامر بن كلاب واسم موضع من بلاد عامر بن مالك.

و "عمرم بن مذرن"، هو "عمر بن المنذر" ملك الحيرة، وكان أبوه "المنذر" حليفاً للساسانيين. فيكون قد عاصر "ابراهة" اذن، ويكون "عمرو" ابنه من المعاصرين له أيضاً.

وقصد ب "بنيعمرم"، "بني عامر". وهم "بنو عامر بن صعصعة" من "هوازن".

ومراد، هي قبيلة مراد التي منها "غطيف". وفي أيام الرسول وفد عليه "فروة بن مسيك المرادي" مفارقاً لملوك كندة. وقد كانت بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة ظفرت فيها همدان، وكثر فيها القتلى في مراد. وعرفت تلك الوقعة بيوم الروم. ورئيس همدان االأجدع بن مالك والد مسروق.

وأما "سعدم" أي قبيلة "سعد"، التي قادها "بشر بن حصن" في هذه المعركة، فلم يذكر النص هويتها. غير أننا إذا ما أخذنا بشعر "المخبلّ السعدي" الذي افتخر به بنصرة قومه لأبرهة في يوم "حلبان" وبانضمامهم إليه، ففي استطاعتنا أن نقول حينئذ: إن قومه هم "سعدم" أي "سعد" القبيلة المذكورة في النص.

و "ابجير" اسم قد يقرأ "أبو جبر"، وقد يكون "أبو جابر" وقد يكون "أبجبر" وقد يكون "أبو جبار". وكل هذه الأسماء هي أسماء معروفة عند ألجاهليين. وقد ذهب "كستر" " M.J. Kister" الى احتمال كونه "يزيد ابن شرحبيل الكندي"او " أبو الجبر بن عمرو"، وهون من كندة ايضا. وهو من آل الجون من بطون كمندة.

وقد اشير في كتب أهل الاخبار الى امير من امراء كندة عرف ب"أبي الجبر" وقد ذكر في مقصورة "ابن دريد". وروى انه زار "كسرى" ليساعده على قومه، فأعطاه جماعة من الاساورة اخذهم معه ليساعدوه، فلما وصل الى "كاظمة" سئموا منه، وارادوا التخلص منه فدسوا السم له في طعامه. ولكنه لم يمت منه، بل شعر بالم منه، فأكرهه الاساورة على ان يكتب كتابا لهم يحملونه الى كسرى يذكر فيه أنه سمح لهم بالعودة، فكتب لهم كتاباً ثم سافر الى الطائف، فعالجه "الحارث بن كلمدة الثثفي"، حتى شفي، فوهبه جارية كانت له اسمها "سميّة" أهداها له "كسرى"، ثم ذهب إلى اليمن، ولكن عاوده مرض في طريقه اليها فات. وقد رأى "كستر" أنه هو "أبو جبر" المذكور في النص.

وأما "بشرم بن حصنم"، أي "بشر بن حصن"، أو "بشر بن حصين" أو "بشار بن حصن" أو "بشار بن حصين" أو "بشير بن حصن"،فقد ذهب "لندن" Ludin، الى انه احد سادات "كندة".

لقد أشرت إلى رأي بعض الباحثين في هذه الحملة، والى ذهاب بعضهم إلى انها كانت حملة الفيل، أي حملة أبرهة المذكورة في القرآن الكريم على مكة. كما أشرت إلى رأي آخر، ذكر أن هذه الحملة كانت مقدمة لحملة الفيل، أي حملةتجريبية سبقت تلك الحملة. وحجة الفريق الأول ما ورد في بعض الروايات من أن مولد الَرسول، كان بعد عام الفيل بثلاث وعشرين سنة أي في حوالي السنة "547" للميلاد. وهو تأريخ ينطبق مع السنة المذكورة في النص، إذا أخذنا برأي من يجعل مبدأ التقويم الحميري سنة "115" قبل الميلاد. ومن ورود رواية أخرى في حساب السنين عند قريش، تظهر بنتيجة حسابها وتحويلها أن عام الفيل كان في سنة "552" بعد الميلاد، وهو تأريخ ينطبق مع تأريخ النص أيضاً إذا أخذنا برأي "ريكمنس" في مبدأ التقويم الحميري من أنه كان سنة"109"لا"115" قبل الميلاد.    

وأبرهة هذا هو "صاحب الفيل" الذي قصد بفيلته وجنده هدم الكعبة وإكراه الناس على الحج إلى "القليس" الكنيسة التي بناها بمدينة "صنعاء" في روايات الأخباريين. وهي كنيسة قال عنها أهل الأخبار،انها كانت عجيبة في عظمتها وضخامتها وتزويقها من الداخل والخارج، حتى إن "أبرهة" لما انتهى من بنائها كتب إلى النجاشي: "إني قد بنيت لك بصنعاء بيتاً لم تبن العرب ولا العجم مثله ". أو "إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلهَا لملك. كان قبلك". ويبالغ أهل الأخبار في وصفها فيذكر "الأزرفي"، انه بناها بجانب قصر غمدان، وأنه أقامها بحجارة قصر بلقيس بمأرب، نقلها العمال والفعلة والمسخرون من مأرب إلى صنعاء. فهدموا ذلك القصر وأخذوا حجره وما يصلج للبناء من مادة، ثم نقلوه إلى صنعاء لاستعماله في بناء تلكً الكنيسة التي بنوها بناء ضخماً عالياً، وجعلوا جدرانها من طبقات من حجر ذي ألوان مختلفة. لون كل طبقة يختلف عن الطبقة التي تحتها أو التي فوقها. وزينوا الجدران بأفاريز من الرخام والخشب المنقوش. وجعلوا الرخام ئاتئاً عن البناء، وجعلوا فوق الرخام حجارة سوداً لها بريق، وفوقها حجارة بيضاً لها بريق، فكان هذا ضاهر حائط القليس. وكان عرضه ست أذرع. وكان للقليس باب من نحاس عشر أذرع طولاً في أربع أذرع عرضاً. وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه، طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً معلق العمد بالسياج المنقوش ومسامير الذهب والفضة، ثم يدخل من البيت الى إيوان طوله أربعون ذراعاً، عن يمينه وعن يساره، وعقوده مضروبة بالفسيفساء مشجرة، بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، جدرها بالفسيفساء، فيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشر أذرع في عشر أذرع، تغشي عينَ من ينظر اليها من بطن القُبّة تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القّبه، وكان تحت القبة منبر من خشب اللبخ، وهو عندهم الابنوس، مفصد بالعاج الأبيض. ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهباً وفضة. وكان في القبة سلاسل فضة. وفي القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعاً يقال لها كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب كانوا يتبركون بهما في الجاهلية. وكان يقال لكعيب الأحوزي،والأحوزي بلسانهم الحر.

وكان أبرهة قد أخذ العمال بالعمل أخذاً شديداً، وأمر بالعمل في بناء الكنيسة ليل نهار. وإذا تراخى عامل أو تباطأ عن عمله أنزل وكلاؤه به عقاباً شديداً، يصل إلى قطع اليد. وبقي هذا شأنه ودأبه حتى أكمل بناؤها وسرّ من رؤيتها، فأصبحت بهجة للناظرين.

ونجد في وصف "الأزرفي" ومن تقدم عليه من أهل الأخبار للقليس شيئاً من المبالغة، ولكنه على الاجمال وصف يظهر أنه أخذ من موارد وعته وشاهدته وأدركته. لذلك جاء وصفاً حيأَ نابضاً بالحياة، ينطبق على الكنائس الضخمة التي أنشئت في تلك الأيام في القسطنطينية أو في القدس أو في دمشق، أو في المدن الأخرى. والظاهر من هذا الوصف، أن فن العمارة اليماني القديم قد أثر في شكل بناء هذه الكنيسة، التي تأثرت بالفن البيزنطي النصراني في بناء الكنائس.

ويذكر "الأزرفي" إن القليس بقي في صنعاء على ما كان عليه حتى ولى أبو جعفر المنصور الخلافة، فولي "العباس بن الربيع بن عبيد الله الحارثي" "العباس بن الربيع بن عبد الله العامري" اليمن، فذكر له ما في القليس من ذخائر، وقيل له انك تصيب فيه مالاً كثيراً وكنزاً فتاقت نفسه إلى هدمه. ثم استشار أحد أبناء وهب بن منبه وأحد يهود صنعاء فألحا عليه بهدمه،وبينّ اليهودي له أنه إذا هدمه فإنه سيلي اليمن أربعن سنة، فأمر بهدمه، واستخرج ما فيه من أموال وذهب وفضة. وخاف الناس من لمس الخشبة المنقوشة التي كانوا يتبركون بها،ثم اشتراها رجل من أهل العراق كان تاجراً بصنعاء وقطعها لدار له. وخرب القليس حتى عفى رسمه وانقّطع خبره.

واذا كان ما يقوله الأزرفي نقلاً عن رواة أدركوا تلك الكنيسهّ من إن أبرهه أقامها بأحجار قصر بلقيس باليمن، فإنه يكون بذلك قد قوض أثراً مهماً من آثار مدينة مأرب، وأزال عملاً من الأعمال البنائيه التي أقامها السبئيون في عاصمتهم قبله وهو عمل مؤسف.

وفي صنعاء اليوم موضع يعرف ب "غرفة القليس"، يظن أنه موضع تلك الكنيسة، وهو موضع حفيرْ صغير ترمى فيه القمامات وعليه حائط ويقع أعلى صنعاء في حارة القطيع بقرب مسجد نصير.

وذكر "الهمداني" اسم قصر دعاه "القليس" نسب بناءه إلى "القليس بن عمرو"، وهو في زعمه من أبناء "شرحبيل بن عمرو بن ذي غمدان بن إلى شرح يخضب". وقال: انه بناه بصنعاء، وهو بناء قديم. وذكر أيضاً أن "عمرو ينأر ذو غمدان ابن إلى شرح يخضب بن الصوار" هو أول من شرع في تشييد "غمدان" بعد بنائه القديم.

وقد أمر "أبرهة" ببناء كنيسة في "مأرب" أشار إلى بنائها في نصه الشهير، أقامها في سنة "542م"، ورتب لخدمتها جماعة من متنصرة سبأ، واحتفل هو نفسه بافتتاحها، ولعله استعان ببنائها بحجارة قصور مأرب ومعبدها الكبير، ذلك لأن حجارتها منحوتة نحتاً جيداً،يجعل من السهل استعمالها في البناء على حين يتطلب الحجر الجديد وقتاً طويلاً وأموآلاً باهظة. ولهذا السبب ذهب أهل الأخبار إلى أنه أمر بنقل حجارة قصر مأرب إلى صنعاء.

لقد أصيب مشروع أبرهة الرامي إلى هدم الكعبة والاستيلاء على مكة باخفاق ذريع، يذكرنا بذلك الاخفاق الذيُ مني "به مشروع "أوليوس غالوس". لقد كان في الواقع مشروعاً خطيراً، لو تم إذن لاتصل ملك الروم بملك حلفائهم وأنصارهم الحبش في اليمن، ولتحقق حلم الإسكندر الأكبر وأغسطس ومن فكر في الإستيلاء على هذا الجزء الخطير من العالم من بعدهما، ولتغير الوضع السياسي في الجزيرة من غير شك، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حدث أن مكة التي أريد هدمها هي التي هدمت ملك الحبشة في اليمن، وملك من جاء بعدهم لنجدة أهل اليمن، وملك البيزنطيين في بلاد الشام وملك الفرس في العراق وفي كل مكان.

وصل إلى "خمير"، ولا في اي مكان كان يحكم. وما علاقة ذلك الملك الحبشي بجزيرة العرب إن صح انه ملك الحبش حقاً.وإذا أخذنا بقول هذا الشاعر وصدّقناه، فقد يكون ذهب ليتوسل إلى الحبش لفك أسر جماعة من قومه أو من أصحابه قد يكونون ذهبوا للاتجار أو لشراء الرقيق، فقبض عليهم لسبب من الأسباب واحتجزوا، فذهب لالتماسهم فنجح في وساطته وقد يكون "خمير" هذا احد الحكّام أو الاقطاعيين، لا النجاشي ملك الأحباش.

ويظهر من كتاب "الإشتقاق" أنه كان لأبرهة حفيد اسمه "ابن شمر، إذ ذكر مؤلفه "ابن دريد" اسم رجل سماه "ابن شمر بن أبرهة بن الصباح"، قال: إنه قتل مع "علي بن أبي طالب" بصفين. ومعنى هذا أنه كان لأبرهة ولد اسمه "شمر". ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء رجال كانوا من حفدة "أبرهة".

وقد سعى الأحباش، مدهَ مكثهم في اليمن، في نشر النصرانية بين الناس، وبناء الكنائس،، ويحدثنا "قزما الرحالة" Cosmas Indicopleutes في نحو سنة "535م"، اي بعد اندحار "ذي نواس"، عن كثرة الكنائس في العربيةالسعيدة وعن كثرة الأساقفة والمبشرين الذين بشروا. بين الحميريين والنبط وبني جرم. وقد اشتهرت كنيسة "نجران"، وكذلك كنيسة صنعاءْ، وكنيسهّ "ظفار" التي بناها الحبش،وقد أشرف عليها الأسقف "جرجنسيوس" صاحب "كتاب شرائع الحميرين"، وكان مقرباً لدى النجاشي ومستشاره ومساعده في تنصير الحمريين.

وورد ان القيصر "يوسطين" "جستين" كان قد أرسل "كريكنتيوس" Gregentius of Ulpana من الاسكندرية إلى "ظفار" ليكون "أسقفاً" على نصاراها، وقد تناظر مع "حبر" من أحبار يهود فيها، فغلبه، وقدّم قانون للشريعة إلى "أبرام"Abram"ملك حمير.

حملة أبرهة

وفي أيام عبد المطلب كانت حملة أبرهة على مكة، وهي حملة روّعت قريشاً وأفزعتهم، لما عرفوه من قساوة أبرهة ومن شدته في أهل اليمن، ومن انفراده بالحكم، واستبداده في الأمور،حتى انه لما مات وذهب مع الذاهبين لم تمت ذكراه كما ماتت ذكرى غيره من الحكام، بل تركت أثراً عميقاً في ذاكرة أهل اليمن، انتقل منهم إلى أهل الأخبار، فرووا عنه أقاصيص، ونسجوا حوله نسيجاً من أساطير وخرافات، على عادتهم عند تحدثهم عن الشخصيات الجاهلية القوية التي تركت أثراً في أهل تلك الأيام، حتى انهم لم يكتفوا بكل ما قالوه فيه، وكأنه لم يكن كافياً، فجعلوا منه جملة رجال سموهم "أبرهة" نصبوهم ملوكاً وتبابعة على مملكة سبأ وحمير.

والرأي الغالب بين الناس إن حملة أبرهة على مكة، كانت قبل المبعث بزهاء أربعين سنة، وميلاد الرسول كان في عام هذه الحملة، وهو العام الذي عرف ب "عام الفيل". وهو يوافق سنة "570" أو "571م". وانما عرف بعام الفيل، لأن الحبش كما يزعم أهل الأخبار جاءوا إلى مكة ومعهم فيل سموه "محموداً"، وقد جاءوا به من الحبشة. وفي بعض الروايات أن عدد الفيلة كان ثلاثة عشر فيلاً، أو اثني عشر، أو دون ذلك، أو أكثر، وأوصلوا العدد إلى ألف فيل. ولوجود الفيل أو الفيلة في الحملة، عرفت بحملهّ الفيل، وعبر عن الحبش في القرأن الكريم ب "أصحاب الفيل".

وقد ذهب بعض الرواة إلى أن عام الفيل إنما كان قبل مولد النبي بثلاث وعشرين سنة، وذكر بعضهم أنه كان في السنة الثانية عشرة من ملك "هرمز ابن انو شرُان". ولما كان ابتداء حكم "هرمز بن أنو شروان" سنة "579" فعام الفيل يكون في توالى السنة "581" للميلاد لا سنة "570" او "571" للميلاد كما يذهب الأكئرون إلى ذلك. وأما إذا اخذنا برواية من قال من الرواة وأهل الأخبار من أن عام الفيل قد كان لاثنتين واربعين سنة من ملك "انو شروان"، فيكون هذا العام قد وقع في حوالى السنة "573" للميلاد وهو رقم قريب من الرقم الذي ذهب إليه أكثر المستشرقين حين حولوا ما ذكره اهل الأخبار عن سنة ولادة الرسول إلى التقويم الميلادي.

وقد ورد ذكر هذا الحادث في القرآن الكريم: )ألم تر كيف فعل ربك باًصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل، وارسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول( وقد خاطبت هذه الآيات انرسول بأن قريشاً سوف تخيب وتحل بها الهزيمة، كما حلت بأصحاب الفيل، واصحاب الفيل اعظم منهم قوة واشد بطشاً، وهم لا شىء تجاههم، وفيها تذكير لقريش بما حل بالحبش، وما كان عهد الحبش عنهم ببعيد. وينسب الأخباريون حملة أبرهة على مكة إلى تدنيس رجل من كنانة "القليس" التي بناها أبرهة في اليمن، لتكون محجة للناس. فلما بلغ أبرهة خبر التدنيس كما يقولون، عزم على السير إلى مكة لهدم الكعبة،فسار ومعه جيش كبير من الحبش واهل اليمن.، وهو مصمم على دكها دكاً، وصرف الناس عن الحج اليها إلى الأبد. فلما وصل، هلك معظم جيشه، فاضطر إلى العودة إلى اليمن خائباً مدحورا.

ويذكر اهل الأخبار إن الرجل الذي دنس القليس،هو من النسّأة أحد بني فقيم، ثم احد بني مالك من كنانة. وقد غضب لما رآه من شأن تلك الكنيسة،ومن عزم أبرهة على صرف حاج العرب اليها، ومن مبالغته في الدعاية لها، ففعل ما فعل.

وقيل ان الرجل المذكور كان من النساك، من نساك بني فقيم، غاظه ما كان من عزم ابرهة على صرف العرب عن الحج الى مكة، فأحدث في القليس للحط من شأنها في نظر العرب، ولطخ قبلتها بحدثه، فشاع خبره بين الناس، وهزئ القوم من قليس حدث به ما حدث. وغضب ابرهة من عمله المشين هذا الموجه اليه والى كل الحبش، فعزم على هدم البيت الذي يقدسه هذا الكناني ومن يحج اليه.

ويفسر أخباريون آخرون عزم "أبرهة" على دك الكعبة وهدمها إلى عامل آخر، فهم يذكرون إن فتية من قريش دخلوا القليس فأججوا فيها ناراً، وكان يوماً فيه ريح شديدة، فاحرقت وسقطت إلى الأرض، فغضب أبرهة، وأقسم لينتقم من قريش بهدم معبدهم،كما تسببوا في هدم معبده الذيَ باهى النجاشي به.

وذكر أن "أبرهة" بنى القلَّيس بصنعاء، وهي كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانياً، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف اليها حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى ألنجاشي، غضب رجل من النسّأة، فخرج حتى أتى الكنيسة، فأحدث فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك اًبرهة، فغضب عند ذلك، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. وبعث رجلاً كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضباً وحنقاً، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ثم سار وخرج معه بالفيل.

وذكر "السيوطي" سبباً آخر في قرار أبرهة غزو مكة، زعم أن أبرهة الأشرم كان ملك اليمن، وان ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجأَ، فلما انصرف من مكة، نزل في كنيسة بنجران، فعدا عليها ناس من أهل مكة، فأخذوا ما فيها من الحلي وأخذوا قناع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضباً، فبعث رجلا من أصحابه يقال له "شهر بن معقود" على عشرين ألفاً من خولان والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتيمنت خثعم عن طريقهم. فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف، فقالوا: ماحاجتك إلى طائفنا، وإنها هي قرية صغيرة ? ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد فيه، ثم له ملك العرب، فعليك به، ودعنا منك، فأتاه حتى إذا بلغ المغمس، وجد إبلاً لعبد المطلب مئة ناقة مقلدة، فأنهبها بين أصحابه. فلما بلغ ذلك عبدالمطلب جاءه، وكان له صديق من أهل اليمن يقال له: ذو عمرو، فسأله أن يردّ عليه ابله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتلك على الملك. فقال عبد المطلب: افعل. فأدخله عليه، فقال له: إن لي اليك حاجةً. قال قضيت. كل حاجة تطلبها، ثم قص عليه قصة ابله التي انتهبها جيشه. فالتفت إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً، فقال: لو سألني كل شيء أحوزه، أعطيته اياه، ثم أمر بإرجاع ابله عليه. وأمر بالرحيل نحو مكة لهدمها. وتوجه الف شهر وأصحاب الفيل، وقد اجمعوا ما اجمعوا نحو مكة، فلما بلغوها، خرجت عليهم طير من البحر لها خراطيم كأنها البلس، فرمتهم بحجارة مسرجة كالبنادق، فشاختهم، ونزل الهلاك بهم فانصرف شهر هارباً وحده، ولكنه ما كاد يسير، حتى تساقطت اعضاء جسده فهلك في طريقه إلى اليمن وهم ينظرون إليه.

ويتفق خبر "السيوطي" هذا في جوهره وفي شكله مع الروايات الأخرى التي وصلت الينا عن حملة "أبرهة"، ولا يختلف عنها الا في أمرين: في السبب الذي من أجله قرر أبرهة هدم الكعبة، وفي الشخص الذي سار على مكة. اما السبب الذي اورده السيوطي، فهو غير معقول، لسبب بسيط واضح، هو إن ابن ابرهة، وهو أكسوم بن الصباح الحمري، هو رجل نصراني،والنصارى لا تحج إلى مكة، لأنها محجة الوثنيين، وقد عزم جدّه ابرهة على صرف العرب من الحج اليها، فكيف يحج اليها ابن ابنته،وهو على دين جدّه ? واما ما زعمه من إن "شهر بن معقود" "مقصود" هو الذي سار على مكَة سصها، وذلك بأمر من ابرهة، فإنه يخالف اجماع أهل الأخبار والمفسرين من إن ابرهة هو نفسه قاد تلك الحملة، وانه هو الذي اخذ الفيل او الفيلة معه،وسار على رأس جيش كبير من الحبش ومن قبائل من اهل اليمن كانت تخضع له. ثم إن السيوطي يشير إلى وجود "الملك" في الجيش، ولم يكن شهر بن معقود ملكاً ولم يلقبه اهل الأخبار بلقب "ملك"، وانما أنعموا بهذا اللقب على ابرهة وحده. أضف إلى ذلك إن ما ذكره السيوطي من حوار وقع بين عبد المطلب وبين الملك هو حوار يذكر اهل الأخبار انه جرى بين عبد المطلب وبين ابرهة. لذلك ارى إن الأمر قد التبس على السيوطي،فخلط بين ابرهة وبين شهر احد قادته من العرب، وانه قصد بالملك ابرهة لا القائد، وإن لم يشر إليه، بل جعل الفعل كل الفعل للقائد المذكور.

وأورد "القرطبي" رواية اخرى نسبها إلى مقاتل بن سليمان وابن الكلبي، خلاصتها: إن سبب الفيل هو ما روى إن فتية من قريش خرجوا تجاراً إلى ارض النجاشي، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى، تسميها النصارى: الهيكل، فأوقدوا ناراً لطعامهم، وتركوها وارتحلوا، فهبت ريح عاصفة على النار فأضرمت البيعة ناراً واحترقت، فأتي الصريخ إلى النجاشي، فأخبره، فاستشاط غضباً، فاًتاه ابرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وابو يكنهوم الكنديون وضمنوا له احراق الكعبة. وكان النجاشي هو الملك، وابرهة صاحب الجيش، وابو يكسوم نديم الملك، وقيل وزيره، وحجر بن شرحبيل من قواده. فساروا معهم الفيل، وقيل ثمانية فيلة، ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا سرح مكة. وتتفق هذه الرواية مع الروايات السابقة من حيث الجوهر، ولا تختلف عنها الا في جعل الكنيسة المحققة بيعة في ارض النجاشي، اي في ساحل الحبش، لا في ارض اليمن، والا في جعل الآمر بالحملة النجاشي، لا ابرهة نفسه. أما المنفذون لها، فهم ابرهة ومن معه.

وهناك سبب اخر سأتعرض له فيما بعد، يذكره أهل الأخبار في جملة الأسباب التي زعموا انها حملت ابرهة على السير نحو مكة لتهديمها. وهو سبب ارجحه وأقدمه على السببين المذكورين، لما فيه من مساس بالسياسة، ولأنه مشروع سياسي خطير المشروعات العالمية القديمة التي وضعها اقدم ساسة العالم للسيطرة على الطرق الموصلة إلى المياه الدافئة والى الأرينض المنتجة لأهم المواد المطلوبة في ذلك العهد.

وتذكر روايات اهل الأخبار إن أبرهة لما رتب كل شيء وجهز نفسه للسير من اليمن نحو مكة، خرج له رجل من اشراف اليمن وملوكهم، يقال له: "ذو نفر" وعرض له فقاتله، فهزم "ذو نفر" واصحابه، واخذ له ذو نفر اسراً. ثم مضى ابرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له "نفيل بن حبيب الخثعمي" في قبيلى خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفُيل أسراً وخرج معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مرّ بالطائف، خرج إليه "مسعود بن معتب" في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك، انما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعين، ليس لك عندنا خلاف،وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد - يعني اللات - انما تريد البيت الذي بمكة، يعنون الكعبة، ونحن نبعث معك من يدلك، فتجاوز عنهم، وبعثوأ معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس، فهلك أبو رغال به. فرجمت العرب قبره،فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس.

وكان نفيل بن حبيب الخثعمي من سادات خثعم، ولما أخذه أبرهة أسيراً واحتبسه عنده، جعله دليله إلى مكة، وهو الذي أوصله إلى الطائف، حيث تسلم أبرهة الدليل الآخر من ثقيف، وهو أبو رغال. وذ كَر بعضهم أن "نفيل ابن حبيب" كان دليل أبرهة على الكعبة، وأنه عرف ب "ذي اليدين".

ولأهل الأخبار قصص عن "اًبي رغال"، صيره أسطورة، حتى صيره بعضهم من رجال ثمود ومن رجال "صالح" النبي. فزعموا إن النبي كان قد وجهه على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه "ثقيف" وهو قسيّ بن منبه، فقتله قتلة شنيعة. وهو خبر وضعه أناس من ثقيف ولا شك، للدفاع عن أنفسهم، إذ اتهموا بان "أبا رغال" منهم، وقد جاموا بشعر، زعموا أن "أمية بن أبي الصلت" قاله في حقه، منه: وهم قتلوا الرئيس أبا رغال  بمكة إذ يسوق بها الوضينا 

فصيروا القائل جدّ ثقيف، ونسبوا له فضل مساعدة نبي من أنبياء الله. وقد اشار "جرير بن الخطفي" في شعر قاله في الفرزدق إلى رجم الناس قبر أبي رغال، إذ قال: إذا مات الفرزدق فارجموه  كرجمكم لقبر أبي رغال

وذكر "المسعودي"، أن العرب ترجم قبراً آخر، يعرف بينهم بقبر العبادي في طريق العراق إلى مكة. بين الثعلبية والهبير نحو البطان. ولم يذكر شيئاً عن سببه، إذ أحال القارىء على مؤلفاته الأخرى.

وذكر "الهمداني" إن قبر أبي رغال عند "الزيمة". و "الزيمة" موضع صروف حتى هذا اليوم. ولما نزل أبرهة المغمس، بعث رجلاّ من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة: فساق إليه اموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا انه لا طاقهَ لهم به. فتركوا ذلك. ثم قرروا على أن يرسلوا سيدهم "عبد المطلب" لمواجهة أبرهة والتحدث إليه، فذهب وقابله، وتذكر رواية أهل الأخبار إن أبرهة لما ساًله عن حاجته وعما معه من أنباء، قال له: حاجتي إلى الملك أن يردّ علي مئتي بعير أصابها لي، فعجب ابرهة من هذا القول وقال له: اتكلمني في مئتي بعير قد اصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ? قال له عبد المطلب: اني انا رب الابل، وان للبيت رباً سيمنعه.

وتذكر هذه الرواية أن أبرهة ردّ على عبد المطلب ابله، فرجع إلى قومه، وأمرهم بالخروج من مكة وللتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفاً عليهم من معرّة الجيش. فلما وصل جيش الحبش، لم يجد أحداً بمكة،وتفشى الوباء فيه، واضطر إلى التراجع بسرعة. فلما وصل أبرهة "إلى اليمن، هلك فيها بعد مدة قليلة من هذا الحادث.

ويذكر "الطبري" إن الأسود بن مقصود لما ساق أموال اهل مكة من قريش وغيرهم، وفي ضمنها ابل عبد المطلب، وأوصلها إلى أبرهة، وأن قريشاً وكنانة. وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس عزمت على ترك القتال، إذ تأكدوا انهم لا طاقة لهم به. بعث ابرهة "حناطة الحمري" إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول لكم: إِني لم آتِ لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يُرد حربي فائتني به، فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب، فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: واللهِ ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله ابراهيم،. فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فواللّه ما عندنا له من دافع عنه. ثم انطلق معه إلى أبرهة. فلما وصل المعسكر، سأل عن "ذي نفر"، وكان له صديقاً، فدلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فكلمه، ثم توصل بوساطته إلى سائق فيل أبرهة وهو أنيس، وأوصاه خيراً. بعبد المطلب، وكلمه في إيصاله إلى ابرهة، وان يتكلم فيه عند ابرهة بخير. ونفذ انيس طلب "ذو نفر"، وأدخله عليه، فكان ما كان من حديث.

وذكر الطبري: أن بعض اهل الأخبار زعموا إن نفراً من سادات قريش رافقوا عبد المطلب في ذهابه مع حناطة إلى ابرهة، ذكروا منهم.: يعمر "عمرو" ابن نفاثة بن عديّ بن الدُّئل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن واثلة الهُذلي، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث اموال اهل تهامة على إن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم.

ويذكر أهل الأخبار إن جيوش "ابرهة" حين دنت من مكة،توسل عبد المطلب إلى ربه وناجاه بأن ينصر بيته ويذل "آل الصليب" وأنه أخذ بحلقة باب الكعبه وقال: يا ربّ لا أرجو لهم سواكا  يا رب فامنع منهم حماكا

إن عدوّ البيت من عاداكا  أمنعهم أن يخربوا قراكا

وقال: لاهُمَّ إن العبـد يمـنـع  رحله فامنع رحـالـك

لا يغلين صـلـيبـهـم  ومحالهم عدواً محالـك

وانصر على آل الصليب  وعابـديه الـيوم آلـك

وقد بلغ أبرهة مكة، غير انه لم يتمكن من دكّها ومن هدمها، وخاب ظنه، إذ تفشى المرض بجيشه وفتك الوباء به، فهلك أكثره، واضطر إلى الإسراع في العودة، وكان عسكره يتساقطون موتى على الطريق، وهم في عودتهم إلى اليمن. وذكرت بعض الروايات إن أبرهة نفسه أصيب بهذا المرض. ولم يبلغ صنعاء الاّ بعد جهد جهيد. فلما بلغها، مات إِثر وصوله اليها.

وعلى هذه الصورة أنهى اهل الأخبار أخبار حملة ابرهة، فقالوا انها انتهت باخفاق ذريع، انتهت باصابة ابرهة بوباء خطير، وبإصابة عسكره بذلك المرض نفسه: مرض جلدي، أصاب جلود أكثر جيشه، فمزقها، وأصابها بقروح وقيوح في الأيدي خاصة، وفي الأفخاذ. أو بمرض وبائي هو الحصبة والجدري، فيذكر أهل الأخبار في تفسير سورة الفيل، وفي أئناء تحدثهم عن هذه الحملة وبعد شرحهم لمعنى "طير آبابيل": مباشرة، هذين المرضين ويقولون: "إن أول ما رئيت الحصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام". وتفسير ذلك بعبارة أخرى إن ما اصاب الحبش، هو وباء من تلك الأوبئة التي كانت تكتسح البشرية فيما مضى، فلا تشهب حتى تكون قد أكلت آلافاً من الرؤوس.

وكان لرجوع الأحباش إلى اليمن وهم على هذه الصورة من مرض يفتك بهم، وتعب ألمَّ بهم، أثر كبير أثر فيهم وفي قريش، ثم ما لبث ابرهة إن مات بعد مدهَ غير طويلة، فازداد اعتقاد قريش ب "رب البيت" وبأصنامها، وهابت العرب مكة، فكانت نكسة الحبش نصراً لقريش ولأهل مكة قوّى من معنوياتها. ويتجلى ذلك في القرآن الكرم في سورة الفيل، وهي من السور المكّية القديمة: )ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول(.

وقصة تدنيس "القليس"، قد تكون حقيقية وقعت وحدثت، وقد تكون أسطورة حيكت ووضعت، على كل حال، وفي كلتا الحالتين لايعقل أن تكون هي السبب المباشر الذي دفع النجاشي إلى السير إلى مكة لهدم البيت ونقضه من أساسه ورفع احجاره حجراً حجراً، على نحو ما يزعمه أهل الأخبار بل يجب أن يكون السبب أهم من التدنيس وأعظم، وأن يكون فتح مكة بموجب خطة تسمو على فكرة تهديم البيت وتخريبه، خطة ترمي إلى ربط اليمن ببلاد الشام، لجعل العربية الغربية والعربيهّ الجنوبية تحت حكم النصرانية، وبذلك يستفيد الروم والحبش وهم نصارى، وان اختلفوا ذهباً، ويحققون لهم بذلك نصراً سياسياً واقتصادياً كبيراً، فيتخلص الروم بذلك من الخضوع للاسعار للعالية التي كان يفرضها الساسانيون على السلع التجارية النادرة المطلوبة التي احتكروا بيعها لمرورها ببلادهم، إذ سترد اليهم من سيلان والهند رأساً عن طريق بلاد العرب، فتنخفض الأسعار ويكون في امكان السفن البيزنطية السير بأمان في البحار العربية حتى سيلان والهند وما وراءهما من بحار.

وآية ذلك خبر يرويه أهل الأخبار يقولون فيه إن "أيرهة" توج "محمد ابن خزاعي بن حزابة الذكواني"، ثم السلمي، وكان قد جاءه في نفر من قومه، مع أخ له، يقال له "قيس بن خزاعي"، يلتمسون فضله، وأمرّه على مضر، وأمره أن يسير في الناس، فيدعوهم في جملة ما يدعوهم إليه إلى حج "القليس"، فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلاٌ من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فغضب وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمنَّ البيت.

فمقتل "محمد بن خزاعي"، هو الذي هاج أبرهة وحمله على ركوب ذلك المركب الخشن. ولم يكن هياجه هذا بالطبع بسبب أن القتيل كان صاحبه وصديقه بل لأن من قتله عاكس رأيه وخالف سياسته ومراميه التوسعيهّ القاضية بفرض ارادته وارادة الحبش وحلفائهم على أهل مكة وبقية كنانة ومضر، وبتعيين ملك أو أمير عليهم، هو الشخص المقتول، فقتلوه. ومثل هذا الحادث يؤثر في السياسة وفي الساسة، ويدفع الى اتخاذ اجراءات قاسية شديدة، مثل ارسال جيش للقضاء على المتجاسرين حتى لا يتجاسر غيرهم، فتفلت من السياسي الأمور.

ومن يدري ? فلعل الروم كانوا هم المحرضين لأبرهة على فتح مكة وغير مكة حتى تكون العربية الغربية كلها تحت سلطان النصرانية، فتتحقق لهم مأربهم في طرد سلطان الفرس من بلاد العرب. وقد حاولوا مراراً اقناع الحبش بتنفيذ هذه الخطة والاشراك في محاربة الفرس، وهم الذين حرضوا الحبشة وساعدوهم بسفنهم وبمساعدات مادية أخرى في فتح اليمن. وهم الذين أرسلوا رسولاً اسمه "جوليانوس" Julianus، وذلك في أيام القيصر "يوسطنيان" Justinian لاقناع النجاشي Hellestheaeus و "السميع أشوع" Esimiphaeus بالتحالف مع الروم، وتكوين جبهة واحدة ضد الفرس والاشتراك مع الروم في اعلان الحرب على الفرس بسبب الرابطة التي تجمع بينهم، وهي رابطة الدين. وكان في جملة ما رجاه القيصر من "السميفع أشوع"، هو أن يوافق على تنصيب "قيس" Casius رئيساً على "Maddeni" معد.

وقد ذكر "المُسكَّري"، أن "محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب ابن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمي" كان في جيش ابرهة مع الفيل، أي انه لم يقتل كما جاء في الرواية السابقة.

وقد ورد في بعض الأخبار أن عائشة أدركت قائد الفيل وسائسه، وكانا أعميين مقعدين يستطعمان. وقد رأتهما.

وقد كان من أشراف مكة في هذا العهد غير عبد المطلب، المطعم بن عدي. وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، ومسعود بن عمرو الثقفي، وقد صعدوا على حِراء ينظرون ما سيفعل أبرهة بمكة.

وذكر بعض أهل الأخبار، أن فلالاً من الحبش من جيش أبرهة وعفاء وبعض من ضمّه العسكر، أقاموا بمكة، فكانوا يعتملون ويرعون لأهل مكة، وليس في كتب أهل الأخبار أسماء القبائل العربية التي جاءت مع "أبرهة" للاستيلاء على مكة بتفصيل. وكل ما نعرفه انه كان قد ضم إلى جيشه قوات عربية قد يكون بينها قوم من كندة، وقد أشير إلى اشتراك خولان والأشعرين فيها، وذكر أن "خنِدقاً" كانوا ممن اشترك في جيش أبرهة،وكذلك "حميس بن أد"   

وقد اشير إلى أبرهة الأشرم والى الفيل في شعر شعراء جاهليين ومخضرمين واسلاميين. وقد ورد في شعر "عبد الله بن الزبعرى" أنه كان مع "أمير الحبش" ستون ألف مقاتل. وورد في شعر "امية بن ابي الصلت" إن الفيل ظل يحبو ب "المغمس" ولم يتحرك، وحوله من ملوك كندة أبطال ملاويث في الحروب صقور. ومعنى هذا أن سادات كندة كانوا مع الحبش في زحفهم على مكة. وذكر "عبد الله بن قيس الرقيّات": إن "الأشرم" جاء بالفيل يريد الكيد للكعبة، فولى جيشه مهزوماً، فأمطرتهم الطير بالجندل، حتى صاروا وكأنهم مرجومون يمطرون بحصى الرجم.

وذكر إن "عمر بن الخطاب" كان في جملة. من ذكر "أبا يكسوم أبرهة" في شعره، واتخذه مثلاً على من يحاول التطاول على بيت اللّه وعلى "آل اللّه" سكان مكة. وذكر أهل الأخبار انه قال ذلك الشعر في هجاء "زنباع بن روح ابن سلامة بن حداد بن حديدة" وكان عشاراً، أساء إلى "عمر بن الخطاب" وكان قد خرج في الجاهلية تاجراً وذلك في اجتيازه واخذ مكسه، فهجاه عمر، فبلغ ذلك الهجاء "زنباعاً"، فجهز جيشاً لغزو مكة. فقال عمر شعراً آخر يتحداه فيه بأن ينفهذ تهديده إن كان صادقاً، لأن من يريد البيت بسوء يكون مصيره مصير أبرهة الأشرم، وقد كف زنباع عن تنفيذ ما عزم عليه ولم يقم به.

لقد تركت حملة "الفيل" أثراً كبيراً في أهل مكة، حتى اعتبرت مبدأ تقويم عندهم، فصار أهل مكة يؤرخون بعام الفيل "في كتبهم وديونهم من سنة الفيل". فلم تزل قريش والعرب بمكة جميعاً تؤرخ بعام الفبل، ثم أرخت بعام الفجار، ثم أرخت ببنيان الكعبة.

لقد كان لأهل مكة صلات باليمن متينة، إذ كانت لهم تجارة معها،تقصدها قوافلها في كل وقت، وخاصة في موسم الشتاء، حيث تجهز قريش قافلة كييرة يساهم فيها أكثرهم، واليها أشير في القران الكريم في سورة قريش: )لإيلف قريش. ايلافِهم رحلة الشتاء والصيف(. ولهذا فقد كان من سياستهم مداراة حكام اليمن وارضاؤهم، ومنع من قد يعتدي منهم على أحد من أهل اليمن أو الحبش ممن قد يقصد مكة للاتجار أو للاستراحة بها في أثناء سيره إلى بلاد الشام، خوفاً من منع تجارهم من دخول أسواق اليمن. فلما وثب أحدهم على تجار من اليمن كانوا قد دخلوا مكة، وانتهبوا ما كان معهم، مضت عدة من وجوه قريش إلى "أبي يكسوم"، أي أبرهة وصالحوه أن لا يقطع تجار أهل مكة عنهم. وضماناً لوفائهم بما اتفقوا عليه وضعوا "الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار" وغيره رهينة، فكان "أبرهة" يكرمهم ويصلهم، وكانوا يبضعون البضائع إلى مكة لأنفسهم.

وقد وضع أهل الطائف رهائن عند أبي يكسوم كذلك، ضماناً لحسن معاملتهم للحبش ولمن قد يقصد الطائف للاتجار من الحبش أو من أهل اليمن.

طرد الحبشة

لقد عجل الحبش في نهايتهم في اليمن، وعملوا بأيديهم في هدم ما أقاموه بأنفسهم من حكومة، باعتدائهم على أعراض الناس وأموالهم، وأخذهم عنوة كل ما كانوا يجدونه أمامهم، حتى ضجّ أهل اليمن وضجروا، فهبوا يريدون تغيير الحال، وطرد الحبشة عن أرضهم، وإن أدى الأمر بهم إلى تبديلهم بأناس أعاجم أيضاً مثل الروم أو الفرس، إذا عجزوا هم عن طردهم، فلعل من الحكام الجدد من قد يكون أهون شراً من الحبش، وان كان كلاهما شراً، ولكن إذا كان لا بد من أحد الشرين فإن أهونهما هو الخيار ولا شك.

وهبّ اليمانون على الحبش، وثار عليهم ساداتهم في مواضع متعددة غير أن ثوراتهم لم تفسهم شيئاً، اذ أخمدت، وقتل القائمون بها. ومن أهم اسباب إخفاقها انها لم تكن ثورة عارمة عامة مادتها كل الجماهير والسادات، بل كانت ثورات سادات، مادة كل ثورة مؤججها ومن وراءه من تبع. هنا ثورة وهناك ثورة، ولم تكن بقيادة واحدة، أو بإمرة قائد خبير أو قادة متكاتفين خبراء بأمور الحرب والقتال، فصار من السهل على الحبش، الانقضاض عليها واخمادها، أضف إلى ذلك انها لم تؤقت بصورة تجعلها ثورات جماعية، وكأنها نيران تلتهب في وقت واحد، يعسر على مخمدي النيران إخمادها، او اخمادها على الأقل بسهولة.

ولتحاسد الأقيال وتنافسهم على السيادة والزعامة نصيب كبير في هذا الإخفاق، لذلك وجه بعض السادة أنظارهم نحو الخارج في أمل الحصول على معونة عسكرية أجنبية خارجية، تأتيهم من وراء الحدود، لتكره الحبش على ترك اليمن. وكان صاحب هذا الرأي والمفكر فيه "سيف بن ذي يزن"، من ابناء الأذواء ومن أسرة شهيرة. وقد نجح فىِ مشروعه، فاكتسب صفة البطولة وانتشر اسمه بين اليمانيين، حتى صير أسطورة من الأساطير، وصارت حياته قصة من القصص أمثال قصة أبي زيد الهلالي وعنترة وغيرهما ممن تحولوا إلى أبطال تقص حياتهم على الناس في المجالس وفي المقاهي وحفلات السمر والترفيه، أو تقرأ للتسلية واللهو.

و "سيف بن ذي يزن"، هو "معديكرب بن ابي مرة"،وقد عرف ابوه ايضاً ب "ابي مرة الفياض"، وكان من أشراف حمير، ومن الأفواء. وأمه "ريحانة ابنة علقمة"، وهي من نسل "ذي جدن" على فى ما ذكرت. يقال إن أبرهة لما انتزع ريحانة من بعلها "ابي مرة"، فر زوجها إلى العراق فالتجأ إلى ملك الحيرة "عمرو بن هند" على ما يظن، وبقي "معديكرب" مع امه في بيت "أبرهة" على ذلك مدة، حتى وقع شجار بينه وبين شقيقه من امه "مسروق" الذي ولي الملك بعد موت اخيه "يكسوم" فأثر ذلك في نفسه وحقد على "مسروق".، فلما مات يكسوم، خرج من اليمن، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما هم فيه، وطلب إليه إن يخرجهم عنه، ويليهم هو ويبعث اليهم من يشاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئاً مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر، فأسكنه عنده ثم اوصله بكسرى، وحدثه في شأنه وفي خاطره في قومه، فأمده بثماني مئة محارب، وب "وهرز" أمره عليهم، وبثماني سفن جعل في كل سفينة مئة رجل و يصلحهم في البحر، فخرجوا، حتى إذا لجوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلص إلى ساحل اليمن من ارض عدن ست سفائن فيهن ستمئة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذي يزن، نزلوا أرض اليمن، فلما سمع بهم مسروق بن أبرهة، جمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار اليهم، فلما التقوا رمى "وهرز" مسروقاً بسهم، فقتله، وانهزمت الحبشة، فقتلوا، وهرب شريدهم، ودخل "وهرز" مدينة صنعاء، وملك اليمن ونفى عنها الحبشة، وكتب بذلك إلى كسرى. فكتب إليه كسرى يأمره إن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وارضها وان يرجع وهرز إلى بلاده، فرجع اليها. ورضي سيف بدفع جزية وخرج يؤديه في كل عام.

وذكر "الطبري" في رواية له اخرى عن "سيف بن ذي يزن" وعن مساعدة الفرس له، فقال: "فخرج ابن ذي يزن قاصداً إلى ملك الروم، وتجنب كسرى لابطائه عن نصر ابيه، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم اياه على الدين، فانكفأ راجعاً إلى كسرى"، فقابله وحياه وقال لكسرى: "انا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، الذي وعدته إن تنصره فما ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. فرقَّ له كسرى، وامر له بمال. فخرج، فجعل ينشر الدراهم، فانتهبها الناس. فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت: قال: إني لم آتك للمال، انما جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل، فاعجب ذلك كسرى، فبعث اليه: إن أقم حتى انظر في امرك. ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموبذان: إن لهذا الغلام حقاً بنزوعه وموت ابيه بباب الملك وحضرته، وما تقدم من عدته اياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو إن الملك وجههم معه، فإن أصابوا ظفراً كان له، وان هلكوا كان قد استراح وأراح اهل مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد الصواب. قال كسرى: هذا الرأي. وعمل به ".

ويظهر من هذه الرواية، إن "ابا مرّة"، والد "معديكرب"، كان قد فرّ من اليمن إلى العراق، وقد حاول عبثاً حث كسرى على تقديم العون العسكري له لطرد ابرهة وقومه الحبش عن اليمن، وبقي يسعى ويحاول حتى مات بالعراق، مات بالمدائن على حد زعم هذه الرواية. ويظهر منها أيضاً، إن سيف بن ذي يزن، أي ولد ابي مرّة، كان قد أيس هو من كسرى بعد إن رأى ما رأى من موقفه مع ابيه، فذهب أولاً إلى ملك الروم، على أمل مساعدته ومعاونته في طرد الحبش عن بلاده، حتى وان أدى الأمر إلى استيلاء الروم على اليمن، فلما خاب ظنه ذهب إلى الفرس، فساعدوه.

ويذكر "الطبري" أن وهرز لما انصرف إلى كسرى، ملَّك سيفاً على اليمن، ف "عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها، حتى إذا أفناها الا بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خولاً، واتخذ منهم جماّزين يسعون بين يديه بحرابهم، حتى إذا كان في وسط منهم وجأوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن واوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث اليهم "وهرز" في أربعة آلاف من الفرس، وأمره الا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من اسود الا قتله، صغيراً كان او كبيراً. فأقبل وهرز، حتى دخل اليمن ففعل ذلك. ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمره كسرى عليها. فكان عليها، وكان يجبيها إلى كسرى حتى هلك".

لقد كان استيلاء الحبشة على اليمن بأسرها سنة "525" للميلاد. أما القضاء على حكمهم فكان قريباً من سنة "575" للميلاد. ولكن الحبش كانوا في اليمن قلائل هذا العهد، اذ كانوا احتلوا بعض الأرضين قبل السنة "525" للميلاد، وكانوا يحكمونها باسم ملك الحبشة.

وجاء في تأريخ الطبري وفي موارد اخرى إن حكم الحبش لليمن دام اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم اربعة: ارياط، ثم أبرهةّ، ثم يكسوم بن ابرهة، ثم مسروق ابن ايرهة. وهو رقم فيه زيادة، إذا اعتبرنا إن نهاية حكم الحبش في اليمن، كانت في حوالى السنة "575م" 0 اما اخذنا برواية اهل الأخبار مثل حمزة، الذي ذكر كما سبق إن بينّت إن حكم "أرياط" دام عشرين سنة، وان حكم ابرهة ثلاثاً وعشرين سنة، وان حكم "يكسوم" سبع عشرة، وان حكم مسروق اثنتي عشرة سنة، فيكون ما ذكره "الطبري" وحمزة صحيحاً من حيث المجموع، لأن مجموعه "72" سنة. ولكني أشكك في إن حكم "رياط" كان "20" سنة. إذ يعني هذا إن حكمه استمر إلى سنة "545" للميلاد، والمعروف من نص "ابرهة" المدون على جدار سد مأرب، إن ابرهة رمم السد وقوى جدرانه سنة "542" للميلاد. ومعنى هذا انه كان قد استبد بأمر اليمن قبل هذا الزمن.

وقد تعرض "حمزة" لهذا البحث، ولفت النظر إلى تفاوت الرواة في مدة لبث الحبشة باليمن وفي تأريخ اليمن كله. فقال: "وليس في جميع التواريخ تاريخ أسقم ولا أحلّ من تاريخ الأقيال ملوك حمير، لما قد ذكر فيه من كثرة عدد سني من ملك منهم، مع قلة عدد ملوكهم"، و "قد اختلف رواة الأخبار في مدة لبث الحبشة باليمن اختلافاً متفاوتاً". والواقع اننا نجد اختلافاً كبيراً بين اهل الأخبار في تأريخ اليمن،حتى في المتأخر منه القريب من الإسلام.

ويذكر "ابو حنيفة الدينوري"، إن "وهرز" كان شيخاً كبيراً، قد أناف على المائة، وكان من فرسان العجم وابطالها، ومن اهل البيوتات والشرف، وكان اخاف السبيل، فحبسه كسرى. ويقال له "وهرز بن الكاسجار"، فسار بأصحابه إلى "الأبلة" فركب منها البحر. وذكر إن "كسرى" لما ردّه إلى اليمن، بعد وثوب الحبش ب "سيف بن ذي يزن"، وبقي هناك إلى إن وافاه اجله، قُبر في مكان سّمي "مقبرة وهرز"، وراء الكنيسة، ولم يشر إلى اسم الكنيسة، ولعله قصد موضع "القليس".

أما "المسعودي"، فصير "وهرز" موظف كبيرأ بدرجة "اصبهبذ"، ودعاه ب "وهرز اصبهبذ الديلم" 0 أي انه كان اصبهبذاً على الديلم اذ ذاك. وذكر انه ركب ومن كان معه من أهل السجون البحر في السفن في دجلة ومعهم خيولهم وعُددهم وأموالهم حتى أتوا "الأبة"، فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضرموت في موضع يقال له "مثَوب"، فخرجوا من السفن فأمرهم "وهرز" إن يحرقوا السفن، ليعلموا انه الموت. ثم ساروا من هناك براً حتى التقوا ب "مسروق".

وذكر "المسعودي"، إن "كسرى انو شروان"، أشترط على "معديكرب" شروطاً: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها، وخراج محمله إليه. فتوج "وهرز" معديكرب بتاج كان معه وبدنة من الفضة ألبسه اياها، ورتبه بالملك على اليمن، وكتب إلى "أنو شروان" بالفتح.

قال "المسعودي" ولما ثبت "معديكرب" في ملك اليمن، اتته الوفود من العرب تهنيه بعود الملك إليه، وفيها وفد مكة وعليهم عبد المطلب، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزُى، وابو زمعة جد امية بن ابي الصلت، فدخلوا إليه، وهو في اعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغمدان، وهنأوه، وارتجل عبد المطلب خطاباً، ذكر المسعودي وغيره نصه، وأنشد "ابو زمعة" شعراً، فيه ثناء على الملك وحمد للفرس "بنو الأحرار". الذين ساعدوا أهل اليمن، على "سود الكلاب".

واذا أخذنا برواية "المسعودي" عن وفد مكة، وبما يذكره اهل الأخبار عن مدة حكم الحبش على اليمن، وهي اثنتين وسبعين سنة، وجب إن يكون ذهاب الوفد الى صنعاء بعد سنة "597" للميلاد، وهذا مستحيل. فقد كانت وفاة "عبد المطلب" في السنة الثامنة من عام الفيل، والرسول في الثامنة اذ ذاك فيكون وفاة "عبد المطلب" اذن في حوالي السنة "578" أو "579" للميلاد، اي في ايام وجود الحبش في اليمن، وقبل طردهم من بلاد العرب. اما لو اخذنا برواية الباحثين المحدثين التي تجعل زمن طرد الحبش عن اليمن سنة "575" للميلاد، او قبلها بقليل، فيكون من الممكن القول باحتمال ذهاب "عبد المطلب" إلى اليمن، على نحو ما يرويه "المسعودي".

لم يذكر اهل الأخبار السنة التي تولى فيها "سيف بن ذي يزن" الحكم على اليمن بعد طرد الحبش عنها، ويرى بعض الباحثين انها كانت في حوالي السنة "575" للميلاد. وان حكمه لم يكن قد شمل كل اليمن، بل جزءاً منها. ويظهر إن الفرس استأثروا بحكم اليمن لأنفسهم، اذ نجد إن رجالاّ منها تحكمها منذ حوالي السنة "598" للميلاد تقريباً، وكان احدهم بدرجة "ستراب" "سطراب" Satrapie.

وذكر "ابن دريد" إن من ذرية "سيف بن ذي يزن"، "عفير بن زرعة بن عفير بن الحارث بن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف". وكان سيد حمير بالشام في ايام عبد الملك بن مروان.

ورووا إن "وهرز" كان يبعث العير إلى كسرى بالطيوب والأموال فتمر على طريق البحرين تارة وعلى طريق الحجاز اخرى، فعدا بنو تميم في بعض الأيام على عيره بطريق البحرين، فكتب إلى عامله بالانتقام منهم، فسار عليهم وقتل منهم خلقاً، وذلك يوم "الصفقة". وعدا بنو كنانة على عيره بطريق الحجاز حين مرت بهم، وكانت في جوار رجل من أشراف العرب من قيس، فكانت حرب الفجار بين قيس وكنانة.

وامر كسرى بتولي ابن وهرز، وهو "المزربان بن وهرز" منصب ابيه، لما توفي والده. فكان عليها إلى إن هلك.

ثم امر كسرى "البينجان بن المرزبان" اي حفيد "وهرز" بتولي منصب ابيه حين داهمته منيته. فاًمرّ كسرى بعده "خُرّخرة ين البينجان"، فكان عليها، ثم غضب كسرى عليه. واستدعاه إلى عاصمته، فذهب اليها، فخلعه كسرى وعين باذان "باذام" في مكانه، ولم يزل على اليمن حتى بعث الرسول. وذكر بعض اهل الأخبار إن "خذ خسرو بن السيحان بن المرزبان" هو الذي حكم بعد "الرزبان بن وهزر"، وهو الذي عزله كسرى، وولى "باذان" "باذام" بعده على اليمن.

لقد كانت السنة السادسة من الهجرة، سنة مهمة جداً في تاريخ اليمن. فيها دخل "باذان" "باذام" في الإسلام، وفيها قضى الإسلام على الوثنية واليهودية والنصرانية وعلى الحكم الأجنبي في البلاد، فلم يبق حكم حبشي ولا حكم فارسي. ويرى بعض المستشرقين إن دخول باذان في الإسلام كان بين سنة "628" و"630" للميلاد. ويذكر "الطبري"، إن اسلام "باذان"، كان بعد قتل "شيرويه" لأبيه "كسرى أبرويز"، وتوليه الحكم في موضع والده. فلما جاء كتاب شيرويه إليه يبلغه بالخبر، ويطلب منه الطاعة، اعلن اسلامه، وأسلم من كان معه من الفرس والأبناء. وقد ولى "شيرويه" الحكم في سنة "628" للميلاد، ولم يدم حكمه اكثر من ثمانية اشهر. وقد عرف ب "قباذ".

وقد ذكر إن "باذان" "باذام" كان من "الأبناء"، أي من الفرس الذين ولدوا في اليمن، وأن الرسول استعمل ابنه "شهر بن باذان" مكانه، أي بعد وفاة والده.

ويذكر أهل الأخبار إن الفرس الذين عاشوا في اليمن وولدوا بها واختلطوا بأهلها، عرفوا ب "الأبناء"، وب "بني الأحرار".

ولما قتل "الأسود العنسي" "شهر بن باذام" "شهر بن باذان"، واستبد "العنسي" بأمر اليمن، خرج عمال الرسول عن اليمن. فلما قتل "العنسي" ورجع عمال النبي إلى اليمن، استبد بصنعاء "قيس بن عبد يغوث المرادي"، وتوفي الرسول والأمر على ذلك. ثم كانت خلافة ابي بكر، فولى على اليمن "فيروز الديلمي".

وقد تطرق "ابن قتيبة" إلى "ملوك الحبشة في اليمن"، فذكر اسم "أبرهة الأشرم"، ثم "يكسوم بن أبرهة"، ثم "سيف بن ذي يزن"، فقال عنه: انه "أتى كسرى أنو شروان بن قباذ" في آخر ايام ملكه - هكذا تقول الأعاجم في سيرها، وانا احسبه هرمز بن أنو شروان على ما وجدت في التأريخ -" مما يدل على أنه نقل أخباره عن حملة الفرس على اليمن من كتب سير ملوك العجم، المؤلفة بلغتهم، كما نقل من موارد أخرى غير أعجمية. وقد ذكر أيضاً أن المؤرخين اختلفوا اختلافاً متفاوتاً في مكث الحبشة في اليمن.

وكوّن الأبناء طبقة خاصة في اليمن، ولما قدم "وبر بن يُحنّس،" على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام، نزل على بنات النعمان بن يُزرج فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، والى "مركبود" وعطاء ابنه، ووهب بن منبه، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه.

ونجد عهد استيلاء الحبشة الأخير على اليمن عهداً كريمأَ من ناحيته التأريخية، اذ دوّن جملة نصوص، تحدثت عنها فيما سلف. أما عند استيلاء الفرس على اليمن إلى دخولها في الإسلام، فلم يترك شيئاً مدونأَ ولا أثراً يمكن أن يفيدنا في الكشف عن اليمن في هذا العهد. لم يترك لنا كتابة ما، لا بالمسند ولا بقلم الساسانيين الرسمي يشرح الأوضاع السياسية أو أي وضع آخر في هذا العهد.

وحالنا في النصوص الكتابية في أول عهد دخول اليمن في الإسلام، مثل حالنا في استيلاء الفرس عليها، فنحن فيه معدمون لا نملك ولا نصاً واحداً مدوناً من ذلك العهد. وهو أمر مؤسف كثيراً، وكيف لا وهو والعهد الذي قبله المتصل به، من أهم العهود الخطيرة في تأريخ اليمن وجزيرة العرب، ونص واحد من هذين العهدين ثروة لا تقدّر بثمن لمن يريد الوقوف على التطورات التأريخية التي مرّت بالعرب قبيل الإسلام وعند ظهوره.

هذا ولا بد من الاشارة الى ان حكم الفرس لليمن لم يكن حكماً فعلياً واقعيا، فلم يكن ولاتهم يحكمون اليمن كلها، وانما كان حكمهم حكماً اسميا صوريا، اقتصر على صنعاء وما والاها، أما المواضع الاخرى، فكان حكمها لأبناء الملوك من بقايا الأسر المالكة القديمة وللأقيال والأذواء. دلك أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلا من حمير، فكانوا "ملوك الطوائف" فكان على حمير عند مبعث رسول الله سادات نعتوا أنفسهم بنعوت الملوك، من بينهم "الحارث ابن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر وزرعة ذو يزن بن مالك بن مرة الرهاوي". وقد أرسلوا إلى الرسول مبعوثاً عنهم يخبره برغبتهم في الدخول في الإسلام، وصل اليه مقفله من أرض الروم، ثم لقيه بالمدينة وأخبره باسلامهم وبمفارقتهم الشرك، فكتب اليهم رسول الله كتاباً يشرح فيه ما لهم وما عليهم من واجبات وحقوق.

همدان وصنعاء ومأرب

وكانت همدان عند مبعث الرسول، مستقلة في ادارة شؤونها، وقد أسلمت كلها في يوم واحد على يد علي بن أبي طالب، ولقد صارت "صنعاء" عاصمة لحكام اليمن منذ عهد الحبش حتى هذا اليوم، أما "مأرب" فقد صارت مدينة ثانوية، بل دون هذه الدرجة، وأفل كذلك شأن ظفار، وسائر المواضع التي كان لها شأن يذكر في عهد استقلال اليمن وفي عهد الوثنية. ويرجع بعض أهل الأخبار بناء صنعاء إلى "سام بن نوح"، وزعموا أنها أول مدينة بنيت باليمن، وأن قصر "غمدان" كان أحد البيوت السبعة التي بنيت على اسم الكواكب السبعة، بناه "الضحاك" على اسم الزُّهرة. وكان الناس يقصدونه إلى أيام "عثمان" فهدمه، فصار موضعه تلاً عظيماً.

وقد ورد اسم "صنعاء" لأول مرة على ما نعلم في نص يعود عهده إلى أيام الملك "الشرح يحضب" "ملك سبأ وذي ريدان"، ودعيت فيه ب "صنعو".

وذكر الأخباريون أنها كانت تعرف ب "أزال" وب "أوال". أخذوا ذلك على ما يظهر من "أزال" في التوراة بواسطة أهل الكتاب مثل "كعب الأحبار" ووهب بن منبّه. وذكروا أن قصرغمدان الذي هو بها قصر "سام بن نوح"، أو قصر "الشرح يحضب" "ليشرح يحضب". وذكروا أيضاً أنها أول مدينة اختطت باليمن بنتها "عاد". ورووا قصصاً عن "غمدان"، فزعم بعض أن بانيه "سليمان" أمر الشياطين، فبنوا لبلقيس ثلاثة قصور: غمدان وسلحين وبينون. وزعم بعضهم أن بانيه هو: "ليشرح يحضب" أراد اتخاذ قصر بين صنعاء و "طيوة"، فانتخب موضع "غمدان". وقد وصف "الهمداني" ما تبقى منه في أيامه، وأشار إلى ما كان يرويه أهل الأخبار عنه.

نجران

وأما "نجران"، فقد كانت مستقلة بشؤونها، يديرها ساداتها وأشرافها، ولها نظام سياسي واداري خاص تخضع له، ولم يكن للفرس عليها سلطان. وكان أهلها من "بني الحارث بن كعب"، وهم من "مذحج" و "كهلان"، وكانوا نصارى. ومن اشرافهم "بنو عبد المدان بن الدياّن"، أصحاب كعبة نجران وكان في فيها أساقفة معتمون، وهم الذين جاؤوا إلى النبي ودعاهم إلى المباهلة، مع وفد مؤلف من ستين أو سبعين رجلاً راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر اليهم يؤول أمرهم. العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم "وهب"، وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، اسقفهم وحبرهم وإمامهم صاحب مداراسهم.

ويذكر الأخباريون، إن أبا حارثة كان قد شرف في أهل نجران ودرس الكتب حتى حسن علمه فى دينهم، وصار مرجعهم الأكبر فيه. وكانت له حظوة عند ملك الروم، حتى أنه كان يرسل له الأموال والفعلة ليبنوا له الكنائس، لما كانت له من منزلة في الدين وفي الدنيا عند قومه. وكان له أخ أسمه "كوز بن علقمة". وقد أسلما مع من أسلم من الناس بعد السنة العاشرة من الهجرة.

ويظهر من الخبر المتقدم أن ملوك الروم كانوا على اتصال بنصارى اليمن، وانهم كانوا يساعدون أساقفتهم ويموّلونهم، ويرسلون اليهم العطايا والهبات. وقد أمدوهم بالبنّائين والفعلة وبالمواد اللازمة لبناء الكنائس في نجران وفي غيرها من مواضع اليمن. وقد كان من مصلحة الروم مساعدة النصرانية في اليمن وانتشارها، لأن في ذلك كسباً عظيماً لهم. في انتشارها يستطيعون تحقيق ما عجز عنه "أوليوس غالوس" حينما كلفه انبراطور روما اقتحام العربية السعيدة والاستيلاء عليها.

وذكر أهل الأخبار أيضاً، أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتباً عندهم، كلما مات رئيس منهم فأضيفت الرئاسة إلى غيره، انتقلت الكتب إليه. وقد عرفت تلك الكتب ب "الوضائع". وكانوا يختمونها، فكلما تولى رئيس جديد ختم على تلك الكتب فزادت الخواتم السابقة ختماً. وذكر علماء اللغة إن الوضائع هي كتب يكتب فيها الحكمة. وفي الحديث: أنه نبي وان أسمه وصورته في الوضائع.

ونجران أرض في نجد اليمن خصبة غنية، وفيها مدينة نجران من المدن اليمانية القديمة المعروفة قبل الميلاد. وقد ذكرها "سترابون" في جغرافيته، وسماها Negrana=Negrani في معرض كلامه على حملة "أوليوس غالوس" على العربية، كما ذكرها المؤرخ "بلينبوس" في جملة المدن التي أصابتها يد التخريب في هذه الحملة. كما ذكرها "بطلميوس"، فسماها Nagera Mytropolis=Negra Metropolis.

وفي ذكر "بطلميوس" لها على أنها "مدينة" دلالة على أنها كانت معروفة أيضاً بعد الميلاد. وأن صيتها يلغ مسامع اليونان.

ويعدّ النص الموسوم ب Glaser 418,419، من أقدم النصوص التي ورد فيها اسم مدينة نجران. إذ يرتفع زمنه إلى أيام "المكربين". وقد ذكر كما سبق في أثناء كلامي على دور المكربين، في مناسبة تسجيل أعمال ذلك "المكرب" وتأريخ حروبه وما قام به من فتوح. وورد ذكرها في النص: "Glaser 1000"، الذي يرتقي زمنه الى أيام المكرب والملك "كرب ايل وتر" آخر "مكربي" سبأ، وأول من تلقب بلقب "ملك سبأ". فورود اسم "نجران، في النصين المذكورين يدل على أنها كانت من المدن القديمة العامرة قبل الميلاد، وأنها كانت من المواضع النابهة في أول أيام سبأ.

وورد اسمها في نصوص أخرى. كما ذكرت في جملة المواضع التي دخلها رجال حملة "أوليوس غالوس" على اليمن. وذكرها نص "النمارة" الذي يرتقي زمنه إلى سنة "328" بعد الميلاد. وقد كانت في أيدي الملك "شمر يهرعش" إذ ذاك على رأي أكثر الباحثين. اذ كان قد وسع رقعة حكومة "سبأ وذي ريسان وحضرموت" وأضاف اليها ارضين جديدة منها أرض "نجران"، وأشار الى تدمير ذلك الملك ل "نبطو"، أي النبط.

وقد ذهب "ريتر" إلى أن Negra Mytropolis هو الموضع المسمى ب "القابل" على الضفة الغربية لوادي نجران. أما "هاليفي"، فذهب إلى أنها الخرائب المسماة "الأخدود". وذهب "كلاسر" الى أنها الأخدود أو "رجلة"، أو موضع آخر في "وادي الدواسر".

وقد ذكر "الهمداني" إن موضع "هجر نجران" أي مدينة نجران، هو الأخدود. ومدح خصب أرض نجران، ولم يكن "نجران" اسم مدينة في الأصل كما يتبين من النص CIH 363، بل كان اسم أرض بدليل ورود اسماء مواضع ذكر انها في "نجرن" نجران. ويرى بعض الباحثين أن مدينة "رجمت" كانت من المدن الكبرى في هذه الأرض، ثم تخصص اسم نجران فصار علماً على المدينة التي عرفت بنجران.

وذهب بعض الباحثين إلى أن "رجمت" "رجمة" هي "رعمة" المذكورة في التوراة. وقد تحدثت فيما سلف عن "رعمة" وعن اتجار أهلها وتجار "شبا" Sheba مع "صور" Tyrus.

ويذكر الأخباريون أن قوماً من "جرهم" نزلوا بنجران، ثم غلبهم عليها بنو حمير، وصاروا ولاة للتبابعة، وكان كل من ملك منهم يلقب "الأفعى". ومنهم "أفعى نجران" واسمه "القلمس بن عمرو بن همدان بن مالك بن منتاب ابن زيد بن وائل بن حمير"، وكان كاهناً. وهو الذي حكم على حد قولهم بين أولاد نزار. وكان والياً على نجران لبلقيس، فبعثته إلى سليمان، وآمن، وبث دين اليهودية في قومه، وطال عمره، وزعموا انه ملك البحرين والمشلل. ثم استولى "بنو مذحج" على نجران. ثم "بنو الحارث بن كعب"، وانتهت رياسة بني الحارث فيها إلى بني الديان، ثم صارت إلى بني عبد المدان، وكان منهم "يزيد". على عهد الرسول.

ويرى بعض أهل الأخبار أن "السيد" والعاقب أسقفي نجران اللذين أرادا مباهلة رسول الله هما من ولد الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي، الذي حكم بين بني نزار بن معد في ميراثهم، وكان منزله بنجران. وقد سميت "نجران" بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان على رأي بعض أهل الأخبار. وقد اشتهرت بالأدم.

وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى "بني الحارث بن كعب" بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فإن استجابوا إليه قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم. فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه، ورجع خالد مع وفد منهم إلى رسول الله، فأعلنوا إسلامهم أمامه، ثم رجعوا وقد عين الرسول "عمرو ابن حزم" عاملاً على نجران. فبقي بنجران حتى توفى رسول الله.

ولما عاد خالد بن الوليد من نجران إلى المدينة، أقبل معه وفد "بلحارث بن كعب"، فيهم قيس ين الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المُحجّل،وعبد الله بن قريظ الزيادي، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي. فلما رآهم الرسول، قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند ? ثم كلمهم، وأمرَّ "قيس بن الحصين" عليهم، ورجعوا، وكان ذلك قبل وفاة الرسول بأربعة أشهر.

وقد اشتهرت نجران بثيابها، ولما توفى الرسول، كُفن في ثلاثة أثواب نجرانية.

وقد زار "فلبي" وادي نجران، وعثر على خرائب قديمة، يرجع عهدها إلى ما قبل الإسلام، كما تعرف على موضع "كعبة نجران". ووجد صوراً قديمة محفورة في الصخر على مقربة من "أم خرق"، وكتابات مدونة بالمسند. وعلى موضع يعرف ب "قصر ابن ثامر"، وضريح ينسب إلى ذلك القديس الشهيد الذي يرد اسمه في قصص الأخباريين عن شهداء نجران. ويرى "فلبي" أن مدينة "رجمت" "رجمة" هي "الأخدود"، وأن الخرائب الي لا تزال تشاهد فيها اليوم تعود إلى أيام المعينيين. ويقع "قصر الأخدود" الأثري بين "القابل" و "رجلة"، وهو من المواضع الغنية بالاثار. وقد تبسط "فلبي" في وصف موضع الأخدود، ووضع مخططاً بالمواضع الأثرية التي رآها في ذلك المكان.

ويتضح من مخطط "فلبي" لمدينة "نجران" أنها كانت مدينة كبيرة مفتوحة، وعندها أبنية محصنة على هيأة مدينة مربعة الشكل، وذلك للدفاع عنها، وبها مساكن وملاجىء للاحتماء بها ولتمكين المدافعين من صدّ هجمات المهاجمين لها.

أثر الحبش في أهل اليمن

ولا بد أن يكون فتح الحبش لليمن قد ترك أثرأ في لهجات أهلها، ولا سيما بين النصارى منهم، ممن دخلوا في النصرانية بتأثير الحبش من ساسة واداريين ومبشرين، فاستعملوا المصطلحات الدينية الني كان يستعملها الأحباش لعدم وجود ما يقابلها عندهم في لهجاتهم لوثنيتهم، ولكني مع ذلك لا أستطيع أن أقول إن تلك المصطلحات كانت كلها حبشية الأصل والأرومة ؛ لأن الكثير منها لم يكن حبشياً في المنشأ والوطن، وانما كان دخيلاً مستورداً، جاءت به النصرانية من لغة بنى إرم، أو من اللغات الأخرى المتنصرة، فأدخلتها إلى الحبشة، فأستعملها الأحباش وحرفوا بعضها على وفق لسانهم، ومنهم انتقلت بالفتوح وبالاتصال الى اليمن.

وقد عرض علماء اللغة المسلمون والمستشرقون لعدد من الألفاظ العربية، ذكروا انها من أصل حبشي، وهي من الإلفاظ التي كانت مستعملة معروفة قبل الإسلام، وقد ورد بعضها في القرآن الكريم وفي الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ومثل هذه الألفاظ تستحق أن تكون موضع درس وتحيص لمعرفه صحة أصلها ونسبها ودرجة أرومتها في الحبشية، لمعرفة أثر الأحباش في العرب وأثر العرب في الأحباش، لأن بعض ما نسب إلى الأحباش من كلم هو من أصل عربي جنوبي، هاجر من اليمن بطرق متعددة إلى افريقية، واستعمل هناك، ظن انه حبشي الأصل، وان العرب أخذوه من الأحباش.

وقد اثر فتح الحبش لليمن على سحن الناس أيضاً. فظهر السواد على ألوانهم عند غلبة الحبشة على بلادهم. وقد تأثروا بأخلاق الحبش كذلك.

الفصل الثاني والأربعون
مكة المكرمة

ومكة بلد في واد غير ذي زرع، تشرف عليها جبال جُرد، فتزيد في قسوة مناخها. ليس بها ماء، غير ماء زمزم، وهي بئر محفورة، وآبار أخرى مجة حفرها أصحاب البيوت، أما مياه جارية وعيون غزيرة، على ما نرى في أماكن أخرى، فليس لها وجود بهذا المعنى هناك. وكل ما كان يحدث نزول سيول، قد تكون ثقيلة قوية، تهبط عليها من شعاب الهضاب والجبال، فتنزل بها أضراراً فادحة وخسائر كبيرة، وقد تصل إلى الحرم فمؤثر فيه، وقد تسقط البيوت، فتكون السيول نقمة، لا رحمة تسعف وتغيث أهل البيت الحرام.

لذلك لم تصلح أرض مكة لأن تكون أرضاً ذات نخيل وزرع وحَب، فاضطر سكانها إلى استيراد ما يحتاجون إليه من الأطراف والخارج، وأن يكتفوا في حياتهم بالتعيش مما يكسبونه من الحجاج، وأن يضيفوا إلى ذلك تجارة تسعفهم وتغنيهم، وتضمن لهم معاشهم، وأماناً وسلماً يحفظ لهم حياتهم، فلا يطمع فيهم طامع، ولا ينغص عيشهم منغص. "وإذ قال ابراهيم: ربّ اجل هذا بلداً آمناً، وارزق أهله من الثمرات...".

ويعود الفضل في بقاء مكة وبقاء أهلها بها إلى موقعها الجغرافي، فهي عقدة تتجمع بها القوافل التي ترد من العربية الجنوبية تريد بلاد الشام، أو القادمة من بلاد الشام تريد العربية الجنوبية، والتي كان لا بد من أن تستريح في هذا المكان، لينفض رجالها عن أنفسهم غبار السفر، وليتزودوا ما فيه من رزق. ثم ما لبث أهلها أن اقتبسوا من رجال القوافل سرّ السفر وفائدته، فسافروا أنفسهم على هيأة قوافل، تتولى نقل التجارة لأهلا مكة وللتجار الآخرين من أهل اليمن ومن أهل بلاد الشام. فلما كان القرن السادس للميلاد، احتكر تجار مكة التجارة في العربية الغربية، وسيطروا على حركة النقل في الطرق المهمة التي تربط اليمن ببلاد الشام وبالعراق.

وللبيت فضل كبير على أهل مكة، وبفضله يقصدها الناس من كل أنحاء العالم حتى اليوم للحج إليه. وقد عرف البيت ب "الكعبة" لأنه مكعب على خلقة الكعب. ويقال له: "البيت العتيق" و "قادس" و "بادر"، وعرفت الكعبة ب "القرية القديمة" كذلك.

وبمكة جبل يطل عليها، يقال له جبل: "أبو قبيس"، ذكر بعض أهل الأخبار انهُ سمي "أبا قبيس" برجل حداد لأنه أول من بنى فيه. وكان يسمى "الأمين" لأن الركن كان مستودعاً فيه. وأمامه جبل آخر؛ وبين الجبلين وادٍ، فيه نمت مكة ونبتت. فصارت محصورة بين سلسلتين من مرتفعات.

وقد سكن الناس جبل "أبي قبيس" قبل سكنهم بطحاء مكة، وذلك لأنه موضع مرتفع ولا خطر على من يسكنه من اغراق السيول له. وقد سكنته "بنو جرهم"، ويذكر أهل الأخبار انه إنما سُمّي "قبيساً" ب "قبيس بن شالخ" رجل من جرهم. كان في أيام "عمرو بن مضاض".

ويظهر انه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين، فقد كان نُسّاك مكة وزهادها ومن يتحنف ويتحنث ويترهب من أهلها في الجاهلية يصعده ويعتكف فيه. ولعله كان مقام الطبقة المترفة الغنية من أهل مكة قبل نزوح "قريش" إلى الوادي، وسكنها المسجد الحرام المحيط بالبيت.

ويظهر من سكوت أهل الأخبار عن الإشارة إلى وجود أُطم أو حصون في مكة للدفاع عنها، إن هذه المدينة الآمنة لم تكن ذات حصون وبروج ولا سور يقيها من احتمال غزو الأعراب أو أي عدو لها. ويظهر إن ذلك إنما كان بسبب إن مكة لم تكن قبل أيام "قصيّ" في هذا الوادي الذي يتمركزه "البيت"، بل كانت على المرتفعات المشرفة عليه.

اما الوادي، فكان حرماً آمناً يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها، ولم يكن ذا سور ولا سكن ثابت متصل بالأرض ؛ بل كان سكن من يأوي إليه بيوت الخيام. واما أهل المرتفعات فكانوا، إذا داهمهم عدو أو جاءهم غزو، اعتصموا برؤوس المرتفعات المشرفة على الدروب، وقاوموا العدو والغزو منها، وبذلك يصير من الصعب على من يطمع فيهم الوصول اليهم، ويضطر عندئذ إلى ا التراجع عنهم، فحمتهم الطبيعة بنفسها ورعتهم بهذه الرؤوس الجبلية التي أقامتها على مشارف الأودية والطرق. فلما أسكن "قصي" أهل الوادي في بيوت ثابتة مبنية، وجاء ببعض من كان يسكن الظواهر لنزول الوادي، بقي من فضّل السكن في ظواهر مكة، أي على المرتفعات. يقوم بمهمة حماية نفسه وحماية أهل البطحاء من تلك المرتفعات، وهم الذين عرفوا بقريش الظواهر. فلم تعد لأهل مكة سكان الوادي ثمة حاجة إلى اتخاذ الأطم والحصون، وبناء سور يحمي المدينة من الغزو، لا سيما والمدينة نفسها حرم آمن وفي حماية البيت ورعايته. وقد أكد "قصي" على أهلها لزوم إقراء الضيف ورعاية الغريب والابتعاد عن القتال وحل المشكلات حلاً بالتي هي أحسن. كما نظم أمور الحج، وجعل الحجاج يقدون إلى مكة، للحج وللاتجار. ثم أكد من جاء بعده من سادة قريش هذه السياسة التي افادت البلد الآمن، وأمنت له رزقه رغداً.

ولم يرد اسم "مكة" في نص الملك "نبونيد" ملك بابل، ذلك النص الذي سرد الملك فيه أسماء المواضع التي خضعت لجيوشه، ووصل هو إليها في الحجاز فكانت "يثرب" آخر مكان وصل إليه حكمه في العربية الغربية على ما يبدو من النص.

ولم نتمكن من الحصول على اسم "مكة" من الكتابات الجاهلية حتى الان. اما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دعيت ب "مكربة" "مكربا" "Macoraba"، واسم هذا الكتاب هو "جغرافيا" "جغرافية" "للعالم اليوناني المعروف "بطلميوس" "Ptolemy" الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد. وقد ذهب الباحثون إلى إن المدينة المذكورة هي "مكة". وإذا كان هذا الرأي صحيحاً يكون "بطلميوس" أول من أشار إليها من المؤلفين وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا. ولا أستبعد مجيء يوم قد لا يكون بعيداً، ربما يعثر فيه المنقبون على اسم المدينة مطموراً تحت سطح الأرض، كما عثروا على أسماء مدن أخرى وأسماء قرى وقبائل وشعوب.

ولفظة "مكربة" "Macoraba"، لفظة عربية أصابها بعض التحريف ليناسب النطق اليوناني، أصلها "مكربة" أي "مقربة" من التقريب. وقد رأينا في أثناء كلامنا على حكومة "سبأ" القديمة، إن حكامها كانوا كهاناً، أي رجال دين، حكموا الناس باسم آلهتهم. وقد كان الواحد منهم يلقب نفسه بلقب "مكرب" أي "مقرب" في لهجتنا. فهو أقرب الناس إلى الالهة، وهو مقرب الناس إلى آلهتهم، وهو مقدس لنطقه باسم الآلهة، وفي هذا المعنى جاء لفظة "مكربة"، لأنها "مقربة" من الآلهة، وهي تقرب الناس اليهم، وهي أيضاً مقدسة و "حرام"، فاللفظة ليست علماء لمكة، وإنما هي نعت لها، كما في "بيت المقدس" و "القدس" إذ هما نعت لها في الأصل. ثم صار النعت عالماً للمدينة.

أما ما ذهب إليه بعض الباحثين من إن المعبد الشهير الذي ذكره "ديودروس الصقلي" "Diodorus Siculus" في أرض قبيلة عربية دعاها "Bizomeni"، وقال إنه مكان مقدس له حرمة وشهرة بين جميع العرب، هو مكة - فهو رأي لا يستند إلى دليل مقبول معقول. فالموضع الذي يقع المعبد فبه، هو موضع بعيد عن مكة بعداً كبراً، وهو يقع في "حسمى" في المكان المسى "روافة" "غوافة" على رأي "موسل". وقد كانت في هذه المنطقة وفي المحلات المجاورة لها معابد أخرى كثيرة أشار إليها الكتبة اليونان والرومان، ولا تزال آثارها باقية، وقد وصفها السياح الذين زاروا هذه الأمكنة.

وإذا صح رأينا في إن موضع "Macoraba" هو مكة، دلّ على إنها كانت قد اشتهرت بين العرب في القرن الثاني بعد الميلاد، وانها كانت مدينة مقدسة يقصدها الناس من مواضع بعيدة من حضر ومن بادين. وبفضل هذه القدسية والمكانة بلغ اسمها مسامع هذا العالم الجغرافي اليوناني البعيد. ودلّ أيضاً على إنها كانت موجودة ومعروفة قبل أيام "بطليموس" إذ لا يعقل إن يلمع اسمها وتنال هذه الشهرة بصورة مفاجئة بلغت مسامع ذلك العالِم الساكن في موضع بعيد ما لم يكن لها عهد سابق هذا العهد.

وقد عرفنا من الكتابات الثمودية أسماء رجال عرفوا ب "مكي". ولم تشر تلك الكتابات إلى سبب تسمية اولئك الرجال ب "مكي". فلا ندرى اليوم إذا كان اولئك الرجال من "مكة" أو من موضع آخر، أو من عشيرة عرفت ب "مكت" "مكة". لذلك لا نستطيع إن نقول إن هذه التسمية. صلة بمكة.

ولم يشر الأخباريون ولا من كتب في تأريخ مكة إلى هذا الامم الذي ذكره "بطلميوس"، ولا إلى ام آخر قريب منهه، وإنما أشار إلى اسم آخر هو "بكة". وقد ذكر هذا الاسم في القرآن. قالوا إنه الهمم مكة، أبدلت فيه الميم باءً، وقال بعض الأخباريين: إنه بطن مكة، وتشدد بعضهم وتزمت، فقال: بكة موضع البيت، ومكة ما وراءه، وقال آخرون: لا. والصحيح البيت مكة وما والاه بكة، واحتاجوا إلى ايجاد اجوبة في معنى اسم مكة وبكة، فأوجدوا للاسمين معاني وتفاسير عديدة تجدها في كتب اللغة والبلدان وأخبار مكة.

وذكر أهل الأخبار إن مكة عرفت بأسماء اخرى، منها: صلاح، لأمنها، ورووا في ذلك شعراً لأبي سفيان بن حرب بن أمية، ومنها أم رحم، والباسةّ، والناسّة. والحاطمة. و "كوثى". وذكرت في القرآن الكريم ب "أم القرى".

ولعلماء اللغة بعد، تفاسير عديدة لمعنى "مكة"، يظهر من غربلتها إنها من هذا النوع المألوف الوارد عنهم في تفسير الأسماء القديمة التي ليس لهم علم بها، فلجئوا من ثم إلى هذا التفسير والتأويل. ولا استبعد وجود صلة بين لفظة مكة ولفظة "مكربة" التي عرفنا معناها. ولا استبعد إن يكون سكان مكة القدامى هم من أصل يماني في القديم، فقد أسس أهل اليمن مستوطنات على الطريق الممتد من اليمن إلى أعالي الحجاز، حيث حكموا أعالي الحجاز وذلك قبل الميلاد. وقد سبق إن تحدثت عن ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فلا يستبعد إن تكون مكة احداها. ثم انضم اليهم العرب العدنانيون، ولأهل الأخبار روايات تؤيد هذا الرأي.

وقد ذهب "دوزي" إلى إن تأريخ مكة يرتقي إلى أيام "داوود" ففي أيامه-على رأيه أنشأ "الشمعونيون" "السمعونيون"، الكعبة وهم "بنو جرهم" عند أهل الأخبار. وهو يخالف بذلك رأي "كيبن" "GIBBON"، ورأي جماعة من المستشرقين رأت إن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الأول قبل الميلاد، مستدلةً على ذلك بما ورد في تأريخ "ديودورس الصقلي" من وجود معبد، ذكر عنه انه كان محجة لجميع العرب، وان الناس كانوا يحجون إليه من أماكن مختلفة. ولم يذكر "ديودورس" اسم المعبد، ولكن هذه الجماعة من المستشرقين رأت إن هذا الوصف ينطبق على الكعبة كل الانطباق، وان "ديودورس" قصدها بالذات.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار-إن "العماليق" كانوا قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة وام الحجاز، وعتوا عتوّ اً كبيراً. فبعث اليهم موسى جنداً فقتلوهم بالحجاز. وجاء اليهود فاستوطنوا الحجاز بعد العماليق. ويظفر انهم أخذوا أخبارهم هذه من اليهود، ففي التوراة إن العماليق "العمالقة"، هم أول الشعوب التي حاربت العبرانيين، لما هموا بدخول فلسطين، وقد حاربهم موسى، فوسع يهود الحجاز هذه القصة ونقلوا حرب موسى مع العمالقة إلى الحجاز ليرجعوا زمان استيطانهم في الحجاز إلى ذلك العهد.

ثم جاءت "جرهم" فنزلت على قطورا، وكان على "قطورا" يومئذ "السميدع بن هوثر"، ثم لحق بجرهم بقية من قومهم باليمن وعليهم "مضاض ابن عمر بن الرقيب بن هاني بن بنت برهم" فنزلوا ب "قعيقعان". وكانت قطورا بأسفل مكة، وكان "مضاض" يعشر من دخل مكة من أعلاها، و "السميدع" من أسفلها. ثم حدث تنافس بين الزعيمين فاقتتلا، فتغلب "المضاض" وغلب "السميدع".

وجرهم قوم من اليمن، فهم قحطانيون إذن، جدهم هو ابن "يقطن بن عاير بن شالخ": وهم بنو عم "يعرب". كانوا باليمن وتكلموا بالعربية، ثم غادروها فجاؤوء مكة.

والعمالقة من الشعوب المذكورة في "التوراة"، وقد عدّهم "بلعام" "أول الشعوب". وقد كانوا يقيمون بين كنعان ومصر وفي "طور سيناء"، أيام الخروج، وبقوا في أماكنهم هذه إلى أيام "شاؤول" "SAUL". وقد تحدثت عنهم في الجزء الأول من هذا الكتاب.

وجرهم تزوج "إسماعيل ه بن ابراهيم" على رواية الأخباريين، وبلغتهم تكلم. وكانت "هاجر" قد جاءت، به إلى "مكة". فلما شبّ وكبر، تعلم لغة جرهم، وتكلم بها. وهم من "اليمن" في الأصل. وكانت لغتهم هي اللغة العربية. تزوج امرأة أولى قالوا إن اسمها "حرا" وهي بنت "سعد بن عوف بن هنىء بن نبت بن جرهم"، ثم طلقها بناءّ على وصية أبيه ابراهيم له، فتزوج امرأة أخرى هي السيدة بنت "الحارث بن مضاض بن عمرو بن جرهم". وعاش نسله في جرهم، والأمر على البيت لجرهم إلى إن تغلبت عليهم "بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر"، وهم خزاعة في رأي بعض أهل الأخبار.

وطبقت خزاعة على جرهم قانون الغالب، فانتزعت منها المالك، وزحزحتها عن مكة، وأقامت عمرو بن لحيّ-وهو منها-ملكاً عليها، وكان دخول خزاعة مكة على أثر خروجها من اليمن، بسبب تنبؤ الكاهن بقرب انفجار السدّ، في قصة يذكرها الأخباريون. وظلت خزاعة صاحبة مكة، إلى إن كانت أيام عمرو بن الحارث وهو "أبو غبشان" "غبشان"، فانتزع قصي منه الملك، وأخذه من خزاعة لقريش.

وكان "عمرو بن لحيّ" أول من نصب الأوثان وأدخل عبادة الأصنام إلى العرب، وغيّر دين التوحيد على زعم أهل الأخبار. ويظهر مما يرويه الأخباريون عنه انه كان كاهناً، حكم قومه ووضع لهم سنن دينهم على طريقة حكم الكهان، واستبدّ بأمر "مكة" وثبت ملك خزاعة بها. فهو مثل "قصيّ" الذي جاء بعده، فأقام ملك "قريش" في هذه المدينة. ويظهر من بقاء خبره في ذاكرة أهل الأخبار إن أيامه لم تكن بعيدة عن الإسلام، وان حكمه لمكة لم يكن بعيد عهد عن حكم "قصيّ"، وان إليه يعود فضل تنحية "جرهم" عن مكة، وانتزاع الحكم منهم ونقله إلى قومه من "خزاعة"، وذلك بمساعدة "بني اسماعيل" أسلاف "قريش" من "بني كنانة".

وهو أول رجل يصل الينا خبره من الرجال الذين كان لهم أثر في تكوين مكة وفي انشاء معبدها وتوسيع عبادته بين القبائل المجاورة لمكة. حتى صير لهذه المدينة شأن عند القبائل المجاورة. وذلك باتيانه بأصنام نحتت نحتاً جيداً باًيد فنية قديرة، على رأسها الصنم "هبل" ووضعها في البيت، فجلب بذلك أنظار أهل مكة وأنظار القبائل المجاورة نحوها، فصارت تقبل عليها، وبذلك كوّن للبيت شهرة بين الأعراب، فصاروا يقدمون عليه للتقرب إلى "هبل" والى بقية الأصنام التي جاء بها من الخارج فضعها حوله وفي جوفه.

ومن بطون خزاعة: "بنو سلول" و "بنو حُبْشية بن كعب"، و" بنو حليل" و "بنو ضاطر". وكان "حُلَيْل بن كعب" سادن الكعبة، فزوج ابنته "حبى" بقصي. و "بنو قمير" ومن " بني قمير" "الحجاج بن عامر بن أقوم" شريف، و "حلحة بن عمرو بن كليب": شريف ، و"قيس بن عمرو بن منقذ" الذي يقال له "ابن الحدادية" شاعر. جاهلي. و "المتحرش"، و وهو "أبو غُبشان" الذي يزعمون انه باع البت من "قصي". ومن خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العُزّى"، شريف، كتب إليه النبي يدعوا إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة.

" وكنانة" التي استعان بها "عمرو بن لحيّ" في تثبيت حكمه بمكة، هي من القبائل العدنانية في عرف أهل النساب، ومن مجموعة "مضر". ولما استبد "عمروا بن لحيّ" ومن جاء بعده بأمر مكة، وأخذوا بأيديهم أمر مكة، تركوا إلى "كنانة" أموراً تحص مناسك الحج وشعائره، وهي الإجازة بالناس يوم "عرفة" والإضافة والنسيّ. وهي أمور سأتحدث عنها في اثناء كلامي عن الحج.

ويذدر أهل الأخبار أن "الإسكندر" الأكبر دخل مكة، وذلك أنه بعد أن خرج من السودان قطع البحر فانتهى إلى السواحل "عدن"، فحرج إليه "تبع الأقرن" ملك اليمن، فأذعن له بالطاعة، وأقرّ بالإتاوة، وأدخله مدينة "صنعاء"، فأنزل له، وألطف له من الطاف اليمن، فأقام شهراً، ثم سار إلى "تهامة"، وسكان مكة يومئذ خزاعة، قد غلبوا عليها، فدخل عليه "النضر بن كنانة"، فعجب الإسكندر به وساعده، فأخرج "خزاعة" عن مكة، وأخلصها للنضر، ولبني أبيه، وحج الإسكندر، وفرّق في ولد معد بن عدنان صلات وجوائز، ثم قطع البحر يؤم الغرب.

وإذا كان أهل الأخبار قد أدخلوا "الإسكندر" مكة، وصيرّوه رجلاَ مؤمناً، حاجاً من حجاج البيت الحرام، فلا غرابة أذن إن جعلوا أسلاف الفرس فيمن قصد البيت وطاف به وعظمه وأهدى له. بعد أن صيروا "إبراهيم" جداً من أجدادهم وربطوا نسب الفرس بالعرب العدنانيين. فقالوا: وكان آخر من حج منهم "ساسان بن بابك"، وهو جدّ "أردشير". فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس. واستدلوا على ذلك بشعر، قالوا عنه: إنه من الشعر القديم. وبه افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام، وقالوا: وقد كان "ساسان بن بابك" هذا، أهدى غزالين من ذهب وجوهراً وسيوفاً وذهباً كثيراً، فقذفه، فدفن في زمزم. وقد أنكروا أن يكون بنو جرهم قد دفنوا ذلك المال في بئر زمزم، لأن جرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها.

ويزعم الأخباريون أن "حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري"، "أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، قأقبل حتى نزل بنخلة فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة. فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر ين مالك، فاقتلوا قتالاً شديداً، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة-فيمن قتل من الناس-ابن ابنة قيس بن غالب بن فهر، وكان حسان عندهم بمكة أسراً ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به، فمات بين مكة واليمن".

ويشر هذا الحادث إن صحّ وقوعه وصدق ما رواه أهل الأخبار عنه، إلى طمع الملك "حسان" والى خطة وضعها للاستيلاء عليها. وهو شيء مألوف، فقد كانت قبائل اليمن تتجه دوماً نحو الشمال، غير أن أهل مكة قاوموا الملك وتمكنوا من الصمود تجاهه، بل من التمكن من جيشه ومنا الحاق هزيمة به.

ويذكر أهل الأخبار حادثاً آخر مشابهاً لهذا الحادث، بل يظهر أنه الحادث نفسه وقد صيغ في صيغة أخرى، خلاصته أن "الملوك الأربعة" الذين لعنهم النبي، ولعن أختهم "أبضعة"، ولم يذكروا أسماءهم، لما هموا بنقل "الحجر الأسود" إلى صنعاء لقطعوا حج العرب عن البيت الحرام إلى صنعاء، وتوجهوا لذلك إلى مكة، فاجتمعت "كنانة" إلى "فهر بن مالك بن النضر"، فلقيهم، فقاتلهم، فقتل ابن لفهر، يسمى الحارثة، وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، وأسر الرابع، فلم يزل مأسوراً عند "فهر بن مالك" حتى مات.

وأما "أبضعة"، فهي التي يقال لها "العنققير"، ملكت بعد اخوتها على زعم أهل الأخبار.

ويشير الأخباريون إلى احترام التبابعة لمكة، فيذكرون مثلاً أن التبع "أسعد أبو كرب" الحميريّ وضع الكسوة على البيت الحرام، وصنع له باباً، ومنذ ذلك الحين جرت العادة بكسوة البيت، ويذكرون غير ذلك من أخبار تشير إلى اهتمام التبابعة بمكة. أما نحن، فلم يصل إلى علمنا شيء من هذا الذي يرويه الأخباريون، مدوّناً بالمسند، كما أننا لا نعلم أن أصنام أهل اليمن كانت في مكة حتى يتعبد لها التبابعة.ولسنا الآن في وضع نتمكن فيه من إثبات هذا القصص الذي يرويه الأخباريون، والذي قد يكون أُوجد، ليوحي أن ملوك اليمن كانوا يقدسون الكعبة، وأن الكعبة هي كعبة جميع العرب قبل الإسلام.

ولا نملك اليوم أثراً جاهلياً استنبط منه علماء الآثار شيئاً عن تأريخ مكة قبل الإسلام، ولذلك فكل ما ذكروه عنها هو من أخبار أهل الأخبار، وأخبارهم عنها متناقضة متضاربة، لعبت العواطف دوراً بارزاً في ظهورها. ولا يمكن لأحد أن يكتب في هذا اليوم شيئاً موثوقاً معقولاّ ومقبولاً عن تأريخ هذه المدينة المقدسة، في أيام الجاهلية القديمة، لأنه لا يملك نصوصاً أثرية تعينه في التحدث عن ماضيها القديم. وأملنا الوحيد هو في المستقبل، فلعل، المستقبل يكون خيراً من الحاضر والماضي، فيجود على الباحثين بآثار تمكنهم من تدوين تأريخ تلك المدينة، تدوينا علمياً يفرح نفوس الملايين من الناس الذين يحجون إليها من مختلف أنحاء العالم، ولكنهم لا يعرفون عن تأريخها القديم، غير هذا المدوّن عنها في كتب أهل الأخبار.

وإذا كنا في جهل من أمر تأريخ مكة قبل أيام "قصيّ" وقبل تمركز قريش في مكة، فإن جهلنا هذا لا يجوّز لنا القول بأن تأريخها لم يبدأ إلا بظهور قريش فيها وبتزعم قصيّ لها. وان ما يروى من تأريخها عن قبل هذه المدة هو قصص لا يعبأ به. لأن ما يورده أهل الأخبار من روايات تفيد عثور أهل مكة قبل أيام الرسول على قبور قديمة وعلى حليّ وكنوز مطمورة وكتابات غريبة عليهم، يدل كل ذلك على إن المدينة كانت مأهولة قبل أيام قصي بزمن طويل، وان مكة كانت موجودة قبل هذا التأريخ. وان تأريخها لذلك لم يبدأ بابتداء ظهور أمر قصيّ ونزول قريش مكة في عهده.

وتأريخ مكة حتى في أيام قصيّ وما بعدها إلى ظهور الإسلام لا يخلو مع ذلك من غموض ومن لبس وتناقض. شأنه في ذلك شأن أي تأريخ اعتمد على الروايات الشفوية، واستمد مادته من أقوال الناس ومن ذكرياتهم عن الماضي البعيد. لذلك تجد الرواة يناقضون أنفسهم تناقضاً بيناً في أمر واحد، ما كان في الإمكان الاختلاف فيه لو كانوا قد أخذوه من منبع قديم مكتوب. وسنرى في مواضع من هذا الكتاب وفي الأجزاء التي قد تتلوه عن تأريخ العرب في الإسلام نماذج وأمثلة تشير إلى تباين روايات أهل الأخبار في أخبارهم عن مكة في تلك الأيام.

قريش

و "قصيّ" من "قريش". و "قريش" كلها من نسل رجل اسمه "فهر بن مالك بن النضرين كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان". فهي من القبائل العدنانية. أي من مجموعة العرب المستعربة في اصطلاح علماء النسب. ومن "فهر" فما بعده عرف اسم "قريش" في رأي أهل الأخبار.

أما ما قبل "فهر" من آباء فلم يعرفوا بقريش. فقريش إذن هم "فهر" وأبناؤه، من سكان مكة أو من سكان ظواهرها، أي كل من انحدر من صلبه من أبناء. وما كان فوق "فهر" فليس يقال له "قرشي"، وإنما يقال له كناني.

ومعارفنا عن "قريش" لا بأس بها بالنسبة إلى معارفنا عن خزاعة وعن من تقدم عليها من قبائل ذكر أهل الأخبار أنها سكنت هذه المدينة. وتبدأ هذه المعرفة بها، ابتداء من "قُصَيّ" زعيم قريش ومجمعها، والذي أخذ أمر مكة فوضعه في يديه، ثم في أيدي أولاده من بعده، فصارت "قريش" بذلك صاحبة مكة.

وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل. وتمكن رجالها بفضل ذكائهم وحذقهم بأسلوب العامل من الاتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد: الفرس والروم والحبشة، وبحكومة الحيرة والغساسنة، وبسادات القباثل، ومن تكوين علاقات طيبة معها، مع تنافر هذه الدول وتباغضها. كما يمكنوا من عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت لهم السير طوال أيام السنة بهدوء وطمأنينة في كل أنحاء جزيرة العرب. والطمأنينة، أهم أمنية من أماني التاجر. وبذلك أمنوا على تجارتهم، ونشروا تجارتهم في كل أنحاء جزيرة العرب. حتى عرفوا ب "قريش التجار". جاء على لسان كاهنة من كهان اليمن قولها: "لله دَر الديار، لقريش التجار".

وليس لنا علم بتأريخ بدء اشتغال قريش بالتجارة واشتهارها بها. وروايات أهل الأخبار، متضاربة في ذلك، فبينما هي ترجع ظهور "قريش" بمكة إلى أيام قصي، ومعنى ذلك أن تجارة قريش إنما بدأت منذ ذلك الحين، نراها ترجع تجارتها إلى أيام النبي "هود"، وتزعم أنه لما كان زمن "عمرو ذي الأذعار الحميري"، كشفت الريح عن قبر هذا النبي، فوجدوا صخرة على قبره كتب عليها بالمسند: "لمن ملك ذمار? لحمير الأخيار. لمن ملك ذمار? للحبشة الأشرار. لمن ملك ذمار? لفارس الأحرار. لمن ملك ذمار? لقريش التجار". والرواية أسطورة موضوعة، ولكنها تشر إلى أن اشتغال قريش بالتجارة يرجع إلى عهد قديم، عجز أصحاب هذه الرواية عن أدراك وقته، فوضعوه في أيام هود.

ثم نرى روايات أخرى ترجع بدء اشتهار قريش التجارة إلى أيام "هاشم"، وهي تزعم إن تجارة قريش كانت منحصرة في مكة، يتاجر أهلها بعضهم مع بعض، فتقدم العجم عليهم بالسلع، فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها لمن حولهم من العرب، وكانوا كذلك حتى ركب "هاشم بن عبد مناف" فنزل بقيصر، وتعاقد معه على إن يسمح له ولتجار قريش بالاتجار مع بلاد الشام، فوافق كل ذلك، وأعطاه كتاباً بذلك. فلما عاد، جعل كلما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشام، اخذ من أشرافهم إيلاشاً، اي عقد أمان، فضمن بذلك لقومه حرية الاتجار بأمن وسلام. واشتهرت قريش بالتجارة منذ ذلك العهد.

وقد علّمت الأسفار سادة قريش أموراً كثيرة من أمور الحضارة والثقافة. فقد أرتهم بلاداً غريبة ذات تقدم وحضارة، وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام، فتعلموا من "الحيرة" أصول كتابتهم، وهذّبوا لسانهم، ودوّنوا به أمورهم. وذكر انهم كانوا من افصح العرب لساناً، وقد شهد العرب لهم بفصاحة اللسان، حتى إن الشعراء كانوا يعرضون عليهم شعرهم، وذكر إن الشاعر "علقمة الفحل" عرض عليهم شعره، فوصفوه ب "سمط الدهر".

وقد علّمت الطبيعة أهل مكة انهم لا يتمكنون من كسب المال ومن تأمين رزقهم في هذا الوادي الجاف، إلا إذا عاشوا هادئين مسالمين، يدفعون الإساءة بالحسنة، والشر بالصبر والحلم، والكلام السيء البذيء بالكلام الحسن المقنع المخجل. فتغلب حلمهم على جهل الجاهلية، وجاءت نجدتهم في نصرة الغريب والذب عن المظلوم والدفاع عن حق المستجير بهم، بأحسن النتائج لهم، فصار التاجر والبائع والمشتري يفد على سوق مكة، يبيع ويشتري بكل حرية، لأنه في بلد آمن، أخذ سادته على أنفسهم عهداً بالا يتعدى أحد منهم على غريب، لأن الإضرار به، يبعد الغرباء عنهم، وإذا ابتعد الغرباء عن مكة، خسروا جميعاً مورداً من موارد رزقهم: يعيش عليه كل واحد منهم بلا استثناء. لذلك كان الغريب إذاُ ظلِمْ، نادى يا آل قريش، أو يا آل مكة أو يا آل فلان. ثم يذكر ظلامته، فيقوم سادة مكة أو من نودي باسمه بأخذ حقه من الظالم له.

وقد اصطلحت قريش على أن تأخذ ممن ينزل عليها في الجاهلية حقاً. دعته: "حقّ قريش" وفي جملة ما كانوا يأخذونه من الغريب القادم اليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ويأتي أهل الأخبار بمثل على ذلك، هو مثل: "ظويلم ويلقب مانع الحريم، وإنما سُمتي بذلك لأنه خرج في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد اللّه المخزومي، فأراد المغيرة إن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، وذلك سُميّ: الحريم. وكانوا يأخذون بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، فامتنع عليه ظويلم". وظويلم منع عمرو بن صرمة الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان.

وقد جعلت طبيعة هذا الوادي أهل مكة يميلون إلى السلم، ولا يركنون إلى، الحرب والغزو إلا دفاعاً عن نفس. وهو شيء منطقي محترم، فأهل مكة في وادٍ ضيق بين جبلين متقابلين، وفي استطاعة الأعداء إنزال ضربات موجعة بهم منً المرتفعات المسيطرة عليه، وبسد منفذيه، يحصر أهله فتنقطع عنهم كل وسائل المعيشة من ماء وطعام. لذلك لم يجدوا أمامهم من سيبل سوى التجمل بالحلم والصبر واتباع خطة الدفاع عن النفس، بالاعتماد على أنفسهم وعلى غيرهم من أحلافهم كالأحابيش حلفائهم وقريش الظواهر. وقد أدت هذه الخطة إلى اتهام قريش إنها لا تحسن القتال، وانها إن حاربت خسرت، وانها كانت تخسر في الحروب - فخسرت ثلاثة حروب من حروب الفجار الأربعة، إلى غير ذلك من تهم. ولكن ذلك لا يعني إن في طبع رجال قريش جبناً، وان من سجية قريش الخوف. وإنما هو حاصل طبيعة مكان، واملاء ضرورات الحياة، لتأمين الرزق. ولو إن أهل مكة عاشوا فيَ موضع آخر، لما صاروا أقل شجاعة وأقل اقبالاً في الاندفاع نحو الحرب والغزو من القبائل الأخرى.

وقد تمكنت مكة في نهاية القرن السادس وبفضل نشاط قريش المذكور من القيام بأعمال هامة، صيّرتها من أهم المراكز المرموقة في العربية الغربية في التجارة وفي اقراض المال للمحتاج إليه. كما تمكنت من تنظيم أمورها الداخلية ومن تحسين شؤون المدينة، واتخاذ بيوت مناسبة لائقة لان تكون بيوت أغنياء زاروا العالم الخارجي ورأوا ما في بيوت أغنياثه من ترف وبذخ وخدم واسراف.

وقد ذكو "الثعالبي" إن قريشاً صاروا "أدهى العرب، وأعقل البرية، وأحسن الناس بياناً" لاختلاطهم بغيرهم ولاتصالهم بكثير من القبائل فأخذوا عن كل قوم شيئاً، ثم انهم كانوا تجاراً "والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق والتدقيق"، وكانوا متشددين في دينهم حمساً، "فتركوا الغزو كراهة السبي واستحلال الأموال" إلى في ذلك من أمور جلبت لهم الشهرة والمكانة. وقد أشيد ايضاً بصحة اجسامهم وبجمالهم حتى ضرب المثل بجمالهم فقبل: "جمل قريش".

وقصيّ رئيسى قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام، كانت أمور مكة في يد قريش، ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة، حتى عرف سكانها ب "آل قصي"، فكان أحدهم اذا استغاث أو استنجد باحد، صاح: "يا لقَصي،"، كناية عن انهم "آل قصيّ". جامع قريش.

وهو أول رئيس من رؤساء مكة. يمكن إن نقول إن حديثنا عنه، هو حديث عن شخص عاش حقاً وعمل عملاّ في هذه المدينة التي صارت قبلة الملايين من البشر فيما بعد. فهو إذن من الممهدين العاملين المكونين لهذه القبلة، وهو أول رجل نتكلم عن بعض أعماله ونحن واثقون مما نكتبه عنه ونقوله. وهو أول شخص نقض البيوت المتنقلة التي لم تكن تقي أصحابها شيئاً من برد ولا حرّ، والتي كانت على أطراف الوادي وبين أشجار الحرم، وكأنها تريد حراسة البيت، وحوّلها من خيام مهلهلة إلى بيوت مستقرة ثابتة ذات أعمدة من خشب شجرة الحرم، وذات سقوف.

ولم نعثر حتى الآن على اسم قريش أهل مكة في نص جاهلي. كذلك لم نعثر عليه أو على اسم مقارب له في كتب اليونان أو اللاتين أو قدماء السريان ممن عاشوا- قبل الإسلام. فليس في امكاننا ذكر زمن جاهلي نقول أننا عثرنا فيه على اسم قريش، وانها كانت معروفة يومئذ فيه.

وقد وردت لفظة "قريش" اسماً لرجل عرف ب "حَبْسل قريش". وذلك في نص حضرميّ من أيام الملك "العز" ملك حضرموت.

هذا، وان لأهل الأخبار كلاماً في سبب تسمية قريش بقريش، "فقيل: ُسمّيت بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة، لأن عير بتي النضر كانت اذا قدمت، قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدراً، احتفر بدراً، قالوا فيه سميت البئر التي تدعى بدراً، بدراً. وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا بأم ولا حاضن ولا حاضنة، وقال آخرون: إنما سُمي بنو النضر من كنانة قريشاً، لأن النضر بن كنانة خرج يوماً على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.

وقيل: إنما سميت بدابّة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها، لأنها أعظم دواب البحر قوة.

وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس، فيسدها بماله، والتقريش-فيم زعموا-التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدّونها بما يبلغهم. "وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا. وقيل: بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصماّ بن كلاب، فقيل لهم: قريش، من أجل إن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش بنو النضر، أي قد تجمعوا. وقيل: إنما قيل قريش من أجل إنها تقرشت عن الغارات".

وذكر إن قريشاً كانت تدعى "النضر بن كنانة"، وكانوا متفرقين في "بني كنانة"، فجمعهم "قصيّ بن كلاب"، فسموا قريشاً، التقرش التجمع. وسُمتى قصي مجمِّعاً. فال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي: قُصيٌ أبوكم كان يدعى مجمعاً  به جمع الله القبائل من فهر

وذكر إن قريشاً إنما قيل لهم "قريش" لتجمّعهم في الحرم من حوالي الكعبة بعد تفرقهم في البلاد حين غلب عليها "قصي بن كلاب". يقال تقرش القوم إذا اجتمعوا. قالوا وبه سميّ قصي مجمعاً. أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوماً، فقالوا تقرش، فغلب عليه اللقب، أو لأنه جاء إلى قومه يوماً، فقالوا كأنه جمل قريش أي شديد، فلقُب به، أو لأن قصياً كان يقال له القرشي، وهو الذي سمّاهم بهذا الاسم، أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدّون خلتها، فمن كان محتاجاً أغنوه ومن كان عارياً كسوه ومن كان معدماً كسوه ومن كان طريداً آووه، أو سمّوا بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، فلقبوه به. أو نسبة إلى "قريش بن الحرث بن يخلد بن النضر"، والد "بدر"، وكان دليلا لبني "فهر بن مالك" في الجاهلية، فكانت عيرهم إذا وردت "بدراً"، يقال: قد جاءت عير قريش، يضيفونها إلى الرجل حتى مات. أو لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع. أو إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النضر. وكان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال: قدمت عير قريش. فسميت قريش بذلك. وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع المعروف.

ونعتت قريش ب "آل الله" و "جيران الله" و "سكان حرم الله". وب "أهل الله".

إلى غير ذلك من آراء حصرها بعضهم في عشرين قولاً في تفسير معنى لفظة "قريش" ومن أين جاء أصلها. تجدها في بطون الكتب التي أشرت إليها في الحواشي. وفي موارد أخرن. وهي كلها تدل على إن أهل الأخبار كانوا حيارى في أمر هذه التسمية، ولما كان من شأنهم ايجاد أصل وفصل ونسب وسبب لكل اسم وتسمية، كما فعلوا مع التسميات القديمة، ومنها تسميات قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد، أوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات والتفسيرات لمعنى "قريش". وقد تجد هذه التعليلات تروى وتنسب إلى شخص واحد كابن الكلبي مثلاً، وهو ينسب روايتها عادة إلى رواة تقسموا عليه أو عاصروه، وقد لا يرجعها إلى أحد، وربما كانت من وضعه وصنعته أو من اجتهاده الخاص في ايجاد علل للمسميات.

فهذا هو مجمل آراء أهل الأخبار في معنى اسم قريش.

أما رأيهم في أول زمن ظهرت فيه التسمية، فقد اختلف في ذلك وتباين أيضاً. فذكر قوم "إن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشاً? قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت إن قصياً كان يقال له القرشي، ولم تسمّ قريش قبله". وورد: "لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه، فعل أفعالاً جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سُميّ به". ورود أيضاً إن "النضر بن كنانة كان يسمى القرشيّ".

وقد نسب إلى عليّ وابن عباس قولهما إن قريشاً حي من النبط من أهل كوثىْ. وإذا صح إن هذا القول هو مهما حقاً، فإن ذلك يدل على انهما قصدا بالنبط "نبايوت": وهو "ابن اسماعيل" في التوراة. واما "كوثى" فقصدا بذلك موطن ابراهيم، وهو من أهل العراق على رواية التواراة أيضاً. ولعلهما أخذا هذا الرأي من أهل الكتاب في يثرب.

ويذكر أن جذْم قريش كلها "فهر بن مالك" فما دونه قريش وما فوقه عرب، مثل كناَنة وأسد وغرهما من قبائل مضر. وأما قبائل قريش، فانما تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه. ومن جاوز "فهراً"، فليس من قريش. ومعنى هذا إن جذم قريش من أيام "فهر بن مالك" فما فوقه، كانت متبدية تعيش عيشة أعرابية، فلما كانت أيام "فهر" أخذت تميل إلى الاستقرار والاستيطان، ولما استقرت وأقامت في مواضعها عرفت ب "قريش".

وذكر إن قريشاً قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، فكل من كان من ولد "النضر"، فهو "قرشي" دون ولد كنانة ومن فوقه. وورد كل من لم يلده "فهر" فليس بقرشي. وهو المرجوع إليه.

وقد صيرت رابطة النسب هذه قريشاً قبيلة تامة تقيم مجتمعة في أرض محدودة، وبصورة مستقرة في بيوت ثابتة فيها بيوت من حجر، بين أفرادها وأسرها وبطونها عصبية، وبينهم تعاون وتضامن. كما جعلت أهل مكة في تعاون وثيق فيما بينهم في التجارة، حتى كادوا يكونون وكأنهم شركاء مساهمون في شركة تجارية عامة. يساهم فيها كل من يجد عنده شيئاً من مال، وإن حصل عليه عن طريق الاقتراض والربا، ليكون له نصيب من الأرباح التي تأتي بها شركات مكة.

ويقسم أهل الأخبار قريشاً إلى: قريش البطاح، وقريش الظواهر. ويذكرون إن قريش البطاح بيوت، منهم: بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار، وبنو عبد العزى، وبنو عبد بن قصيّ بن كلاب، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم، وبنو جمح ابنا عمرو ابن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب، وبنو حسل بن عامر بن لؤي، وبنو هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وبنو هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر. وبنو عتيك بن عامر بن لؤي.و "قصي" هو الذي أدخل البطون المذكورة الأبطح، فسُموّا البطاح. ودخل "بنو حسل ابن عامر" مكة بعد، فصاروا مع قريش البطاح، فاًما من دخل في العر من قريش فليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء.

ويذكر أهل الأخبار إن "قريش البطاح"، الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها.أو هم الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة. وأخشبا مكة جبلاها: أبو قبيس والذي يقابله. ويقال لهم قريش الأباطح وقريش البطاح، لأنهم صبابة قريش وصميمها الذين اختطوا بطحاء مكة ونزلوها. وهم أشرف وأكرم من قريش الظواهر. ذكروا إن سادة قريش نزول ببطن مكة، ومن كان دونهم، فهم نزول بظواهر جبالها، أي قريش الظواهر.

اما قريش الظواهر: فهم: بنو معيص بن عامر بن لؤي، وتيم الأدرم بن غالب بن فهر، والحارث ابنا فهر، إلا بني هلال بن أهيب بن ضبة، وبني هلال بن مالك بن ضبة. وعامة بني عامر بن لؤي، وغيره. عرفوا جميعاً بقريش الظواهر، لأنهم لم يهبطوا مع قصيّ الأبطح. الا إن رهط "أبي عبيدة ابن الجراح"، وهم من "بني الحارث بن فهر"، نزلوا الأبطح فهم مع المطيبّين أهل البطاح. وورد إن "بني الأدرم من أعراب قريش ليس بمكة منهم أحد".

ويبدو من وصف أهل الأخبار لقريش البطاح، أنهم إنما سُموا بالبطاح لأنهم دخلوا مع قصي البطاح، فأقاموا هناك. فهم مستقرون خضر، وقد أقاموا في ييوت مهما كانت فإنها مستقرة، وقد انصرفوا إلى التجارة وخدمة البيت. فصاروا أصحاب مال وغنى، وملكوا الأملاك في خارج مكة، ولا سيما الطائف، كما ملكوا الإبل، وقد تركوا رعيها للاعراب. وعرفوا أيضا بقريش الضبّ للزومهم الحرم.

واما قريش الظواهر، فهم الساكنون خارج مكة في أطرافها، وكانوا على ما يبدو من وصف أهل الأخبار لهم أعراباً، أي انهم لم يبلغوا مبلغ قريش البطاح في الاستقرار وفي اتخاذ بيوت من مدر. وكانوا يفخرون على قريش، مكة بأنهم أصحاب قتال، وانهم يقاتلون عنهم وعن البيت. ولكنهم كانوا دون "قريش البطاح" في التحضر وفي الغنى والسيادة والجاه، لأنهم أعراب فقراء، لم يكن لهم عمل يعتاشون منه غير الرعي. وكانوا دونهم في مستوى المعيشة بكثير وفي الوجاهة بين القبائل. ومع اشتراكهم وقريش البطاح في النسب، ودفاعهم عنهم أيام الشدة والخطر، إلا انهم كانوا يحقدون على ذوي أرحامهم على ما أوتوا من غنى ومال وما نالوه من منزلة، ويحسدونهم على ما حصلوا عليه من مكانة دون إن يعملوا على رفع مستواهم،. وترقية حألهم، والاقتداء بذوي رحمهم أهل الوادي في اتخاذ الوسائل التي ضمنت لهم التفوق عليهم وفي جلب الغنى والمال لهم. كان شأنهم في ذلك شأن الحساد الذين يعيشون على حسدهم، ولا يبحثون عن وسائل ترفعهم إلى مصافّ من يحسدونه. ولعل نظرتهم الجاهلة إلى أنفسهم من انهم أعلى وأحل شأناً ممن يحسدونهم، وإن كانوا دونهم في نظر الناس في المنزلة والمكانة، حالت دون تحسين حاسم والتفوق على المحسود بالجد والعمل، لا بالاكتفاء بالحسد وبالتشدق بالقول والمباهاة.

ويذكر أهل الأخبار إن قسماً ثالثاً من قريش، لم ينزل - بمكة ولا بأطرافها، وانما هبط أماكن أخرى، فاستقر بها، وتحالف مع القبائل التي نزل بينها. من هؤلاء: سامة بن لؤي، وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان. والحارث ابن لؤي وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان. والحارث بن لؤي، وقع إلى اليمامة، فهم في بني هزان من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. والحارث، هو جُشَمْ. وخزيمة بن لؤي، وقعوا بالجزيرة إلى بني الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وسعد بن لؤي، وبنو عوف بن لؤي، وقعوا إلى غطفان ولحقوا بهم، ويقال لبني سعد بن لؤي بنانة، وبنانة أمهم، فأهل البادية منهم. وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش. ويقال لبني خريمة بن لؤي: عائذة قريش. وكان عمان بن عفان ألحق هذه القبائل، حين استخلف بقريش.

ويلاحظ إن هذا الصنف من أصناف قريش، هو من نسل "لؤي"، أي: من نسل "لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر".وقد تباعدت مواطنهم عن قريش.

ومن قريش الظواهر: بنو الأدرم من نسل الأدرم، وهو تيم بن غالب، ومن رجالهم: عوف بن دهر بن تيم الشاعر، وهو أحد شعراء قريش. وهلال ابن عبد الله بن عبد مناف، وهو صاحب القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي، وهو ابن الخطل الذي كان يؤذي التي وارتد فأهدر النبي دمه يوم الفتح، قتله أبو برزة الأسلمي وهو متعلق بأستار الكعبة، أو سعد بن حريث المخزومي على رواية قريش. ومن قريش الظواهر أيضاً: بنو محارب، والحارث بن فهر وبنو هصيص بن عامر بن لؤي.

ولم يكن أهل مكة كلهم من قريش، بل سأكنيهم أيضاً من كان بها قبلهم، مثل خزاعة وبنو كنانة. وقريش وإن كانت من "كنانة"، إلا إنها ميزت نفسها عنا، وفرقت بينها وبين كنانة. ولكنانة أخوة منهم: أسد وأسده، ووالدهم هو "خزيمة" وهو جدّ من أجداد قريش، كما إن "كنانة" هو جد من أجدادهم. وللاخباريين رأي في معنى كنانة.

وقد عرفت قريش بين أهل الحجاز بسخينة. والسخينة طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق. وقيل دقيق وتمر-وهو دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء. وانما لقبت قريش بسخينة لاتخاذها اياه، أي لأفهم كانوا يكثرون من أكلها ولذا كانت تعيَّر به.

الأحابيش

ومن أهل مكة جماعة عرفت ب "الأحابيش". ذكر أهل الأخبار انهم حلفاء قريش، وهم: بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو، وبنو الهون ابن خزيمة. اجتمعوا بذنب حبشي-وهو جبل بأسفل مكة-فتحالفوا بالله إنا ليَدٌ على غيرنا ما سجا ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه. وقيل: إنما سُمّوا بذلك لاجتماعهم. والتحابش: هو التجمع في كلام العرب. وذكر انهم اجتمعوا عند "حبشي" فحالفوا قريشاً. وقيل: أحياء من القارة انضموا إلى "بني ليث" في الحرب التي نشبت بينهم وبين قريش قبل الإسلام، فقال إبليس لقريش: إني جارٌ لكم من بني ليث فواقعوا دماً، ُسمّوا بذلك لاسودادهم، قال:   

ليث ودِيل وكعب والـذي ظـأرت  جمع الأحابيش، لما احمرت الحدقُ 

فلما سميت تلك الأحياء "الأحابيش" من فبل تجمعها، صار التحبيش في الكلام كالتجميع.

وورد إن "عبد مناف" و "عمرو بن هلال بن معيط الكناني"، عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش، بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وكانوا مع قريش. وقيل أيضاً إن الأحابيش، هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل، والديش من بني الهون بن خزيمة، والمصطلق، والحيا من خزاعة.

- وقد وصف "اليعقوبي" "حلف الأحابيش" بقوله: "ولما كبر عبد مناف ابن قصي جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، يسألونه الحلف ليعزوا به. فعقد بينهم الحلف الذي يقال له: حلف الأحابيش. وكان ُمدبرّ بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الخلف عمرو بن هلل "هلال" بن معيص ابن عامر. وكان تحالف الأحابيش على الركن. يقوم رجل من قريش والآخر من الأحابيش فيضعان ايديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل وحرمة هذا البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على ا الخلق جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن. عليها وعلى التعاقد وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعاً، مابل بحرٌ صوفة، وما قام حر أو ثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة. فسمي حلف الأحابيش".

، وقدُ ذكر أن "المطلب بن عبد فناف بن قصي"، قاد بني عبد مناف وأحلافها من الأحابيش، وهم من ذكرتُ يوم ذات نكيف، لحرب بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. كما ورد إن "الأحابيش"، الذين ذكرت اسماءهم، كانوا يحضرون مع من يحضر من طوائف العرب مثل قريش وهوازن، وغطفان، وأسلم، و "طوائف من العرب" سوق عكاظ، فيبيعون ويشترون. كما ذكر انهم كانوا مثل قريش يقدسون اسافاً ونائلة.

وورد في بعض اخبار الأخباريين، إن يوم "ذات نكيف."، وقع بين قريش وبني كنانة. فهزمت قريش بني كنانة، وعلى قريش عبد المطلب. وقد بقي "الأحابيش" بمكة، إلى أيام الأمويين. فذكر إن "عبد الله المتكبر"، وكان من اشراف قريش في أيام "معاوية" ومن اغناها مالاً، لما وفد على "معاوية" وكان خليفة إذْ ذاك، كَلَّمه في "قريش" ووجوب الاعتماد عليهم ثم في "الأحابيش"، إذ. قال له عنهم: "وحلفاؤك من الأحابيش" قد عرفت نصرهم ومؤازرتهم، فاخلطهم نفسك وقومك".

وقد بحث "لامانس" في موضوع الأحابيش، فرأى انهم.قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المستوردين من افريقية ومن عرب مرتزقة، كونتها مكة للدفاع عنا. وقد بحث مستشرقون آخرون في هذا الموضوع، فمنم من ايده، ومنهم من توسط في رأيه، ومنهم من ايد الرواية العربية المتقدمة التي ذكرتها. وعندي رأي آخر، قد يفسر لنا سبب تسمية "بني الحارث بن عبد مناة" من "كنانة" ومن ايدها من "بني المصطلق" و "بني الهون" بالأحابيش. هو إن من الممكن إن تكون هذه التسمية قد وردت اليهم من اجل خضوعهم لحكم الحبش، وذلك قيل الإسلام بزمن طويل. فقد سبق إن ذكرت في الجزء الثالث من كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام"، وفي اثناء كلامي على "جغرافيا بطلميوس"، إن الساحل الذي ذكره "بطلميوس" باسم: "Cinaedocolpitae" إنما هو ساحل "تهامة" وهو منازل "كنانة". وقد بقي الحبش به وقتاً طويلاَ. واختلطوا بسكانه. فيجوز إن تكون لفضة "الأحابيش" قد لحقت بعض "كنانة"   

من خضوعهم للحبش، حتى صارت اللفظة لقباً لهم، أو علماً لكنانة ومن حالفها. ويجوز إن تكون قد لحقتهم ولحقت الآخرين معهم لتميزهم عن بقية "كنانة" ومن انضم إليهم ممن سكن خارج تهامة. أو لتزوج قسم منهم من نساء حبشيات، حتى ظهرت السمرة على سحنهم. ولهذا وصفوا بالأحابيش فليس من اللازم أذن إن يكون "الأحابيش"، هم كلهم من حبش افريقية، بل كانوا عرباً وقوماً من العبيد والمرتزقة ممن امتلكهم أهل مكة. ومما يؤيد رأيي هذا هو وود "من بني كنانة" مع أهل تهامة في اخبار معارك قريش مع الرسول. ففي معركة "أحد"، نجد "الطبري" يقول: "فاجتمعت قريش لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن اطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة". ونجد مثل ذلك في اخبار معارك أخرى. مما يشير إلى إن الأحابيش، ليسوا عبيد إفريقية حسب، بل هم عرب وحبش ومرتزقة. وأن اولئك الأحابيش هم من ساحل تهامة في الغالب من كنانة، أي ممن أقام بذلك الساحل المستقر به من الحبش واندمج في العرب، فصار من المستعربة الذين نسوا اصولهم وضاعت انسابهم، واتخذوا لهم نسباً عربياً، .وقد كان للأحابيش سادة يديرون امورهم، منهم "ابن الدغنة" وهو "ربيعة بن رفيع بن حياّن بن ثعلبة السلمي" الذي اجار "ابا بكر". وشهد معركة حنين.

ومن سادات الأحابيش "الحليس بن يزيد". ويظهر انه كان يتمتع بمنزلة محترمة بمكة. وقد ذكر "محمد بن حبيب" "الحليس" على هذه الصورة: "الحليس بن يزيد". وذكر انه من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة". وكان من رؤساء حرب الفجار من قريش. وذكره. غيره على هذه الصورة: "وحليس بن علقمة الحارثي. سيد الأحابيش ورئسهم يوم أحد. وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة".

وقد حارب الأحابيش مع قريش يوم أحد، وقد رأسهم "أبو عامر" المعروف ب "الراهب" وقاتل بهم، مع إن رئيسهم وسيدهم اذ ذاك هو "الحليس بن زبان" أخو "بني الحارث بن عبد مناة". وهو يومئذ "سيد الأحابيش". وقد مرّب "أبي سفيان"، وهو يضرب في شدق "حمزة" بزج الرمح، فلامه،على فعله وأنبه. ولعلَّ هذا الحليس هو الحليس المتقدم، كتب اسم والده بصور. مختلفة بحذف اسم والده وإضافة جده أو غيره إليه، فصار وكأنه انسان آخر.

وقد ورد ذكر "الحليس" في خبر "الحديبية". فقد ذكر الطبري إن قريشاً اوفدت "الحليس بن علقمة" أو "ابن زبان"، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد "بلحارث بن عبد مناة بن كنانة"، إلى رسول الله، فلما رآه الرسول، قال: إن هذا من قوم يتألهون، فلما رأى الحليس هدْيَ المسلمين في قلائده، وأحس إن الرسول إنما جاء معتمراً لا يريد سوءاً لقريش، قصّ عليهم ما رأى، فقالوا له: اجلسى، فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك. فغضب "الحليس" عند ذلك، وقال. يا معشر قريشى، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، إن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظماً له، والذي نفس الحليس بيده لتخلُّن بين محمد وبن ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نوصي به.

وقد ساهم "الأحابيش" في الدفاع عن مكة عام الفتح. وكانوا قد تجمعوا مع "بني بكر" و "بني الحارث بن عبد مناة" ومن كان من الأحابيش، اسفل مكة، كما أمرتهم قريش بذلك. فأمر رسول الله خالد بن الوليد إن يسير عليهم، فقاتلهم حتى هزموا. ولم يكن بمكة قتال غير ذلك.، ولم يذكر "الطبري" اسم سيد الأحابيش في هذا اليوم.

ويتبين من دراسة اخبار أهل الأخبار عن الأحابيش، ومن نقدها وغربلتها،   

إن الأحابيش، كانوا جماعة قائمة بذاتها، مستقلة في ادارة شؤونها، يدير امورها رؤساء منهم، بعرف أحدهم ب "سيد الأحابيش". وقد ذكرت أسماء بعض منهم قبل قليل. وقد عاشوا عيشة اعرابية، خارج مكة على ما يظهر من الروايات. وذلك بدليل قول قريش للحليس: "اجلس، فإنما أنت رجل اعرابي، لا علم لك" أي انهم كانوا اعراباً ويعيشون عيشة اعرابية. ويظهر من هذه الأخبار أيضاً إن "الحليس" "سيد الأحابيش"، كان من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"، وأن "ابن الدغنة"، كان من "بني سليم". ولم ينص أهل الأخبار فيما اذا كانا عربيين صريحين ام انهما كانا من "بني الحارث" ومن "بني سليم" بالولاء، فنسبهما إلى القبيلتين، هو نسب ولاء. ويظهر من خبر "الحديبية"، ومن قول النبي لما رأى "الحليس". قادماً إليه: "إن هذا من قوم يتألهون"، إن الأحابيش لم يكونوا على دين مكة أي من عباد الاصنام بل كانوا مؤلهة، يدينون بوجود إلَه. وقد يشير الرسول بذلك إلى انهم كانوا نصارى، اخذوا نصرانيتهم من الحبش. ولذلك كانوا من المؤلهة بالنسبة لقريش. وأنا لا استبعد أيضاً إن تكون تلك التسمية قد غلبت على هؤلاء لأنهم كانوا من الساحل الافريقي المقاتل لجزيرة العرب. جاؤوا إليها بالفتوح وبالنخاسة، وأقاموا في تهامة إلى مكة، وعاشوا عيشة اعرابية متبدية، وتحالفوا مع القبائل العربية المذكورة، وتخلقوا بأخلاق عربية حتى صاروا اعراباً في كل شيء. وقد لازمتهم التسمية التي تشير إلى اصلهم، وانما تحالفوا مع "بني الحارث" وبقية المذكورين، عرف حلفهم ب "حلف الأحابيش"، ثم عرف المتحالفون ب "الأحابيش". وقد نسي الأصل وهو الأحابيش، أي اسم الحبش الذين تحالفوا مع "بني الحارث" و "عضل" و "الديش" و "المصطلق" و "الحيا". لسبب لا نعرفه، قد يكون بسبب كونهم عبيداً سوداً، وأطلق الحلف على المذكورين. غير إن روايات أهل الأخبار تشير إلى كثير من الأحابيش في مثل قولها: "وخرجت قريش بأحابيشها" إلى إن الأحابيش المذكوريين كانوا في حكم قريش، أي جماعة من الحبش من أهل افريقية، كانت كما ذكرت. تكوّن وحدة قائمة بذاتها، ولكنها تدين بولائها لقريش، ولها حلف مع بعض كنانة ومع قبائل اخرى. ولما كان عام الفتح امرتها قريش بالتعاون مع "بني بكر" و "بني الحارث نن عبد مناة"، للدفاع عن مكة من جهة الجنوب. فامتثلت لأمر قريش، وأخذت مواضعها هنالك، حتى زلزلها "خالد بن الوليد".

وقد منح "لامانس" الأحابيش درجة مهمة في الدفاع عن قريش. حتى زعم إن قريشاً ركنت اليهم في دفاعهم عن مكة، وعهدت اليهم دوراً خطيرا ًفي حروبها مع الرسول. وقد استند فى رأيه هذا إلى ما رواه أهل الأخبار من اشتراكهم مع قريش في تلك لحروب. غيرْ اننا نجد من دراسة أخبار الحروب المذكورة، إن الأحابيش وان ساهموا فيها، الا انهم لم يلعبوا دوراً خطيراً فيها. وانهم لم يكنوا في تلك الحروب سوى فرقة من الفرق التي ساعدت قريشاً، مقابل مال ورزق ووعود. ولم يكن الأحباش وحدهم قد ساعدوا أهل مكة في حروبهم مع غيرهم، فقد ساعدهم أيضاً طوائف من الأعراب، أي من البدو الفقراء الذين كانوا يقاتلون ويؤدون مختلف الخدمات في سبيل الحصول على خبز يعيشون عليه.

وقريش جماعة استقرت وتحضرت، واشتغلت بالتجارة، وحصلت منها على غنائم طيبة. ومن طبع التاجر الابتعاد عن الخصومات والمعارك والحروب. لأن التجارة لا يمكن إن تزدهر وتثمر إلا في محيط هادئ مستقر. لشك، صار من سياستها استرضاء الأعراب وعقد "حبال" مع ساداتهم، لتاًمين جانبهم، ليسمحوا لقوافلها بالمرور بسلام. كما صار من اللازم عليها عقد أحلاف مع المجاورين لهم من الأعراب مثل "قريش الظواهر" و "الأحابيش" وأمثالهم للاستعانة بهم في الدفاع عن مكة والاشتراك معهم في حروبهم التي قد يجبرون على خوضها مع غيرهم. بالإضافة إلى عبيدهم "الحبش" الذين اشتروهم لتمشية أمورهم وليكونوا حرساً وقوة أمن لهم.

ولم تكن قريش تعتمد على القوة في تمشية مصالحها التجارية، بقدر اعتمادها على سياسة الحلم واللين والقول المعسول والكلام المرضي الوصول إلى غايتها وأهدافها ومصالحها التجارية. وبهذه السياسة: سياسة اللين والمفاوضة والمسالمة، كانت تبدأ بحل ما يقع لها من صعوبات مع الناس. ولم يكن من السهل عليها في الواقع إرضاء الأعراب واسكاتهم لولا هذه السياسة الحكيمة التي اختاروها لأنفسهم، وهي سياسة أكثر سكان القرى العامرة الواقعة في البوادي بين أعراب جائعين، سياسة الاسترضاء بالحكمة واللسان الجميل، واداء المال رشوة لهم باًقل مقدار ممكن، لأن الاكثار من السخاء يثير في الأعرابي شهوة طلب المزيد. وشهوته هذه متى ظهرت، فسوف لا تنتهى عند حدّ. وأهل مكة بخبرتهم الطويلة في تجولهم بمختلف أنحاء جزيرة العرب اعرف من غيرهم بنفسية الأعراب.

وكان لأشرافها أحلاف مع سادات القبائل، تحالفوا معهم لتمشية مصالهم ولحماية تجارتهم. فكان "زرارة" التميمي مثلاً حليفاً ل "بني عبد الدار". وكان عامر بن هاشم بن عبد مناف، قد تزوّج "بنت النباش بن زرارة"، وأولد منها "عكرمة بن عامر بن هاشم" الشاعر، و "بغيض بن عامر" الذي كتب الصحيفة على "بني هاشم" في أمر مقاطعة قريش لبتي هاشم.

وقد عيرت قريش بأنها لا تحسن القتال، وانها تجاري وتساير من غلب، وانها لا تخرج إلا بخفارة خفير، وبحلف حليف، وبحبل من هذه الحبال التي عقدتها مع سادات القبائل. فلما سمع "النعمان بن قبيصة بن حيَّة الطائي" ابن عم "قبيصة بن إباس بن حيلّة الطائي" صاحب الحيرة، ب "سعد بن أبي وقاص"، سأل عنه، فقيل: "رجل من قريش، فقال: اما إذا كان قرشياً فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال. إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيراً، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير". ونجد أمثلة أخرى من هذا القبيل تشير إلى ميل قريش إلى السلم، وعدم قدرتها على القتال.

وذكر الأخباريون انه كان لكنانة جملة أولاد، ذكر ابن الكلبي منهم: النضر، والنضير، ومالكاً وملكان، وعامراً، وعمراً، و الحارث، و عروان "غزوان"، وسعداً، وعوفاً، وغنماً، ومخرمة، وجرولاً. وهم من زوجته "برة بنت مر" أخت "تميم بن مرّ". ولهذا رأى النسابون وجود صلة بين أبناء هؤلاء الأولاد وقبيلة "تميْم". وأما "عبد مناة"، فإنه ابن كنانة من زوجته الأخرى، وهي "الذفراء بنت هانىء بن بلىّ" من قضاعة. ولذلك عدّ أبناؤه من قضاعة.

ويذكر أهل الأخبار إن من أجداد "قصيّ"، رجل كانت له منزلة في قومه اسمه "كعب بن لؤي"، كان يخطب للناس في الحج، وكان رئيساً في "قريش" فلما توفي، أرخت قريش بموته اعظاماً له، إلى إن كان عام الفيل فأرخوا به. وذكر بعض أهل الأخبار إن أسم "كعب" هي من "القين بن جسر" من قضاعة، وان كعباً هذا أول من سمى يوم الجمعة الجمعة، وكانت العنب تسمي يوم الجمعة: العروبة. وأول من قال: "أما بعد"، فكان يقول: "اما بعد، فاستمعوا وافهموا"، وان بين موته والفيل خمسمائة سنة وعشرون سنة.

وفي قول أهل الأخبار عن وقت موت كعب مبالغة شديدة بالطبع، فإن كعباً هو والد "مرّة" و "مرّة بر هو والد "كلاب" و "كلاب" هو والد "قصيّ". فلا يعقل إذن إن يكون بين موت "كعب" وبين الفيل هذا المقدار من السنين.

وهم يذكرون أيضاً إن والد "قصيّ" وهو "كلاب" كان فد تزوج "فاطمة بنت سعد بن سيل"، فأنجبت له "قصياً". وهي من الأزد، من نسل "عامر الجادر". وقد عرف ب "الجادر" لانه بنى جدار الكعبة بعد إن وَهَنَ من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر. وذكر أيضاً إن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركاً بذلك، وان عامراً هذا كان موكلاً باصلاح ما شعث من جدرها فسُمي الجادر. وذكر إن "سعد بن سيل"، كان أول من حلى السيوف بالفضة والذهب. وكان أهدى إلى "كلاب" مع ابنته "فاطمة" سيفين محليين، فجعلا في خزانية للكعبة. وذكر إن "كلاباً"، هو أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة. وجاء أيضاً انه أول من جدر الكعبة.

و "قصيّ" رئيس قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حنن شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام، كانت أمور مكة في يد قريش، ولم تكن لغير قريش نفوذ بذكر على مكة. فهو الذي بعث الحياة إلى قومه من قريش، وجعل لهم مكانة في هذه القرية ونفوذاً وشهرة في الحجاز. وهو الذي أوجد لمكة مكانة، وخلق لها نوعاً من التنظيم والإدارة. ومن عهده فما بعد نجد في أخبار مكة ما يمكن إن يركن ويطمأن إليه من أخبار.

وقد روى "ابن قتيبة" خبراً مفاده إن "قيصر" أعان "قصياً" على "خزاعة". وإذا صح هذا الخبر، فإن مساعدة "قيصر" له قد تكون عن طريق معاونة الغساسنة له، وهم حلفاء الروم. وقد تكون قبيلة "بنو عذرة" وهي من القبائل المتنصرة التي عاشت على مقربة من حدود بلاد الشام، هي التي توسطت فيما بين قصي والروم، وقد كانت خاضعة لنفوذهم، فأعانه أحد الحكام الروم - وقد يكون من ضباط الحدود، أو من حكام المقاطعات الجنوبية مثل "بصرى" - بأن أمده بمساعدة مالية أو بايعاز منه إلى الأعراب المحالفين للروم بمساعدته في التغلب على خزاعة.ولا أهمية كبيرة في هذا الخبر لكلمة "قيصر". فقد جرت عادة أهل الأخبار على الإسراف في استعمالهم لهذه اللفظة. وقد ورثوا هذا الإسراف من الجاهلين، فقد كان من عادتهم تسمية أي موظف بارز من موظفي الحدود الروم، أو من حكام المقاطعات ب "قيصر". وفي روايات أهل الأخيار أمثلة عديدة من هذا القبيل.

ويذكر إن "عثمان بن الحويرث"، وكان من الهجائين في قريش ومن العالمين باًخبار رجالها، قد توسط فيما بعد لدى البيزنطنيين لتنصيب نفسه ملكاً على مكة. وهو من "بني أسد بن عبد العزى". ويظهر انه أدرك المرارة التي أصيب بها البيزنطيون من خروج الحبش عن اليمن ومن دخول الفرس إليها ، وسيطرتهم بذلك على باب المندب، مفتاح البحر الأحمر، فتقرب إلى الروم وتوسل إليهم لمساعدته بكل ما عندهم من وسائل لتنصيب نفسه ملكاً على مكة، علماً منه إن هذا الطلب سيجد قبولاَ لديهم، وان في امكانهم في حالة عدم رغبتهم بمساعدته مساعدة عسكرية أو مالية، الضغط على سادات مكة ضغطاً اقتصعادياً، بعرقلة تجارتهم مع بلاد الشام، أو بمنع الاتجار مع مكة، أو برفع مقدار الضرائب التي تؤخذ عن تجارتهم، وبذلك يوافقون على الاعتراف به ملكاً عليه، على نحو ما كان عليه الملوك الغساسنة. وكما سأتحدث عن هذا الموضوع فيما بعد.

والظاهر إن مشروعه هذا لم يلاق نجاحاً، لأن سادات مكة وفي جملتهم رجال من "بني أسد بن عبد العزى"، مثل "الأسود بن المطلب" و "أبو زمعة"، والاْثرياء من الأسرة الأخرى عارضوه، لأنهم كانوا تجاراً يتاجرون مع الفرس والروم، وانحيازهم إلى الروم، معناه خروج مكة عن سياسة الحياد التي اتبعوها تجاه المعسكرين: الفرس والروم، وسيؤدي هذا الانحياز إلى عرقلة اتجارهم مع الفرس ومع الأرضين الخاضعة لنفوذهم، وتؤدي هذه العرقلة إلى خسارة فادحة تقع بتجارتهم، لا سيما وان الفرس كانوا قد استولوا على اليمن، ولأهل مكة نجارة واسعة معها. ثم إن بين أهل مكة رجال لهم شأن ومكانة في قومهم، وكانوا أرفع منزلة من "عمان بن الحويرث"، لذلك لم يكن من الممكن بالنسبة لهم الانصياع له حتى وإن أرسل الروم جيشاً قوياً منظماً على مكة، لذلك لم يتحقق حلم "عثمان" في الرياسة ولو بمساعدة قوات أجنبية.

وزعم بعض أهل الأخبار إن "الحارث بن ظالم المريّ"، ذكر "آل قصي" في شعره، ودعاهم ب "قرابين الإله"، إذ قال: وإن تعَصِب بهم نسبي فمنهم  قرابين الإله بنو قـصـيّ

وهو في عرف بعض النسابين: "قصي بن كلاب بنُ مرّة بن كعب بن لؤي بن فهِر". و "قصي بن كلاب بنُ مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضَر بن نزار بن معد بن عدنان"، في شجرة نسبيه التي توصله إلى جدّه الأعلى "عدنان". فأبوه هو كلاب. اما أمه، فهي "فاطمة بنت سعد بن سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة ابن يشكر" من أزد شنوءة حلفاء في "بني الدّيل". توفي أبوه وهو صغير، وتزوجت أمه بعد وفاة "كلاب" أبيه من رجل من بني عذرة، هو ربيعة بن حرام. ولصغر سن قصي، أخذته أمه معها إلى أرض زوجها في بني عذرة، على مقربة من تَبُوك، وتركت أخاه الأكبر "زهرة" في أهله بمكة. ولما شب قصي، وترعرع، وعرف من أمه أصله وعشرته، رجع إلى قومه، فنزل بمكة وأقام بها: ونظم أمر قريش.

ولم يكن اسم قصي قصيّاً يومُ سمي، بل كان "يداً"، وإنما ُسمّي قصياً بعد ذلك، سميّ قصياً على ما يذكر أهل الأخبار، لأنه قصيّ عن قومه، فكان في بني عذرة، فسمي قصياً لبعد داره عن دار قومه. وبينا قصي بأرض قضاعة لا ينتمي إِلا إلى ربيعة بن حرام فى زوج أمه، وهو من أشراف قومه، إذ كان بينه وبين رجل من قَضاعة شيء، فأنبه القضاعي بالغربة، فرجع قصى إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت، والله، يا بني أكرم منه نفساً وولداً. فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، فقالت له أمه: يا بتي، لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فترج في حاج العرب، فإنني أخشى عليك إن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قسم مكة فلما فرغ من الحج، أقام بها، واتخذها له مستقراً ومقاماً.

وتعرف قصي وهو بمكة على "حليل بن حبشية الخراعي"، وكان يلي الكعبة وأمر مكة، ثم خطب إليه ابنته، وهي "حبى"، فزوجه إياها، وولدت له ولده: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزّى، وعبد قصي. وكثر ماله، وعظم شرفه، فلما توفي "حليل" رأى قصي انه أولى من خراعة بولاية البيت، وان قريشاً فرعة إسماعيل وإبراهيم، واستنفر رجال قريش، ودعاهم إلى اخراج خزاعة من مكة. وكتب إلى أخيه من أمه، وهو "رزاح بن ربيعة بن حرام العذري" يستنصره، فأجابه ومعه قومه من بني عذوة من قضاعة، ووصلوا مكة ونصروه بم وغلبت قضاعة وبنو النضر خزاعة، وزال ملكهم عن مكة، وصار الأمر إلى قصي وقريش.

وفي رواية أخرى انه اشترى ولاية البيت من "أبي غبَشْان" بزق خمر وبعود. وكان "حليل" كما يقول أصحاب هذه الرواية قد جعل ولاية البيت إلى ابنته "حبى"، فقالت: قد علمت اني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فاني أجعل الفتح والاغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى "أبي غَبشْان"، وهو "سليم بن عمرو بن بويّ بن ملكان بن أفصى"، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود. فلما سمعت خزاعة ذلك، تجمعت على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة وأصيب خراعة بوباء العدسة، حتى كادت تفنيهم. فما رأت ذلك، جلت عن مكة. ويذكرون إن العرب لما سمعت بقصة " أبي غبشان"، قالت: "أخسر صفقة من أبي غبشان"، فذهب القول مثلاً.

وأبو غبشان، هو "المحترش". وقد ورد اسم رجل عرف بالحارث، قيل عنه انه غبشان بن عبد عمرو، وانه كان قد حجب البيت، فلعلّ له علاقة بأبي غبشان المذكور، كأن يكون ابنه.

وفي رواية إن القتال حينما اشتد بين قصي وخزاعة، تداعوا إلى الصلح، على إن يحكم بينهم "عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة" "يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث"، فوافق. فكان حكمه إن قصياً أولى بالبيت ومكة من خزاعة، وان كل دمٍ أصابه من خزاعة موضوع، فيشدخه تحت قدميه، وان كل دمٍ. أصابت خزاعةَ وبنو بكر حلفاؤهم من قريش وبني كنانة، ففي ذلك الدية مؤداةً. وبذلك انتصر قصي على خصومه. ويقولون إن "عمراً" ُسميّ منذ ذلك الحن الشدّاخ، بما شدخ من الدماء.

ولم يشر بعض أهل الأخبار إلى إن شدخ الشدّاخ الدماء بين قريش وخزاعة، كان في عهد قصي، فأغفلوا اسم "قصي"، بل اكتفوا بالاشارة إلى شدخه السماء وإصلاح ما بين قريش وخزاعة، وذكر بعضهم انه حكم في جملة ما حكم به على ألا يخرج خزاعة من مكة. وأكثر الرواة على إن اسمه "يعمر بن عوف، لا "عمرو بن عوف" كما جاء في الرواية المتقدمة".

ولم تشر رواية أخرى ذكرها "ابن دريد" إلى وقوع نزاع بين قصي وبين خزاعة، بل قالت: إن حليلاً سادن الكعبة، كان قد أوصى إليها أمر الكعبة واعطاها مفتاحها، فأعطته زوجها قصياً، فتحولت الحجابة من خزاعة إلى بني قصي.

وترجع بعض الروايات نزاع خزاعة مع قصي إلى عامل آخر غير ولاية البيت، فتذكر إن خزاعة كانت قد سلمت لقصي بحقه في ولاية البيت، وانها زعمت إن "حليلاً" أوصى بذلك قصياً، وبقيت على ولائها له، إلى إن اختلف "قصي" مع "صوفة". وكانت "صوفة" وهي من "جرهم" تتولى أمر الإجازة بالناس من عَرَفَة. فتجيزهم إذا نفروا من "منى" تولت ذلك من عهد جرهم وخزاعة. فلما كان قصي، أتاهم مع قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه، فناكرهم، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالاً شديداً، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه، فانحازت عند ذلك خزاعة. وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا انه سيمنعهم كما منع صوفة، فوقع من ثم ما وقع على نحو ما مرّ.

غير إن الرواة يذكرون في مكان آخر الي قصياً اًقر للعرب في شأن حجّهم ما كانوا عليه، وذلك انه كان يراه ديناً في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت-فصار ذلك من أمرهم إلى "آل صفوان بن الحارث بن شجنة" وراثة. فهذه الرواية تنافي ما ذكرته آنفاً من قولهم بقتال قصي لهم، وغلبته علهم. وبقي أمر "عدوان" والنسأة، ومرة ابن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم به ذلك كله.

ويذكر الأخباريون إن قصياً بعد إن تمت له الغلبه، جمع قومه من الشعاب والأودية والجبال إلى مكة، فسُميّ لذلكُ مجمّعاً، وانه حكم منذ ذلك الحين فيهم، وملك عليهم. فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكاً، وأطاعه قومه به، وأنه قسم مكة أرباعاً بين قومه، فبنوا المساكن، وان قريشاً هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، وانها تيمنت به، فكانت لا تعقد أمراً، ولا تفعل فعلاً إلا في داره، كما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدما لهم بعض ولده، وما تدّرع جارية إذا بلغت إن تدّرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمناً بأمره ومعرفة بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.

ويذكر الأخباريون أيضاً، إن قريشاً كانوا إذا أرادوا إرسال عيرهم، فلا تخرج ولا يرحلون بها إلا من دار الندوة: ولا يقدمون إلا نزلوا فيها تشريفاً له وتيمناً برأيه ومعرفة بفضله، ولا يعذر لهم. غلام إلا في دار الندوة. وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة. وكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها.

وقد وردت في الشعر لفظة "مجمع": أبونا قصي كان يدعي مجمِّعاً  به جمع الله القبائل من فهر

فيظهر من هذا البيت انه جمع قبائل فهر، ووحدها.

ويذكر الرواة إن "بني بكر بن عبد مناة"، صاروا يبغضون قريشاً لما كان من "قصي" حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعاً وخططاً بين قريش. فلما كانوا على عهد "المطلب"، وهموا باخراج قريش من الحرم وان يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه، وعدت "بنو بكر" على نعم لبني الهون فأطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش واستعدت. وعقد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش، فلقوا بني بكر ومن انضم اليهم وعلى الناس "المطلب"، فاقتتلوا ب "ذات نكيف"، فانهزم بنو بكر، وقتلوا. قتلا ذريعاً، فلم يعودوا لحرب قريش.

وقتل يومئذ "عبيد بن السفّاح القاري" من القارة: قتادة بن قيس أخا "بلعاء بن قيس". والقارة من ولد "الهون بن خزيمة".

ويظهر من هذه الروايات إن أرض حرم مكة كانت مشجرة، وان تلك الاْشجار كانت مقدسة، وان بعض بيوت مكة كانت ذات أشجار، ويظهر إنها انتزعت من أرض الحرم، ولذلك كانوا يهابون قطعها ولا يتجاسرون على إلحاق سوء بها. فلما جاء قصي، خالف عقيدة القوم فيها، فقطعها. ولما وجد أهل مكة إن قطعها لم يلحق أي سوء بقصي، وانه بقي سالماً معافى، تجاسروا هم وفعلوا فعله في قطع الشجر.

وذكر العلماء: إن "الحرم"، أي حرم مكة، ما أطاف بمكة من جوانبها، وحد ه من طريق المدينة دون "التنعيم" عند بيوت "بني نفار" على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على ثنيّة جبل بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعِرانة بشِعْب "آل عبد الله بن خالد" على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن "نمرة" على سبعة أميال، ومن طريق "جدة" منقطع العشائر على عشرة أميال.

والحرم المذكور، هو الأرض الحرام التي كانت مقدسة عند الجاهليين أيضاً، وهي مكة وأطرافها إلى حدودها التي اصطلح عليها. وأما الحرم الذي أحاط بالكعبة فقد عرف ب "المسجد" و "بالمسجد الحرام" و ب "الحرم". ولا نعرف حدوده في الجاهلية على وجه واضح معلوم. وقد كان الجاهليون قد وضعوا أنصاباً على الحدود ليعلم الناس مكان الحرم، ولم يكن له جدار يحيط به. وذكر انه كان في عهد الرسول وأبي بكر فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهدهما جدار يحيط به. فلما استخلف "عمر" وكثر الناس، وسعّ المسجد، واشترى دوراً هدمها وزادها فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. فكان عمر أول من اتخذ جداراً للمسجد. ثم وسعّ المسجد "عمان" ومن جاء بعده، ثم صار كل من ولي من الخلفاء والسلاطين يزيد في اتساع الحي، حتى صار على ما هو عليه الآن.

ودار الندوة اذن هي دار مشورة في أمور السلم والحرب، ومجلس المدينة التي عرف رؤساؤها كيف يحصلون على الثروة وكيف يستعيضون عن فقر أرضهم بتجارة تدر عليهم أرباحاً عظيمة وبخدمة يقدمونها إلى عابدي الأصنام، جاءت اليهم بأموال وافرة من الحجيج. في هذه الدار يجتمع الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور في الأمور واليت فيها. وفي هذه الدار أيضاً تجري عقود الزواج، وتعقد المعاملات، فهي دار مشورة ودار حكومة في آن واحد، يديرها "الملأ"، وهم مثل اعضاء مجلس شيوخ "اثينا" الذين كانوا يجتمعون في "المجلس" "Ekkiesa" للنظر في الأمور. يمثلون زعماء الأسر، ورؤساء الأحياء، وأصحاب الرأي والمشورة للبت فيما يعرض عليهم من مشكلات.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار إن دار الندوة لم يكن يدخلها الاّ ابن أربعين أو ما زاد، فدلها أبو جهل، وهو ابن ثلاثين لجودة رأيه.، ودخلها غيره للسبب نفسه. فيظهر من ذلك إن المراد من دخول الدار، هو حضورها للاسهام في ابداء رأي وتقديم مشورة.

ولما كانت سن الأربعين في نظر العرب هي سن النضج والكمال، اخذوا بمبدأ تحديده باعتباره الحد الأصغر لسن من يسمح له بالاشتراك في الاجتماعات وإبداء الرأي، الا اذا وجدوا في رجل اصغر سناً جودةً في الرأي، وحدة في الذكاء، فيسمح له عندئذ بالاشتراك وبابداء الرأي بصورة خاصة.

وذكر أيضاً، انه لم يكن يدخل دار الندوة احد من قريش لمشورة حتى يبلغ أربعين سنة، إلاّ حكيم بن حزام، فانه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان ولد في الكعبة، وذلك إن أمه دخلت الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل به، فضربها المخاض في الكعبة، وأعجلها عن الخروج، فوضعت به بها. وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم، فباعها بعد من معاوية بمائة ألف درهم.

فدار الندوة اذن، هي دار "ملأ" مكة. وهم سادتها ووجوهها وأشرافها وأولو الأمر فيها. ولم تكن "برلماناً" أو "مجلس شيوخ" على النحو المفهوم من اللفظتين في المصطلح السياسي. وإنما كانت دار "أولي الشورة" و "الرأي". تتخذ رأياً عند ظهور حاجة أو اخذ "الرأي" وعند وجوب حصول زعماء الملأ على قرار في امر هام. ولم تكن قراراتها ملزمة، بل قد يخالفها سيد ذو رأي ومكانة، فيتفرد برأيه. ولا يحصل الإجماع إلاّ باتفاق. والغالب ألاّ يحصل هذا الاتفاق ويتوقف تنفيذ رأي "الملأ" على شخصية المقررين وعلى كفاءتهم وعلى ما يتخذونه من اجراء بحق المخالفين المعاندين من مقاطعة ومن مساومة ومن اقناع. والغالب إن الملأ لا يتخذون رأياً الا بعد دراسة وتفكير، ومفاوضات يراعى فيها جانب المروءة والحلم والمرونة، حتى لا يقع في البلد انشقاق قد يعرض الأمن إلى الاهتزاز.

وربما قام وجوه "الشعب"، وهم سادة الأسر، بدور هو اكثر فعّالية من دور "دار الندوة" في فض الخصومات. والعادة عندهم إن الخصومات الداخلية للاسر، تفض داخل الأسرة، لأن "آل" الأسرة أقدر على حل خلافاتهم من تدخل غيرهم في شؤونهم، ثم انهم لا يقبلون بتدخل غريب عن الأسرة في شأن من شؤون تلك الأسرة.. لذلك كان "،الملأ" لا ينظرون إلا في الأمور التي هي فوق مستوى الأسر و "الشعاب"، والتي تخص أمور الدينة كلها، والتي قد تعرض أمنها إلى الخطر، أو التي يتوقف على قراراتهم بصددها مستقبل المدينة.

والإنسان بمكة بأسرته وبمقدرته وقابلياته وكفاءته. وقد يرفع الأشخاص من مستوى أسرهم، وقد يهبط مستوى الأسر ومكانتها بسبب هبوط مستوى رجالها وعدم ظهور رجال أغنياء أقوياء فيها. ولما كانت مكنة مدينة عمل وتجارة ومال، والمال يتنقل بين الناس حسب اجتهاد الأفراد وجدهم في السعي وراءه، لذلك تجد من بين رجالها من يخمل ذكره بسبب خمول أولاده وتبذيرهم لما ورثوه من مال، وعدم سعيهم لإضافة مال جديد إليه. ويستتبع ذلك تنقل النفوذ من بيت إلى بيت.

فالحكم في مكة أذن حكم لا مركزي، حكم رؤساء وأصحاب جاه ونفوذ ومنزلة تطاع فيها الأحكام، وتنفذ الأوامر، لا لوجود حكومة قوية مركزية مهيمنة لها سلطة على أهل مكة، بل لأن الأحكام. والأوامر هي إحكام ذوي الوجه والسن والرئاسة والشرف، وإحكام هؤلاء مطاعة في عرف أهل مكة وفي عرف غيرهم من أهل جزيرة العرب. حكمت بذلك العادة وجرى عليه العرف، ولا مخالفة للعرف والعادة. فالعرف قانون أهل جزيرة العرب حتى اليوم. وانتهاك إحكامها معناه انتهاك سيادة القانون، وتمرد على الهيأة والنظام، وتحقير الحاكمين وإهانة لهم ولاتباعهم، وليس لأحد الخروج على أوامر سادات القوم وذوي الحسب والشرف والسن والعقل.

ولم تكن في مكة حكومة مركزية بالمعنى المفهوم المعروف من الحكومة، فلم يكن فيها ملك له تاج وعرش، ولا رئيس واحد محكمها على انه رئيس جمهورية أو رئيس مدينة، ولا مجلس رئاسة يحكم المدينة حكماً مشتركاً أو حكماً بالتناوب، ولا حاكم مدني عام أو حاكم عسكري. ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الامن. أو مدير له سجن يزج فيه الخارجين عن الأنظمة والقوانين أو ما شابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات. وكل أمرها إنها قرية تتألف من شعاب. كل شعبْ لعشيرة. وأمر كل، شعْب لرؤسائه، هم وحدهم أصحاب الحلّ والعقد واَلنهي والتأديب فيه. وليسَ في استطاعة متمرد مخالفة إحكام. وإلاّ أدبه حيّه، وملؤه أي أشرافه. هؤلاء الرؤساء هم الحكام الناصحون وهم عقلاء الشعب.

وقد أشير إلى رؤساء مكة في القران الكريم في آية: )وقالوا: لولا نزُ ل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( فرؤساء مكة هم علماؤها وساداتها، وهم أعلى الناس منزلة ودرجة ومكانة فيها. و "عظماء" مكة أو "عظماء الطائف" هم الطبقة "المختارة" والصفوة المتزعمة في الناس. واليها وحدها تكون الزعامة والرئاسة والرجاحة في الرأي.

وقانون القوم ودستورهم: )إنا وجدنا آباءنا على امة وانّا على، آثارهم مقتدون(. فهم محافظون حريصون على كل ما وصل إليهم، لا يريدون له تغييراً ولا تبديلاً. مهما بدا لهم في الجديد من منطق وحق. "قال) أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم. قالوا انّا بما أرسلتم به كافرون( وفي القرآن الكريم آيات أخرى ترينا تمسك نخبة مكة ورجال الملأ بحقوقهم وبما ورثوه من عرف مكّنهم من الملأ، وفي تمسكهم بها محافظة على حقوقهم الموروثة وعلى مصالحهم وعلى زعامتهم في الناس.

فملأ مكة أناس محافظون لا يقبلون تجديداً ولا تطويراً، سنتهم التعلق بالماضي، وكره الثورة والخروج عن العرف والعادة مهما كانت. فالعرف جرى الناس عليه، فلا خروج على العادة والعرف. أما المستهين بالعرف المخالف لسنة الآباء والأجداد، فيعاقب حتى يعود إلى رشد وصوابه. وهم باستماتتهم في التمسك بالماضي كيف كان، وبتطرفهم في المحافظة على العرف، إنما يراعون بذلك حقوقهم الموروثة ومكانتهم الإجماعية ومصالحهم الاقتصادية، فالعرف جعلهم الطبقة الحاكمة بالتقاليد، المحافظة على مصالحها، استناداً إلى العادات. هم يحكمون بهذا القانون الموروث غير المسجل، وعلى الناس الطاعة والانقياد. )واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون( وقد توارث بنو عبد الدار الندوة، حتى باعها "عكرمة بن عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار" من معاوية، فجعلها دار الأمارة بمكة، ثم أدخلت في الحرم. وورد في رواية أخرى إن "حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الاسلمى" وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد، كان هو الذي باعها من معاوية وكانت بيده. باعها بمئة ألف درهم. وكان قد اشتراها من "منصور بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

ودار الندوة، هي أول دار بنيت بمكة على حدّ قول الرواة. وكانت اشهر دار بمكة وانشرها في الناس خبراً. ثم تتابع الناس فبنوا من الدور ما استوطنوه. ويذكر أهل الأخبار: إن مكة لم تكن ذات منازل، وكانت قريش بعدُ جرهُم. والعمالقة ينلجعون جبالها وأوديتها ولا يخرجون من حرمها انتساباً إلى الكعبة لاستيلائهم عليها وتخصصاً بالحرم لحلولهم فيه. ولما كان "كعب بن لؤيّ بن غالب"، جمع قريشاً صار يخطب فيها في كل "جمعة"، وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية "عروبة" فسماه كعب "الجمعة". وبذلك ألف بين قريش حتى جاء "قصي" ففعل ما فعل.

ولدينا خبر آخر، يذكو انه قد كان حول الحرم شجر ذو شوك، نبت من قديم الزمن وكوّن غُوطة، فقطعها "عبد مناف بن قصي"، وهو أول من بني داراً بمكة، ولم تُبن دار، قبلها، بل كان بها مضارب للعرب من الشعر الأسود.

وزعم بعض أهل الأخبار إن أهل مكة كانوا يبنون بيوتهم مُدوّرة تعظيماً للكعبة، وأول من بنى بيتاً مربعاً "حُميدْ بن زهر"، فقالت قريش: "رَبّعَ حُمَيْد بن زهر بيتاً"، إمّا حياةً وإما موتاً". و "الربع": المنزل ودار الإقامة والمحلة". وهو أحد "بني أسد بن عبد العزى". وان العرب تسمي كل بيت مربع كعبة، ومنه كعبة نجران. وُ ذكر أيضاً إن "حُمَيْد بن زبير ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى"، هو اول من خالف سنة قريش وخرج على عرف أهل مكة فبنى بيتاً مربعاً.وجعل له سقفاً. وفي عمله هذا قال الراجز: اليوم يبنيِ لحُمَيْد بيته  اماّ حياته واما موته 

وورد في رواية أخرى، إن ثاني دار بنيت بمكة بعد دار الندوة، هي "دار العجلة"، وهي دار، سعيد بن سعد بن سهم. وزعم "بنو سهم" إنها بنيت قبل "دار الندوة".

ويظهر من روايات أهل الأخبار عن بيوت مكة إن بيوتها، وهي بيوت أثريائها وساداتها، بيوت كانت مقامة بالحجر، وبها عدد من الغرف، ولها بابان متقابلان باب يدخل منها الداخل وباب تقابلها يخرج منها الخارج، ولعلها بنيت على هذا الوضع ليتمكن النساء من الخروج من الباب الأخرى عند وجود ضيوف في رحبة الدار عند الباب المقابلة. ومعنى هذا إن أمثال هذه الدور كانت واسعة تشرت على زقاقين. ولبعض الدور "حجر" عند باب البيت، يجلس تحته ليستظل به من أشعة الشمس، وكان منزل "خديجة" ذو حجر من هذا الطراز.

ولو أخذنا بالرواية المتقدمة عن التغيير الذي طرأ على طراز العمارة في مكة، فإن ذلك يحملنا على القول: إنه يجب إن يكون قد حدث، في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد. في وقت ليس ببعيد عهد عن أيام النبي. لأننا نجد إن أحد أبنا "حُمَيْد"، وهو عبد الله"، كان قد حارب في معركة "أحد".

ويتبن من غربلة روايات الأخباريين المتقدمة عن مدى سعة الحرم وعن زمان بناء الدور بمكة، إن بطن مكة لم يعمر ولم تبن البيوت المستقرة فيه إلا منذ أيام "قصي". أما ما قبل ذلك، فقد كان الناس يسكنون "الظواهر": ظواهر مكة، أي أطرافها وهي مواضع مرتفعة تكون سفوح الجبال والمرتفعات المحيطة بالمدينة. أما باطن مكة، وهو الوادي الذي فيه البيت، فقد كان حرماً آمناً، لا بيوت فيه، أو إن بيوته كانت قليلة حصرت بسدنة البيت وبرت كانت له علاقة بخدمته. لذلك نبت فيه الشجر حتى غطى سطح الوادي، من السيول التي كانت تسيل إليه من الجبال. ولم يكن في وسع أحد التطاول على ذلك الشجر، لأنه شجر حرم اَمن، وبقي هذا شأنه يغطي الوادي ويكسو وجهه بغُوطة، حتى جاء "قصي". فتجاسر عليه بقطعه كما ذكرنا. وخاف الناس من فعله، خشية غضب رب البيت، ونزول الأذى بهم إن قطعوه. فلما وجدوا إن الله لم يغضب عليهم، وانه لم ينزل سوءاً بهم، اقتفوا أثره، فقطعوا الشجر، واستحوذوا على الأرض الحرام، وظهرت.البيوت فيه، وأخذت تتجه نحو البيت حتى أحاطت به، وصغرت مسجده، ولم يكن له يومئذ جدار. وظلت البيوت تتقرب إليه حتى ضايقته وصغرت فناءه، مما اضطر الخليفة "عمر" ومن جاء بعده إلى هدم البيوت التي لاصقته لتوسيع مسجد، ثم إلى بناء جدار ليحيط به حتى صار على نحو ما هو عليه في هذا اليوم.

ويتبين من خطبة الرسول عام الفتح ويوم دخوله البيت الحرام وقوله: "لا يُختلى خلا مكة ولا يعضد شجرها"، إن حرم مكة كان لا يزال ذا شجر. ولم يكن فد قطع تماماً منه في أيام الرسول.

وتذكر بعض الموارد إن قصيّاً أول من بنى الكعبة بعد. بناء تبع، وكان سمكها قصيراً، فنقضه ورفعها. وإذا صحت الرواية، يكون قصي من بناة الكعبة ومن مجدديها. وذكر انه كان أول من جدد بناء الكعبة من قريش، وانه سقفها بخشب الدوم وجريد النخل. وقد أشير إلى هذا البناء في شعر ينسب إلى الأعشى. وهذه الرواية تناقض بالطبع ما يرويه الأخباريون من إن الكعبة لم تكن مسقفة، وإنها سقفت لأول مرة عندما جدد بناؤها في أيام شباب الرسول. وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة.

والظاهر من روايات الأخباريين، إن البيت كان في الأصل بيتاً مسقوفاً، غير انه أصيب بكوارثعديدة، فتساقط وتساقط سقفه مراراً بسبب السيول، وبسبب حريق أصيب به، فصار من غير سقف في أيام شباب الرسول. حتى إذا ما نقضت. قريش البيت وأعادت بناء سقفته، وزوّقت جدره الداخلية والخارجية بالأصنام والصور. وأعادت إليه خزائنه حتى كان يوم الفتح، إذْ أمر الرسول بتحطيم الأصنام وبطمس الصور على نحو ما سأتحدث عنه في تأريخ الكعبة وذلك في القسم الخاص بأديان الجاهليين.

وفي روايات أهل الأخبار عن البيت-كما سترى فيما بعد حين أتكلم عنه في هذا القسم الخاص بأديان أهل الجاهلية-غموض وتناقض، يجّعل من الصعب تكوين رأي واضح عنه. فبينما هم يقولون إنه كان من غير سقف وان الطيور كانت تقف عليه، وان الأتربة المحملة بالأهوية كانت تتساقط في أرض البيت، نراهم يذكرون انه كان مسقفاً، وانه سقف بالخشب في أيام قصي وانه احترق، ثم يقولون إنه كان في داخله أصنام قريش، مع إن الوصف الذي يقدمونه لنا عن الكعبة من إنها "كانت ضمة فوق للقامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك إن نفراً من قريش وغيرهم سرقوا كنزَ الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة"، لا يمكن إن يجعل البيت سوى غرفة بسيطة ساذجة من أحجار رصت بعضها فوق بعض.

وفي روايةٍ: إن.قصيّاً هو أول من أظهر "الحجر الأسود"، وكانت "إياد" دفنته في جبال مكة، فرأتهم امرأة حين دفنوه، فلم يزل "قصي" يتلطف بتلك المرأة حتى دلته على مكانه، فأخرجه من الجبل، واستمر عند جماعة من قريش يتوارثون حتى بنت قريش الكعبة فوضعوه بركن البيت، بازاء باب الكعبة في آخر الركن الشرقي.

ويذكر إن قصيّاً بعد إن تمكن من مكة، حفر بها بئراً سماها "العجول" وهي أول بئر حفرتها قريش. وكانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة تدعى "اليسيرة" ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال. ومن بثر حفرها "مرّة بن كعب" مما يلي عرَفَة، تدعى "الروى"، ومن آبار حفرها "كلاب بن مرة"، هي "خم" و "رم" و "الجفر" بطاهر مكة. فكانت "بئر العجول" أول بئر حفرتها قريش في مكة.

وازدادت حاجة أهل مكة، بعد قصي وقد تزايد عددهم إلى الماء، ولم تعد "العجول" تعَفي لتموينهم به، فاقتفى، أولاده أثره في حفر الآبار، واعتبروا حفرها منقبة ومحمبدة، لما للماء من أهمية لأهل هذا الوادي الجاف. وقد حازت بئر زمزم على المقام الأول بين آبار مكة فهي بئر البيت وبئر الحجاج تمونهم مما يحتاجون إليه من ماء، وذكر أهل الأخبار إن في جملة ما أحدث قصي في أيامه وصار سنة لأهل الجاهلية، انه أحدث وقود النار بالمزدلفة: حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلث الليلة في الجاهلية. ويظهر إن قريشاً حافظت على هذه السُنّة أمداَ في الإسلام. وكانت تلك النار توقد على عهد رسول الله وأبي يكر وعمر وعثمان.

ويذكرون أيضاً إن في جملة ما أحدثه: "الرفادة"، وهي إطعام الحجاج في أيام موسم الحج حتى يرجعوا إلى بلادهم. وقد فرضها على قريش إذْ قال لهم: "يا معشر قريش أنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم، وان الحاج ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحق بالضيافة، فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم". ففعلت قريش ذلك، فكانوا يخرجون في كل عام من أموالهم خرجاً، في فيدفعونه إلى قصي، لكي يصنعه طعاماً للناس أيام منى وبمكة وقد بقيت هذه السنة في الإسلام. وذكر إن "الرفادة شيء كانت تترافد به قريش في الجاهلية، فيستخرج فيما بينها كل إنسان مالاً بقدر طاقته وتشتري به للحاج طعاماً وزبيباً للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج.

وكانت إلى قصي أيضاً: الحجابة، والسقاية واللواء. فحاز شرف قريش كله. وصار رئيسها الوحيد المطاع، الناطق باسمها الأمر وللناهي، إذ. لأ أحد أحكم وأعقل وأحسن إدارة للملك منه.

وذكر إن قيصا أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، وذلك في أيام المنذر بن النعمان ملك الحيرة، وملك الفرس الساسانيين "بهرام جور". وقد كان حكم "بهرام جور" من سنة "420 م" حتى سنة "438 م"، أي في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وإذا أخذنا برواية من جعل قصياً من المعاصرين لهذا الملك، يكون حكم قصي إذن في النصف الأول من للقرن الخامس للميلاد.

وقد نسب أهل الأخبار إلى قصي أقوالا وأمثالاً وحكماً وجعلوه غاية في الحكمة والمنطق. وروي "إن أمر قصي عند قريش ديناً يعملون به ولا يخالفونه".

وقد ترك قصي أثراً كبيراً في أهل مكة، وعدّوه المؤسس الحقيقي لكيان قريش. وكانوا يذكرون اسمه دائماً بخير. وكانوا لا يطيقون سماع أحد يستهين بشأنه. فلما تطاول الشاعر "عبد الله بن الِزبَعْرىَ"، على ما جاء في بعض الروايات، وتجاوز حدّه بذكر قصي بسوء في شعر له، كتبه كما يقولون في أستار الكعبة، فضب بنو عبد مناف، واستَعدوَا عليه "بني سهم"، لأنه كان من "بني سهم"، فأسلموه اليهم، فضبربوه وحلقوا شعره وربطوه إلى صخرة، فاستغاث قومه، فلم يغيثوه، فجعل يمدح قصيّاً ويسترضيهم، فأطلقه بنو عبد مناف وأكرموه، فمدحهم بأشعار كثيرة.

ولم نعثر في نصوص المسند على اسم رجل يُّدعى قصيّها، وإنما ورد في النصوص النبطية اسم علم لأشخاص. وهذا الاسم هو اسم صنم في الأصل، بدليل ورود عبد قصي. أما حديث الأخباريين عن أصله وفصله، فهو بما لا قيمة له. وقد ابتدعته مخيلتهم على الطريقة المألوفة في اختراع تفاسير لأسباب التسميات. والظاهر إن هذا الاسم من الأسماء التي كان يستعملها العرب النازلون في أعالي الحجاز، وربما في بلاد الشام.

وفي جملة النصوص النبطية التي عثر عليها في "صلخد" اسم رجل عرف ب "روحو بن قصيو" "روح بن قصي"، كما عثر على نصّ جاء فيه اسم "مليكو بن قصيو." "مالك بن قصي"، وورد اسم "قصيو بن اكلبو"، أي "قصي بن كلاب". وقد تبين من هذه الكتابات إن المذكورين هم من أسرة واحدة، وقد كَانوا كهاناً أو سدنة لمعبد من معابد "صلخد". فقصي إذن من الأسماء الواردة عند النبط. والغريب أننا نرى بين قصي صلخد وقصي مكة اشتراكاً لا في الاسم وحده، بل في المكانة أيضاً، فلقصي صلخد مكانة دينية، ولقصي مكة هذه المكانة أيضاً في مكة.

ويلاحظ إن الاسم الذي زعم الأخباريون انه اسم قصي الأصلي الذيُ سميّ به يوم ولد بمكة، وهو "زيد"، هو أيضاً اسم صنم. فقد نص أهل الأخبار على أن "زيداً" هو صنم من أصنام العرب.

ويذكر الأخباريون انه كان لقصي أربعة أولاد، ورووا قولاَ زعموا انه قاله. فقد ذكر:ا انه قال: "ولد لي أربعة، فسميت أثنين بصنمي، وواحداً بداري، ووحداً بنفسي". وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه "حُبىّ" دفعته إلى مناف، وكان أعظم أصنام مكة، تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف. وأولاده هم: "عبد مناف"، واسمه "المغيرة"، وعبد الله، وهو "عبد الدار"، و "عبد العزى"، و "عبد قصي"، و "هند" بنت قصي، تزوجها "عبد الله بن عمّار الحضرمي".

ولما مات قصي، دفن بالحجَون، وقد كانوا يزورون قبره ويعظمونه. والحجون جبل بأعلى مكة كان أهل مكة يدفنون موتاهم فيه. فعليه مقبرة جاهلية من مقابر مكة القديمة. وقد ذكر في شعر جاهلي.

وقد أنكر بعض المستشرقين وجود "قصي"، وعدّوه شخصية خرافية من شخصيات الأساطير، واستدلوا على ذلك بالأقاويل التي رواها ابن الكلبي وابن جريج عنه، وهي ذات طابع قصصي. غير إن هذه المرويات لا يمكن إن تكون دليلا قوياً وسنداً يستند إليه في إنكار وجود رجل اسمه قصي، وإذا كان ما قيل عنه خرافة، فلن تكون هذه الخرافة سبباً لإنكار وجود شخص قيلت عنه.

وقد ترك "قصي" جملة أولاد هم: عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف وعبد بن قصي. وقد تكتل أبناء هؤلاء الأولاد وتحزبوا، ونافسوا بعضهم بعضاً، فنافس بنو عبد مناف بني عبد الدار، وكونوا حلفاً فيما بينهم كان جماعته وأنصاره بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم والحارث بن فهر. وتراص بنو عبد الدار وجمعوا شملهم وشمل من انضم إليهم، وكونوا جماعة معارضة تألفت من بني مخزوم وبن سهم وبني جمح وبني عدي بن عامر بن لؤي ومحارب. وهم من "قريش الظواهر". وقد عرف حلف "بني عبد مناف" ب "حلف المطيبين" و ب "المطيبون"، وعرف بنو عبد الدار ب "الأحلاف". ولما ظهر الإسلام، كانت هذا النزاع العائلي على رئاسة مكة قائماً، وقد تمثل في تنافس الأسر على الرئاسة. اشتهر بعضها بالثراء والغنى، واشتهر بعضها بالوجاهة الدينية أو بالمكانة الاجتماعية.

ويلاحظ إن هذا النزاع لم يكن نزاعاً عائلياً تماماً، قام على النسب إلى الأب والجد بل كمان نزاعاً على الرئاسة والسيادة في الغالب، فنجد جماعة من عائلة تنضم إلى العائلة الأخرى المنافسة، وتترك عشيرتها، لأن مصلحتها الخاصة وتخاصمها مع. أحد أقربائها دفعاها على اتخاذ ذلك الموقف.

ولما أسن قصي، جعل لابنه "عبد الدار" على حدّ رواية أهل الأخبار دار الندوة والحجابة أي حجابة الكعبة، واللواء، فكان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية وهي سقاية الحاج، و "الرفادة"، وهي خَرْج تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي ليصنع به طعاماً. للحاج يأكله الفقراء، وكان قصي قد قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته، وان الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شراباً وطعاماً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم"، ففعلوا، فكانوا يخرجون من أموالهم، فيصنع به الطعام أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام.

ويذكر الأخباريون في تعليل إعطاء عبد الدار هذه الامتيازات إن عبد الدار كان ضعيفاً، وان عبد مناف شقيقه كان قد ساد في حياة أبيه، وكثر ماله، فأراد قصي بذلك تقويته بهذه الامتيازات.

وقد توارث بنو عبد الدار اللواء، فلا يعقد لقريش لواء الحرب الا هم. وهي وضيفة مهمة جداً، لما للواء من أثر خطير في الحروب والمعارك في تلك الأيام. وهذا كانوا يتدافعون في الذبَّ عن اللواء، حتى لا يسقط على الأرض بسقوط حامله، وسقوطه معناه نكسة معنوية كبيرة تصيب المحاربين تحت ذلك اللواء. ولما أسلم "بنو عبد الدار"، قالوا: يا نبيّ الله، اللواء إلينا. فقال النبي: الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء.

ويذكر الأخباريون إن قصيّاً لما هلك، قام "عبد مناف بن قصي" على أمر قصي بعده، وأمر قريش إليه، واختط بمكة رباعاً بعد الذي كان قصي قطع لقومه.

ويذكر أهل الأخبار إن بني عبد مناف أجمعوا على إن يأخذوا من بني عبد الدار "الرفادة" و "السقاية"، فأبى بنو عبد الدار ترك ما في أيديهم وأصروا على الاحتفاظ به، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد الدار، وطائفة مع بني عبد مناف، وتحالف كل قوم مؤكداً، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً، فوضعوها عند الكعبة، وتحالفوا، وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم، وتحالفوا، فسموا الأحلاف، وتعبأوا للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح، على إن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، فرضوا بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، واقترعوا عليها، فصارت لهاشم بن عبد مناف.

وأما الذين كوّنوا حلف الأحلاف ولعقة الدم، فهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب.

وقد خرجت من ذلك "بنو عامر بن لؤُيّ" و "بنو محارب بن فهر". فلم يكونوا مع واحد من الفريقينْ.

وتذكر بعض الروايات إن "آل عبد مناف" قد كثروا، وقل " "آل عبد الدار"، فأرادوا انتزاع الحجابة من "بني عبد الدار"، فاختلفت في ذلك قريش، فكانت طائفة مع "بني عبد الدار" وطائفة مع "بني عبد مناف"، فأخرجت "أم حكيم البيضاء" توأمة أبي رسول الله، جفنة فيها طيب، فوضعتها في الحجر، فقالت: من كان مناّ فليدخل يده في هذا الطيب. فأدخلت عبد مناف أيديها، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسّموّا المطيبين. فعمدت بنو سهم بن عمرو، فنحرت جزوراً، وقالوا: من كان مناّ، فليدخل يده في هذه الجزور، فأدخلت أيديها عبد الدار وسهم، وجمح، ومخزوم، وعدي، فسُميّت الأحلاف. وقام الأسود بن حارثة بن نضلة، فأدخل يده في الدم، ثم لعقها، فلعقت بنو عدي كلها بأيديها، فسموا لعقة الدم.

وتذكر رواية إن "بني عبد مناف" اقترعوا على الرفادة والسقاية فصارتا إلى "هاشم بن عبد مناف"، ثم صارتا بعده إلى "المطلب بن عبد مناف" بوصية، ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فاستدان من أخيه العبّاس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم، فأنفقها، في لم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى "العباس": وأبرأ أبا طالب مما له عليه.

وتذكر رواية أخرى، إن هاشماً وعبد شمس والمطلب ونوفل بني عبد مناف أجمعوا إن يأخذوا ما بأيدي "بني عبد الدار" مما كان قصي جعل إلى "عبد الدار" من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة، ورأوا أنهم أحق بها منهم، فأبت "بنو عبد الدار"، فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على الاّ يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً. وعرف حلف "بني عبد مناف" بحلف المطيبين وعرف حلف "بني عبد الدار" محلف الأحلاف ولعقة الدم. ثم تداعوا إلى الصلح، على إن تكون الحجابهً واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة. وولى هاشم بن عبد مناف السقاية الرفادة. وتصرح بعض الروايات، إن هاشما هو الذي قام بأمر بني عبد مناف، ثم عامر بن هاشم.

ومعنى هذا إن الحلفين المذكورين: حلف المطيبين وحلف "الأحلاف"، إنما عقدا في حياة "هاشم بن عبد مناف"، أي قبل ميلاد الرسول. وأن. تلف "لعقة الدم" هو نفسه حلف الأحلاف، أو من حلف الأحلاف، عرف بهذه التسمية، لأن "بني عدي بن كعب، الذين حالفوا عبد الدار وانضموا اليهم، اسقوا الدم، فقيل لهم لعقة الدم، تمييزا لهم عن الذين لم يلعقوا الدم، وهم الأحلاف, وذُكر إن "بني عبد الدار" و "بني عدي"، أدخلوا جميعاً أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا كلهم "لعقة الدم" بذلك.

ولكننا نصطدم بروايات أخرى، ترجع تأريخ حلف "لعقة الدم" إلى أيام بنيان الكعبة، التي كان قبل المبعث بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. فهي تذكر إن أهل مكة لما وصلوا إلى موضع الركن اختصموا في وضع الحجر الأسود، حتى تجاوزوا وتحالفوا وتواعدوا على القتال، "فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءةّ دماء، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا لعقة الدم بذلك"، ثم اتفقوا على إن يجعلوا بينهم حكماً، يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون، على إن يكون أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول من دخل عليهم رسول الله. فحكم على نحو ما هو معروف.

كما نصطدم بروايات أخرى تذكر إن حلف المطيبين، إنما عرف بذلك، لان خمس قبائل هي: بنو عبد مناف، وبنو أسد، وبنو تيم، وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، لما أرادت بنو عبد مناف اخذ ما في أيدي بني عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية وأبت بنو عبد الدار تسليمها إياهم اجتمع المذكرون في دار عبد الله بن جدعان، وعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على التناصر وأن لا يتخاذلوا، ثم اخرج لهم بنو عبد مناف جفنة ثم خلطوا فيها اطياباً وغمدوا أيديهم فيها وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً فسُمّوا المطيبين. وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها وهم ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم حلفاً آخر مؤكداً، فسُموْا بذلك الأحلاف.

وقيل بل قسم رجل من بني زيد لمكة معتمراً ومعه تجارة اشتراها منه رجلٌ سهمي فأبى إن يقضيه حقه فناداهم من أعلى أبي قيس، فقاموا وتحالفوا على أنصافه، وكان النبيّ من المطيبين لحضوره فيه، وهو ابن خمس وعشرين سنة وكذلك أبو بكر. وكان عمر أحلافياً لحضوره معهم.

وقد وهم بعض أهل الأخبار فجعلوا حلف المطيبين هو حلف الفضول، ويظهر انهم وقعوا في الخطأ من كون الذين دعوا إلى عقد حلف الفضول وشهدوه هم من "المطيبين"، فاشتبه الأمر عليهم، وظنوا إن الحلفين حلف واحد. وقد ردّ عليهم بعض أهل الأخبار أيضاً، اذ ذكروا إن الرسول لم يدرك حلف المطيبين، لأنه كان وقع بين بني عبد مناف، وهم هاشم واخوته ومن انضم اليهم، وبين بني عمهم عبد الدار وأحلافهم، فقيل لهم الأحلاف، قبل إن يولد الرسول.

إما إن الخلفيين قد عقدا في أيام "عبد الله بن جدعان"، فخطأ، فقد اجمع أهل الأخبار على إن بني عبد مناف كانوا يلون الرفادة والسقاية قبل هذا للعهد، وأن "هاشم" كان يليهما في حياته، وأما انهما وقعا في أيام "هاشم" أو في أيام أبنائه، فان ذلك اقرب إلى المنطق، وذلك فيما إذا أخذنا برواية من يقول: إن "قصياّ" أوصى بالرفادة والسقاية واللواء والحجابة ودار الندوة إلى ابنه "عبد الدار"، وحرم بذلك ابنه "عبد مناف" من كل شيء، بحجة انه كان غنياً، وجيهاً وقد ساد في حياة ابيه، فلا حاجة له به إليها، فتأثر هاشم أو ابناوه من ذلك، فاًجمعوا على انتزاعها من أيدي "بني عبد الدار" وحدث ما حدث، وتولى هاشم الرفادة والسقاية على النحو المذكور." وهناك رواية أخرى رواها "اليعقوبي"، تفيد إن قصيّاً كان قد قسم السقاية والرفادة والرئاسة والدار بين ولده. فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزّى، وحافة الوادي لعبد قصيّ. واخذ كل ابن ما أعطاه والده له.

ويتبن من دراسة الروايات المختلفة الواردة عن الحلفين المذكورين، إنهما قد عقدا لأغراض أخرى لا صلة لها بالسقاية والرفادة، وربما كانا قد عقدا قبل أيام هاشم، بسبب نزاع وقع بين بطون قريش على الزعامة، فتحربت تلك البطون وانقسمت على نفسها إلى "مطيبين" و "احلاف"، وربما كان حلف لعقة الدم حلفاً آخر عقده "بنو عدي" فيما بين هم، وهم الذين انحازوا إلى الأحلاف، ودخلوا معهم في حلف. خاصة وفي "اليعقوبي" يشير إلى حلف عقده "عبد مناف" بعد وفاة والده "قصي" مع "خزاعة" و "بني عبد مناف ابن كنانة"، عرف بحلف "الأحابيش". وكان مدبّر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف "عمرو بن هلل بن معيص". مما يشير اذا صح بهذا الخبر إلى إن "بني مناف" أو الذين انضموا إليهم، كما يقول ذلك "اليعقوبي" أرادوا تقوية أنفسهم وتكوين قوة مهابة بتأليف ذلك الحلف. وربما كان هذا الحلف موجهاً ضد "بني عبد الدار" مما دفع "بني عبد الدار" على جمع صفوفهم وتأليف حلف يهم، للدفاع عن مصالحهم.

واسم هاشم على رواية الأخباريين "عمرو" وهو اكبر أولاد عبد مناف. وإنما قيل له هاشم،لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه. ذكر إن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزوراً، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك ويذكرون إن شاعراً من الشعراء، هو مطرود بن كعب الخزاعي، أو ابن الزبعرى، ذكر ذلك في شعره حيث قال: عمرو الذي هشم الثريد لقومه  ورجال مكة مُسْنِتون عجاف

ويظهر من وصف الأخباريين لهاشم انه كان تاجراً، له تجارة مع بلاد الشام، وأنه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا انه هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.

ويذكر أهل الأخبار إن هاشماً كان يحُث أهل مكة على إكرام الحجاج وإضافتهم وتقديم كل معونة لهم، لأنم يأتون يعظّمون بيت الله، ويزورونه، وهم جيران بيت الله، وقد أكرموا به، وشرفوا بالبيت على سائر العرب، فعليهم تقديم كل معونة لحجاج البيت. وكان يطلب منهم. كمساعدته بإخراج ما يتمكنون من إخراجه من أموالهم يضعونه في دار اندوة، ليخدم به الحجاج، لأنه لا يمكن وحده من إكرامهم وتقديم الطعام من ماله حده إليهم. فكان هاشم يخرج في كل عام مالا كثيراً، وكان قوم من قريش أهل يسار يترافدون. وكان كل إنسان يرسل بمئة مثقال هرقلية، فيجمع هاشم ما يجمع ويطبخ به طعاماً للحجاج.

ولشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جليه من أماكن بعيدة، فعل "هاشم" ما فعله قصيّ حين حفر بئراً على نحو ما ذكرت، فحفر بئراً عرفت ب "بذَّر" وهي البئر التي في حق "المقوم بن عبد المطلب" في ظهر دار الطلوب مولاة زيدة بالبطحاء في اصل المستنذر. وحفر بئراً أخرى، وهي البئر التي يقال لها بئر "جبير بن مطعم"، ودخلت في "دار القوارير. فيسر بذلك لمكة الماء، وساعد على اكثاره عندهم.

وأخذ "هاشم" عهداً على نفسه بأن يسقي الحجاج ويكفيهم بالماء، قُربةً إلى رب "البيت" ما دام حيّاً. فكان إذا حفر الحج، يأمر بحياض من أدم، فتجعل في موضع "زمزم"، ثم تملا بالماء من الآبار التي بمكة، فيشرب منها الحاج. وكان يطعمهم قبل الروية بيوم بمكة، وبِمنِى وعَرفَة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن والسويق والتمرَ، ويحمل لهم الماء، فيستقون بمنى، والماء يومئذ قليل في حياض الأدم إلى إن يصدروا من "منِى"، ثم تنقطع الضيافة، ويتفرق الناس إلى بلادهم.

وموضوع السقاية موضوع غامض. فبينما نجد أهل الأخبار يفسرون السقاية باسقاء المحتاجين من الحجاج بالماء مجاناً، نجدهم يتحدثون عن السقاية على إنها إسقاء الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء. وذكر إن العباس كان يليها في الجاهلية و الإسلام.

وتحدث أهل الأخبار عن "سقاية" عرفت ب "سقاية عدىّ"، زعموا إنها كانت بالمشعرين بين الصفا والمروة، وان مطرود الخزاعي ذكرها حين قال: وما النيل يأتي بالسفين يكـفّ  بأجود سيباً من عدكماّ بن نوفل 

وأنبطت بين المشعرين سقـاية  لحجاج بيت الله أفضل منهـل

وذكر إن هذه السقاية، كانت بسقاية اللبن والعسل.

ويظهر من وصف الأخباريين لهاشم انه كان تاجراً، له تجارة مع بلاد الشام. وانه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا انه هو أول من سنّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف. وانه كان صاحب "إيلاف قريش" وذلك إن قريشاً كانوا تجاراً، ولكن تجارتهم-كما يقول أهل الأخبار-لم تكن تتجاوز مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها على من حولهم من العرب. فكانوا كذلك حتى ركب هاشم ابن عبد مناف إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة ة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون. وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر، فدعا به فلما رآه وكلمه، أعجب به. فكان يبعث إليه في كل يوم، فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده، قال له: أيها الملك: إن قومي تجار العرب، فإن رأيت إن تكتب لي كتاباً تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم، فهو أرخص عليكم. فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم. فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرّ بحي من العرب بطريقه إلى مكة، عقد معهم عقدا على إن تقدم قريش إليهم ما يرضيهم من بضائع وهدايا تؤلف بينهم وبين قريش، فكان الإيلاف. فلما وصل إلى مكة، كان هذا الإيلاف أعظم ما جاء به هاشم إلى قريش. فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم يوفيهم إيلافهم الذي أخذ من العرب حتى أوردهم الشام، وأحلهم قراها. فكان ذلك بدء إيلاف قريش.

وذكر إن متجر "هاشم" كان البلاد الشام، ويصل بتجارته إلى "غزة" وناحيتها، وربما توغل نحو الشمال، حتى زعم بعض أهل الأخبار انه كان ربما بلغ "أنقرة" "فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه". ويجب علينا ألا نتصور دائماً إن أي "قيصر" يرد ذكره في أخبار أهل الأخبار، هو قيصر الروم حقاً، بل هو أحد عمّاله في الغالب، وأحد الموظفين الروم في بلاد الشام، وربما كان أحد قادة الحدود. وربما أخذوا اسم "أنقرة" من قصة للشاعر امرؤ القيس، فأدخلوها في قصة "هاشم". فلم تكن "أنقرة"، مقرّا للقياصرة إذ ذاك حتى يذهب هاشم إليها ليدخل على قيصر ويزوره فيها، بل كانت "القسطنطينية"، هي عاصمة البيزنطيين.

وقد فسر "الجاحظ" "الإيلاف"، انهُ جعلٌ فرضه هاشم على القبائل. لحماية مكة من الصعاليك ومن المتطاولين، إذْ قال: "وقد فسَّره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشما جعل على رؤوس القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أصل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الطوائل، كانوا لا يؤمنَون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدراً. مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب". فيفهم من ذلك إذن إن الإيلاف، هو نوع من تأليف قلوب سادات القبائل، لصدهم عن التحرش بأهل مكة ومن التعرض بقوافلهم، فألقهم هاشم وصاروا له مثل "المؤلفَة قلوبهم" في الإسلام. لا سيما وان بين الإيلاف و "ألف" "ألف بينهم" و "المؤلفة" صلة. وان فيما قاله "الجاحظ" عن "هاشم" من قوله: "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب... وجعل لهم معه ربحاً"، وبين تأليف القبائل صلة تامة، تجعل تفسير الإيلاف على انه عهود ومواثيق مع سادات القبائل في مقابل إسهامهم بأموالهم وبحمايتهم لقوافلَ قريش في مقابل ضرائب معينة تدفع لهم، وسهاماً من الأرباح تؤدى لهم، مع إعطائهم رؤوس أموالهم وما ربحته في الأسواق هو تفسير منطقي معقول. وبذلك كسبت قريش حياد هذه القبائل ودفاعها عن مصالحها.

وقد تعرض "الثعالبي" لموضوع "إيلاف قريش"، فقال: إيلاف قريش: كانت قريش لا تتاجر إلا مع من ورد عليها من مكة في المواسم وبذي المجاز وسوق عكاظ، وفي الأشهر الحرام لا تبرح دارها، ولا تجاوز حرمها، للتحمس في دينهم، والحب لحرمهم، والإلف لبيتهم، ولقيامهم لجميع من دخل مكة بما يصلحهم، وكانوا بواد غير ذي زرع.... فكان أول من خرج إلى الشام ووفد إلى الملوك وأبعد في السفر ومرّ بالأعداء، وأخذ منهم الإيلاف الذي ذكره إذ هاشم بن عبد مناف، وكانت له رحلتان: رحلة في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من ملوك الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. وكا يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين: إحداهما إن ذؤبان العرب وصعاليك الأعراب وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى إن أناساً من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً، كبني طيء وخثعم وقضاعة، وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له. ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويحمل لهم متاعاً مع متاعه، ويسوق إليهم إبلاً مع إبله ليكفيهم مؤنة الأسفار، ويكفي قريشاً مؤنة الأعداء، فكان ذلك صلاحاً للفريقين، إذ كان المقيم رابحاً، والمسافر محفوظاً، فأخصبت قريش، وأتاها خير الشام واليمن والحبشة، وحسنت حالها، وطاب عيشها. ولما مات هاشم قام بذلك المطلَّب، فلما مات المطلب قام بذلك عبد شمس، فلما مات عبد شمس قام به نوفل، وكان أصغرهم".

والى هذا الإيلاف أشر في شعر "مطرود الخزاعي" بقوله: يا أيها الرجل المحولّ رحله  هلا حلت بآل عبد منـاف

الآخذين العهد في إيلافهـم  والراحلين برحلة الإيلاف

وعمل قريش هذا هو عمل حكيم، بدّل وغيّر أسلوب تجارة مكة، بأن جعل لها قوافل ضخمة تمر بأمن وبسلام في مختلف أنحاء الجزيرة جاءت إليها نتيجة لذلك بأرباح كبيرة، ما كان في إمكانها الحصول عليها، لو بقيت تتاجر وفقاً لطريقتها القديمة، من إرسالها قوافل صغيرة للمتاجرة مع مختلف الأسواق، فكانت القافلة منها إذا سلبت، عادت بأفدح الأضرار المادية على صاحبها أو على الأسرة التي أرسلتها، وربما أنزلت الإفلاس والفقر بأصحابها، بينما توسعت القافلة وفقاً للطريقة الجديدة بأن ساهم بأموالها كل من أراد المساهمة، من غني أو صعلوك أو متوسط حال، ومن سادات قبائل. وبذلك توسع الربح، وعمت فائدته عدداً كبيراً من أهل مكة، فرفع بذلك من مستواها الاجتماعي، كما ضمن لقوافلها الأمن والسلامة، وصيرّ مكة مكاناً مقصوداً للأعراب.

ويذكر أهل الأخبار أنه كان المطلب وهاشم وعبد شمس، ولد عبد مناف من أمهم: "عاتكة بنت مر"ة السُلمية"، و "نوفل" من "واقدة"، قد سادوا بعد أبيهم عبد مناف جميعاً، وكان يقال لهم: "المجبرون"، وصار لهم شاًن وسلطان، فكانوا أول من أخذ لقريش "العِصَم"، أي "الحبال"، ويراد بها العهود. أخذ لهم هاشم حبلاَ من سوك الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلاً، من النجاشي الاكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى ارض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلاً من الاكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى ارض العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلاً من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجُبرت بهم قريش، فسمّوا المجبرين. حتى ضرب بهم المثل، فقيل: أقرش من المجبرين. والقرش الجمع والتجارة، والتقرش التجمع، والمجبرون هم الأربعة المذكورون.

وفي رواية أخرى إن "المطلب" هو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها إلى أرضه. وأن هاشم، هو الذي عقد الحلف لقريش من "هرقل" لأن تختلف إلى الشام آمنة. ولو أخذنا بهذه الرواية وجب إن يكون هاشم قد أدرك، أيام "هرقل" "610-641" "Heracleous I"، وهو أمر غير ممكن. لأن معنى ذلك انه عاش في أيام الرسول وأدرك رسالته. ولا يهم ورود اسم "هرقل" في هذه الرواية، فأهل الأخبار لا يميزون بين ملوك الروم، ويذكرون اسم "هرقل"، لأنه حكم في أيام الرسول وفي أيام الخلفاء الراشدين الأُول.

وإذا صحت الرواية، يكون "آل عبد مناف"، قد احتكروا التجارة وصاروا من أعظم تجار مكة. وقد وَزّعوا التجارة فيما بينهم، وخَصوا كل بيت من بيوتهم الكبيرة بالاتجار مع مكان من أمكنة الاتجار المشهورة في ذلك لعهد، وأنهم تمكنوا بهذه السياسة من عقد عقود تجارية ومواثيق مع السلطات الأجنبية التي تاجروا معها لنيل حظوة. عندها، ولتسهيل معاملاتها التجارية، فجنبَوا من هذه التجارة أرباحاً كبيرة.

فما كان في استطاعة "قريش" إرسال "غيرها" إلى بلاد الشام أو العراق أو اليمن أو العربية الجنوبية، بغير رضاء وموافقة ساحات القبائل التي تمر قوافل قريش بأرضها:، ورضاء هؤلاء السادات بالنسبة لقريش هو أهم جداً من رضاء حكومات بلاد الشام أو العراق أو اليمن عن مجيء تجار مكة إلى بلادها للاتجار في أسواقها، فما الفائدة من موافقة حكومات تلك البلاد على مجيء تجار مكة للبيع والشراء في أسواقها، إن لم يكن في وسع أولئك التجار تأمين وصول تجارتهم إليها، أو تاًمين سلامة ما يشترونه من أسواقها لايصاله إلى مكة أو إلى الأسواق الأخرى. هذا كان من أهم ما فعله تجار مكة في هذا الباب، هو عقدهم "حبالاً" و "عصماً" وعهوداً مع رؤساء القبائل، لترضيتهم بدفع جعالات معينة لهم أو تقديم هدايا والطاف مناسبة مغرية لهم، أو اشتراكهم معهم في تجارتهم. يقول الجاحظ في باب "فضل هاشم على عبد شمس"، "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب... وجُعل لهم معه ربح". وبهذه العقود المتنوعة سيطر تجار قريش على الأعراب، وحافظوا على أموالهم، وحدّوا من شره فقراء أبناء البادية إلى الغنائم. وصار في إمكانهم الخروج بكل حرية من مكة ومن الأسواق القريبة منها بتجارتهم نهو الأماكن المذكرة بكل أمن وسلام.

ولما كان البحث في هذا الموضع، هو في تأريخ مكة بصورة عامة، لذلك فسأترك الكلام عن "الإيلاف" إلى الموضع المناسب الخاص به، وهو التجارة والاتجار، وعندئذ سأتكلم عنه بما يتمم هذا الكلام العام.

ويذكر أهل الأخبار إن عبد شمس وهاشماً توأمان، وقد وقع بينهما تحاسد، وانتقل هذا التحاسد إلى ولد الاخوين، حتى في الإسلام.

وذكروا إن "أمية بن عبد شمس" حسد عمهّ هاشماً، وكان أمية ذا مال، فدعا عمّه إلى المنافرة، فرضي عمّه بذلك مكرهاً، على إن يتحاكما إلى الكاهن "الخزاعي"، فنفَّر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل التي نافر عليها من أمية، فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، بحسبُ حكم الكاهن، وكان هاشم قد نافر على الجلاء عن مكة عشر سنين. فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.

ويذكر أهل الأخبار إن أمية بن عبد شمس كان من جملة من ذهب من رجال مكة إلى "سيف بن ذي يزن" لتهنئته بانتصار اليمن على الحبش وطردهم لهم. وقد دخل عليه مع وفد مكة في "قصر غمدان". وكان مثل أبي 3 عبد شمس حامل لواء قريش، أي انه كان يحملها في الحرب.

وكان هاشم أول من مات من ولد عبد مناف، مات بغزة فعرفت ب "غزة هاشم"، وكان قد وفد بتجارة إليها فمات بها، ومات عبد شمس بمكة، فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من ارض اليمن. ويتبين من ذلك إن جميع هؤلاء الاخوة، ما خلا عبد شمس، ماتوا في ارض غريبة، ماتوا تجاراً في تلك الديار.

وورد في رواية أخرى، إن هاشماً خرج هو وعبد شمس إلى الشام، فماتا جميعاً بغزة في عام واحد. وبقي مالهما إلى إن جاء الإسلام، وأجياد جبل مكة على رأي، وموضع مرتفع في الذرا غربيّ "الصفا" كما ورد ذلك في شعر للأعشى. ذكر إن "مضاضاً" ضرب في ذلك الموضع اجياد مائة رجل من العمالقة، فسمي الموضع بذلك "اجياد".

ويذكر الأخباريون: إن هاشماٌ كان قد خرج في عير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة، فنزلوا ب "سوق النبط"، فصادفوا سوقاً مقامة، فباعوا واشتروا، ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق تأمر بما يشترى ويباع لها. وهي حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها: أ أيّم هي، أم ذات زوج? فقيل له" أيّم، كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها إن أمرها بيدها" فاذا كرهت رجلاً، فارقته، وهي "سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنيم بن عديّ بن النجار"، وهو "تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج".، فخطبها فزوّجته نفسها، ودخل بها، وصنع طعاماً، دعا إليه من كان معه من أهل مكة، ودعا من الخزرج رجالاً. وأقام بأصحابه اياماً، وعلقت "سلس" بعبد المطلب. وكانت "سلمى"، قد تزوجت من "أُحَيْحَة بن الجُلاّح بن الحريش بن جَحْجَبا الأوسي"، وهو من المعروفين في قومه كذلك.

ويذكر أهل الأخبار، إن عمر هاشم لما توفي، كان عشرون سنة، ويقال خمساً وعشرين. وهو عمر قصير إذا قيس بما يذكره أهل الأخبار ويوردونه عنه من اتجار وأعمال، أعمال لا تتناسب مع تلك السن.

ومن سادات مكة في هذه الأيام "قيس بن عدي بن سهم" من بني هصيص ابن كعب"، قد تكاثروا بمكة، حتى كادوا يعدلون بعبد مناف. وهو الذي منع "عديّ بن كعب" و "زهرة بن كلاب" من "بني عبد مناف"، ومنع "بني عديّ" أيضاً، من "بني جمح". وكان "عبد المطلب بن هاشم" ينفر ابنه "عبد المطلب"، وهو صغير، ويقول: كأنه في العز قيس بن عـديّ  في دار قيس ينتدى أهل الندى 

مما يدلّ إن صح إن هذا الشعر هو من شعر "عبد المطلب" حقاً، على إن "عديّاً" كان اعزّ رجال قريش في أيامه، حتى ضربوا به المثل في العزّ. وأنه كان سيّد قومه" بنو سهم بن هصيص بن كعب.

ومن ولد هاشم "عبد المطلب"، وأمه من أهل يثرب من بني التجار فهي خزرجية تدعى "سلمى بنت عمرو بن زيد" على نحو ما ذكرت قبل قليل. تزوّجها هاشم في أثناء رحلة من رحلاته التي كان يقوم بها إلى الشام للاتجار.

ولما مات هاشم بغزة ولدت سلمى "عبد المطلب"، ومكث عند أخواله سبع سنين، ثم عاد إلى قومه بمكة، عاد به عمه "المطلب". ولما كبر تولى السقاية والرفادة وتزعم قومه.

ويذكر أهل الأخبار، إن هاشماً كان قد أوصى إلى أخيه "المطلب"، فبنو هاشم وبنو المطلب يد واحدة. وبنو عبد شمس وبنو نوفل يد. ومعنى هذا إن نزاعاً كان قد وقع بين أبناء هاشم وأبناء إخوته، جعلهم ينقسمون إلى فرقتين.

ويذكر أهل الأخبار إن اسم عبد المطلب، هو "شيبة". وقد عرف بن الناس بعبد المطلب، لان عمّه "المطلب" لما حمله من يثرب إلى مكة، كان يقول للناس، هذا عبدي، أو عبدٌ لي، فسُميّ من ثم بعبد المطلب، وشاعت بين قومه أهل مكة حتى طغت على اسمه. وقيل انه عرف بين أهل مكة ب "شيبة الحمد" لكثرة حمد الناس له، وكان يقال له "الفيّاض" لجودة، و "مطعم طير السماء" و "مطعم الطير" لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال.

وقد كان "المطلب." عمّ "عبد المطلب" مثل سائر أفراد أسرته وأهل مكة تاجراً، فخرج إلى أرض اليمن تاجراً، فهلك ب "ردمان" من اليمن.

وهم يروون انه كان مَفزَع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وانه كان من حلماء قريش وحكمائها، وممن حرم الخمر على نفسه، وهو أول من تحنث بغار حراء. والتحنث التعبد الليالي ذوات للعدد. وكان إذا دخل شهر رمضان، صعده وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلي من الناس، ليتفكر في جلال الله وعظمته. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر للطواف بالبيت.

وذكر انه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور. وكان يقول" لن. يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه، وان وراء هذه الدار، داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته. ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحَّد الله. وروي" انه وضع سنناً جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنة بها. منها" الوفاء بالنذر، وتحريم الخمر والزنا، وان لا يطوف بالبيتُ عُريان. وذكر انه كان أول من سنّ دية النفس مئة من الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشرا من الإبل، فجرت في قريش والعرب مئة من الإبل. وأقرها رسول الله على ما كانت عليه.

ويذكرون إن قريشاً كانت إذا أصابها قحط شديد، تأخذ بيد عبد المطلب، فتخرج به إلى جبل ثَبِبر، تستسقي المطرْ.

وقد وقع خلاف بين عبد المطلب وعمه "نوفل"، كان سببه إن نوفل بن عبد مناف، وكان آخر من بقي من بني عبد مناف، ظلم عبد المطلب على أركاح له، وهي الساحات، فلما أصر نوفل على انكاره حق عبد المطلب، تدخل عقلاء قريش في الأمر على رواية أهل مكة، أو أخوال عبد المطلب، وهم من أهل يثرب. فأكره "نوفل" على إنصاف عبد المطلب حتى عاد إليه حقه.

ومن أهم أعمال "عبد المطلب" الخالدة إلى اليوم "بثر زمزم" في المسجد الحرام، على مقربة من البيت. وهي بئر يذكرون إنها بثر إسماعيل، وان جرهماً دفنتها، وإنها تقع بين أساف ونائلة في موضع كانت قريش تنحر فيه. فلما حفرها "عبد المطلب"، أقبل عليها الحجّاج وتركوا سائر الآبار.

ويذكر أهل الأخيار إن عبد المطلب لما كشف عن بئر زمزم، وجد فيها دفائن، من ذلك غرالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما، وأسياف قلعية، وأدراع سوابغ، فجعل الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب أحد الغزالين صفائح من ذهب، وجعل المفتاح والقفل من ذهب فكان أول ذهبُ حلِّيته الكعبة. وجعل الغزال الأخر في الجبّ الذي كان في الكعبة أمام هبل. وذكر إن قريشاً أرادت منعه من الحفر، ولكنه أصر على إن يحفر حتى يصل إلى موضع الماء، وذلك بسبب رؤيا رآها، عينت له المكان، وأوحت إليه انه موضع بئر قديمة طمرت وعليه إعادة حفرها.

ويذكر الأخباريون، إن عبد المطلب، لما حلى بالمال الذي خرج من بئر زمزم الكعبة، جعله صفائح من ذهب على باب الكعبة. فكان أول ذهبُ حلّيته الكعبة. وتذكر بعض الروايات، إن ثلاثة نفر من قريش عدوَا على هذا الذهب وسرقوهْ. وتذكر رواياتهم انه ضرب الأسياف التي عثر عليها في البئر باباً للكعبة، وضرب بالباب الغزالين من ذهب.

ويظهر من وصف أهل الأخبار لما فعله "عبد المطلب" جمن ضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة، ومن جعل المفتاح والقفل من ذهب، أو من ضرب أحد الغزالين صفائح على الباب، وجعل الغزال الآخر في الجبّ الذي كان أمام "هُبَلْ" أي الغبغب، إن الكعبة لم تكن على نحو ما يصفها أهل الأخبار من البساطة والسذاجة، بغير سقف وذات جدر ضمة بقدر قامة إنسان. إذْ لا يعقل إن يضرب وجه باب الكعبة بالذهب وتوضع في داخلها تلك النفائس وهي على تلك الحالة، للهم إلا اذا شككنا قي أمر هذه الروايات وذهبنا إلى إنها من نوع القصص الذي وضعه أهل الأخبار.

وقد طغى ماء "بئر زمزم، على مياه آبار مكة الأخرى. فهو أولاً ماء مقدس، لأنه في أرض مقدسة، وفي المسجد الحرام، ثم هو أغزر وأكر كمية من مياه الآبار الأخرى، وهو لا ينضب مهما استقى أصحاب الدلاء منه، ثم انه ألطف مذاقاً من مياه آبار مكة الأخرى. وقد استفاد "عبد المطلب" من هذه البئر، مادياً وأدبياً، وصارت ملكاً خالصة له، على الرغم من محاولات زعماء مكة والمنافسين له مساهمتهم له في حق هذه البئر، لأنها في أرض الحرم، والحرم حرم الله، وهو مشاع بين كل أهل مكة. وصار يسقي الحجاج من هذه البئر، وترك السقي من حياض الأدم التي كانت بمكة عند موضع بئر زمزم، وصار يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقي الحاج.

وكان أبناء "قصي" قبل حفر بئر "زمزم" يأتون بالماء من خارج مكة-كما يقول أهل الأخبار-ثم يملأون بها حياضاً من أدم ويسقون الحجاج، جروا بذلك على سنة "قصيّ"، فلما حفرت بئر زمزم، تركوا السقي بالحياض من المياه المستوردة من خارج مكة، وأخذوا يسقونهم منِ ماء زمزم.

وقد كان عبد المطلب يزور اليمن بين الحين والحين، فكان إذا وردها نزل على عظيم من عظماء حمير. ويذكر أهل الأخبار إن أحد هؤلاء عَلَّم عبد المطلب صبغ الشعَّر، وذلك بأن أمر يه فخضب بحناء، ثمُ عُلِيَ بالوسمة، وصار يصبغ شعره بمكة، وخضب أهل مكة بالسواد. ويذكرَ أهل الأخبار أيضاً انه اتصل بملوك اليمن، وأخذ منهم إيلافاً لقومه، بالاتجار مع اليمن. وكانت قريش تنظم عيراً إلى اليمن في كل سنة.

وبذكر "المسعودي" إن "معد يكرب" حينما ولي الملك باليمن، أتته الوفود لتهنئه بالملك. وكان فيمن وفد عليه من زعماء العرب، "عبد المطلب"، و "خويلد بن أسد بن عبد العزّى" وجد أميّة بن أبي الصلت، وقيل" أبو الصلت أبوه. فدخلوا عليه في قصره بمدينة صنعاء" قصر غمدان. ويذكر له، كلاماً قاله عبد المطلب له، وجواب "معد يكرب" عليه. ويذكر أيضاً إن "عبد المطبب" كان فيمن وفد على "سيف بن ذي يزَنَ" ليهنئه بطرد الحبش.

ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع كما كان قصي، إذ. كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالاّ وسلطاناً. إنما كان وجيه قومه، لأنه كان يتولى السقاية والرفادة وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت. وقد تكون صلته هذه، هي التي جعلته يذهب أبرهة لمحادثته في شؤون مكة والبيت.

ويروي أهل الأخبار إن عبد المطلب كان قد نذر: لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم ان يذبح أحدهم. فلما تكاملوا عشرة، هم بذبح أحدهم، فضرب بالقداح فخرج القداح كل عبد الله، ولكن القوم منعوه، ثم أشاروا عليه بان يرضي الله بنحر إبل فدية عنه، وكان كما ضرب القداح بخرج على عبد الله حتى يلبغ العدد مئة فخرج على الإبل. فنحرها بين الصفا والمروة. وخلىّ بينها وبين كل من يريد لحمها من إنسيّ أو أسبع أو طائر، لا يذب عنها أحداً، ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئاً. وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين. إذْن فيكون ذلك حوالي سنة "565" للميلاد.

وكان لعبد المطلب ماء بالطائف، يقال له "ذو الهرم" وكان في أيدي ثقيف ردحاً، ثم طلبه عبد المطلب منهم، فأبوا عليه. وكان صاحب أمر ثقيف" "جندب بن الحارث" فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن "العذري"، وكان يقال له" "عزى سلمة"، وكان ببلاد الشام، وتنافرا على إبل، وأتيا الكاهن، فنفر عبد المطلب عليه، فاًخذ عبد المطلب الإبل فنحرها.

وقد نادم "عبد المطلب" على عادة أهل مكة جماعة من أقرانه، لقد كانت عادتهم إن يجتمعوا مساءَ فيتحادثوا أو يشربوا ويأكلوا أو يستمعوا إلى غناء، حتى يحل وقت النوم، وكان ممن نادمهم عبد المطلب "حرب بن أمية"، ثم اختلف معه، ونافره عند "نفيل بن عبد العُزّى" جد "عمر بن الخطاب"، فنفره على "حرب"، فافترقا. وكان سبب افتراقه عنه، إغلاظ "حرب" القول على يهوديّ كان جوار عبد المطلب. وتذكر رواية أخرى إن عبد المطلب و "حرب"، تنافرا أولا إلى النجاشي الحبشي، ولكنه أبى إن ينفر بينهما، فذهبا إلى نفيل. وأن "حرب بن أمية" غضب حين نفر عبد المطلب عليه، وقال له: إن من انتكاس الزمان إن جعلناك حكماً، وصار نديماً لعبد الله ابن جدعان.

وذكر "ابن الأثير" إن سبب افتراق "عبد المطلب" عن "حرب"، كان بسبب جار عبد المطلب اليهودي، واسمه "أُذَيْنَةَ"، وكان تاجراً وله مال كثير، فغاظَ ذلك "حرب بن أمية"، فأغرى به فتياناً من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله. فقتله "عامر بن عبد مناف" و "صخر بن عمرو بن كعب التَيْميَ"، فلم يعرف عبد المطلب قاتله، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، وإذا ما قد استجارا بحرب بن أمية، فأتى حرباً ولامه وطلبهما منه، فأخفاهما، فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة، فلم يدخل بينهما، وذهبا إلى نفيل. وترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان، وأخذ من حرب مئة ناقة، فدفعها إلى ابن عم اليهوديّ، وارتجع ماله، إلا شيئاً هلك، فغرمه من ماله.

وقد صاهر عبد المطلب، رجال من أسر معروفة بمكة، فصاهره "كُريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"، وكانت عنده "أم حكيم"، وهي "البيضاء بنت عبد للطلب". وصاهره "أبو أميةّ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكانت عنده "عاتكة بنت عبد المطلب"، و "عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكانت عنده "برة بنت عبد المطلب". وناسبه "أبو رُهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي"، خلف على "برة" بعد عبد الأسد. وصاهره "جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن. دودان بن أسد بن خزيمة"، وكانت عنده "اميمة بنت عبد المطلب"، و "العْوّام ابن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى"، خلف على "صفية بعد عمير بن وهب". ويذكر إن "عبد المطلب"، كان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالاً له. وكانت عادة سادة مكة تمضية أوقاتهم في مسجد الكعبة، حيث يجلسون في ظل الكعبة أو في فنائها يتحدثون ويتسامرون، ثم يذهبون إلى بيوتهم.

وفي أيام عبد المطلب كانت حملة "أبرهة" على مكة. وقد أرخت قريش بوقوعها، وصيرت الحملة مبدءاً لتأريخ، لأهميتها بالنسبة لمكة. وقد تركت أثراً كبيراً في نفوس قريش، بدليل تذكير القرآن لهم بما حلّ ب "أصحاب الفيل"، على نحو ما تحدثت عنه في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.

وقد رأينا إن "عبد المطلب" وقد أشار على قومه بالتحرز بشعاب الجبال، ويترك البيت وشأنه لأن للبيت رباً يحميه، وبعدم التحرش بالحبش وتركهم وشأنهم. والظاهر انه وجد إن عدد الأحباش كان كبيراً وان من غير الممكن مقاومتهم.والذبّ عن مكة في الوادي. ثم إنها حرم آمن، لا يجوز القتال فيه، وليس فيها حصون وآطام يُتَحصنَّ بها، لهذا رأى الرحيل عن الوادي والاحتماء برؤوس الجبال، والأشراف منها على الدروب والطرق، فذلك انفع وأحمى للمال وللنفس. ثم إن من الممكن مباغتة الحبش منها ومهاجمتهم وإنزال خسائر بهم حين يشاؤون ويقررون، على حين تكون القوة والمنعة في ايدي الأحباش لو حصروا أنفسهم بمكة، اذ يكونون في منخفض بينما العدّو على شُرف يشرف عليهم، وليس في إمكانهم مقاومته، وليس لهم حصون ولا مواضع دفاع. فتكون الغلبة لأبرهة حتماً، وقد نجحت فكرة عبد المطلب، ولمُ يُصب أهل مكة بسوء.

وقد كان من عادة أهل مكة، انهم إذا داهمهم الخطر توقَّلوا الجبال واعتصموا بها، ولما حاصرهم الرسول عام الفتح، هرب أكثرهم واعتصموا برؤوس الجبال، إذ ليس في إمكانهم الحرب والصمود في البطحاء.

ومات "عبد المطلب" بعد إن جاوز الثمانين. مات في ملك "هرمز بن أنو شروان"، وعلى الحيرة قابوس بن المنذر، أخو "عمرو بن المنذر" على رواية، وعمر الرسول ثمان سنين. ومعنى ذلك انه توفي في حوالي السنة "578" للميلاد. ولما حمل على سريره، جزت نساء "بني عبد مناف" شعورهن، وشق بعض الأولاد قمصانهم، حزناً على وفاته. ودفن بالحجون. وذكر انه لم يقم بمكة سوق أياماً كثيرة لوفاة عبد المطلب.

وذكر إن عبد المطلب كان أول، من تحنث بحراء، وكان إذا أهل هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج حتى ينسلخ الشهر، ويطعم المساكين. وكان يعظّم الظلم بمكة ويكثر الطواف بالبيت.

ومن ولد عبد المطلب" عبد الله وهو والد الرسول، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة وأميمة. وعدة ولده اثنا عشر رجلا وست نسوة.

ولم يكن ولد عبد المطلب من رجال مكة الأثرياء، وكل ما كان عندهم ثراء روحي، استمدوه من اسم "قصيّ" وهاشم. فكانوا من وجهاء مكة من هذه الناحية. إما من ناحية المادة والمال، فلم يكونوا من السباقين فيه. لقعد كانوا وسطا، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة. مات "عبد الله"، ولم يخلف لأهله شيئاً، ومات أبو طالب، وحالته المالية ليست على ما يرام. لقد تهانوا تجاراً يخرجون بتجارتهم على عادة فيهم إلى بلاد الشام، أو إلى اليمن فيبيعون ويشترون، ولكنهم على ما يبدو من الأخبار لم يتمكنوا من جمع ثروة تغنيهم وتجعلهم من أغنياء مكة. وقد توُُفيّ "عبد الله" وهو في طريقه من. "غزة" إلى مكة، وكان قد اقبل بتجارة له، فنزل بالمدينة وهو مريض، وتوفي هناك، وأن "عبد المطلب" بعث إليه "الزبير بن عبد المطلب" أخاه، ودفن في دار النابغة. وأنه ترك عند وفاته "أم أيمن"، حاضنة الرسول، وكان يُسميها" "أميّ"، فأعتقها وخمسة أجمال أوارك، وقطعة غنم، وسيفاً مأثوراً، وورقا.

وخرج "أبو طالب" بتجارة له في "عير قريش" ولكنه لم يتمكن من كسب شيء يربحه ويسعده من كل تجاراته. وآية ذلك إن الرسول اخذ منه ابنه "علياً"، ليشف عنه مشقة الأنفاق. على ولده، وأخذ "العباس" "جعفراً" منه لينفق عليه. ووضعٌ مثل هذا لا يدل على يسر. وكانت له مع فقره هذا وجاهة عند أهله وقومه. قيل: "لم يَسُد من قريش ممِقِ إلا عتبة وأبو طالب، فانهما سادا بغير مال". وقال "عليّ" في والده" "أبي ساد فقيراً وما ساد فقير غيره". وذكر إن عياله كانوا في ضيقة وخدة. لا يكادون يشبعون لقلة ما عندهم.

وعتبة بن ربيعة، هو أبو هند زوج "أبي سفيان"، وهي أم معاوية. ويذكر أهل الأخبار أيضاً" "ساد عتبة بن أبي ربيعة وأبو طالب، وكانا أفلس من أبي المزلق. وهو رجل من بني عبد شمس، لم يكن يجد مؤنة ليلته، وكذا أبوه وجدّه وجد جدّه كلهم يعرفون بالافلاس".

ويظهر إن "عبد شمس" و "نوفل" و "مخزوم"، كانوا قد تمكنوا من منافسة "عبد المطلب" و "آل هاشم" على التجارة، ومن انتزاع نجارة بلاد الشام منهم، ومن مزاحمتهم في الاتجار مع اليمن والعراق، حتى حصلوا على ثراء طائل، صيرّهم من أغنى رجال مكة، وجعل لهم التفوق على البلد، حتى صار رجال من "بني مخزوم" من أغنى رجال مكة. وكذلك رجال من "عبد شمس".

وتعدّ "أيام الفجار" من الحوادث المؤثرة في تأريخ مكة. وهي أفجرة. وإنما سميت بذلك لأنها كانت في الأشهر الحرم، ومن أهمها "فجار البراض"، نسبت إلى "البراض بن قيس" الذي قتل "عروة الرحّال" "عروة بن عتبة الرحال"، اذ جانب "قدك" بأرض يقال لها "أوارة"، فأهاج مقتله الحرب بين "قريش" ومن معها من "كنانة" وبين "قيس عيلان"، وكانت الدبرة على "قيس". وذكر في رواية أخرى، إن الفجارات الأربعة" فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر الغفاري، وهو الفجار الأول، وفجار القرد، وفجار المرأة، والفجار الرابع هو فجار البراض. وان يوم "البراض" أو يوم نخلة، هو أعظم أيّام الفجار، وكان البراض قد قدم باللطيمة إلى مكة، فأكلها، وهي لطيمة "النعمان بن المنذر"، التي وضع "النعمان" زمامها بيد "عروة بن عتبة الرحال"، وكان سُمّي الرحال لرحلته إلى الملوك. فكان ذلك مما الحرب. وقد رأس قريش: حرب بن أُمية، وكان موضعه في القلب، وعبد الله ابن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى، فالتقوا ب "نخلة"، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل. فكان اليوم لهوازن.

وذكر إن هذا اليوم قد وقع بعد عشرين سنة من عام الفيل. وقد شهد الرسول وعمره عشرون سنة.

ثم إن قريشاً وبني كنانة لقوا هوازن بشمطة. وعلى بني هاشم" الزبير بن عبد المطلب، وعلى بني عبد شمس وأحلافها" حرب بن أمية، وعلى بني عبد الدار وحلفائها" عكرمة بن هاشم، وعلى بني أسد بن عبد العزى" خويلد بن أسد، وعلى بني زهرة" مخرمة بن نوفل، وعلى بني تيم: عبد الله بن جدعان، وعلى بني مخزوم: هاشم بن المغيرة، وعلى بني سهم: العاص بن وائل، وعلى بني جمح: أمية بن خلف، وعلى بني عديّ: زيد بن عمرو بن نفيل، وعلى بني عامر بن لؤي: عمرو بن شمس، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجرّاح، وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس، وعلى الأحابيش: الحليس الكناني، فالتقوا أول النهار على هوازن، فصبروا. ثم استحر القتل في قريش، وانهزم الناس.

وروي إن "البراض بن قيس" لقي "بشر بن أبي خازم" الأسدي الشاعر، فأخبره الخبر، وأمر إن يعلم ذلك "عبد الله بن جدعان" و "هشام ابن المغيرة"، و "حرب بن أمية" و "نوفل بن معاوية الديلي" و "بلعاء ابن قيس"، فوافى "عكاظا"، فأخبرهم فخرجوا إلى الحرم، وبلغ "قيساً" الخبر، فخرجوا في آثارهم فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، ولم تقم في تلك السنة "عكاظ". ومكثت "قريش" وغيرها من "كنانة" و "أسد" بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش، وهم الحارث بن عبد مناة وعضل والقارة وديش والمصطلق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد مناة، سنة يتأهبون للحرب، لإنذار "قيس" لها. وتأهبت "قيس عملان" وسارت على "قريش"، وكان فيها "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر"، و "سُبيع بن ربيعة بن معاوية النصري" و "دريد بن الصعمة"، و "مسعود بن معتب الثقفي" و "أبو عروة بن مسعود" و "عوف بن أبي حارثة المرّي" و "عباس بن رعل السُلمي". واستعدت "قريش". ورؤساؤها "عبد الله بن جدعان"، و "هشام ابن المغيرة"، و "حرب بن أمية" و "أبو أحيحية سعيد بن العاص"، و "عتبة بن ربيعة"، و "العاص بن وائل"، و "معمر بن حبيب الجمحي"، و "عكرمة بن هاشم"، وخرجوا متساندين. ويقال بل أمرُهم إلى عبد الله بن جدعان. فالتقوا فكانت الدبرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهر لقريش وكنانة على قيس، فقتلوهم قتلاً ذريعاً. فاصطلحوا على إن عَدّوا القتلى، وودت قريش لقيس ما قتلت فضلاً عن قتلاهم، وانتهت الحرب. وقد شهد الرسول هذه الفجار، ورمى فيها بسهم، فكان يوم حضر ابن عشرين سنة، وكان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة.

وأغلب حروب الفجار معارك ومناوشات، ولم تكن حروباً بالمعنى المفهوم من كلمة "حرب". إما أهميتها وسبب اشتهارها فلوقوعها في شهور حرم ولخروج المتحاربين فيها على سنة قريش ودينهم في تحريم القتال في هذه الشهور. ولهذا السبب حفظ ذكرها وجاء خبرها في كتب أهل الأخبار. وقد كان النصر فيها على كنانة وقريش في الغالب. وهو شيء مفهوم معقول. فقد كانت "قيس عيلان" كما كانت "هوازن" قبائل محاربة تعيش على الغزو والقتال، بينما كانت "قريش قبيلة مستقرة اتخذت التجارة لها رزقاً، كما عاشت على الأرباح التي تجنيها من مجيء الأعراب إليها في مواسم الحج أو أيام العمرة ومن الامتيار من أسواقها. وقوم هذا شأنهم في حياتهم وفي تعاملهم لا يمكن إن يميلوا إلى الغزو والقتال، بل كانوا يحبون حياة السلم والاستقرار، يشترون السلم ولو عن طريق ترضية الأعراب بتقديم الأموال لهم والهدايا والهبات. لذلك لم يصر رجالها رجال حروب وقتال، بل صاروا رجال سياسة ومساومة ومفاوضات تنتهي بنتائج طيبة بالنسبة لهم، لا يمكن إن يحصلوا عليها من القتال.

وقد راس "الزبير بن عبد المطلب" بني هاشم، غير إن رئاسته هذه لم تكن متينة وقد كان في جملة من شهد "حلف الفضول" في دار "عبد الله ابن جدعان". كما رأس "بني هاشم" في حرب الفجار. وذكر انه كان نديماً لمالك بن عُميلة بن السباق بن عبد الدار. وقد تاجر الزبير مع بلاد الشام إلاّ انه لم ينجح في تجارته على ما ظهر، بدليل انه لم يكن موسراً. وذكر انه كان أحدُ حكام العرب الذين يتحاكمون إليهم.

وحلف الفضول من الأحداث المهمة التي يذكرها أهل السير والأخبار في تأريخ مكة. وإذا صحّ ما يذكرونه من انه عقد بعد الفجار بشهور، وفي السنة التي وقع فيها الفجار الذي حضره الرسول، ومن إن الرسول حضره وهو ابن عشرين سنة، فيجب إن يكون عقد هذا الحلف قد تم في حوالي السنة "590" للميلاد. ويذكر إن الذي دعا إليه هو الزبير بن عبد المطلب.

وقد شهد حلف الفضول بنو هاشم وبنو زهرة وبنو تيم وذكر انهم تعاهدوا على إن يكونوا مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه، وفي التآسي في المعاش. وقد عقد منصرف قريش من الفجار وكان الفجار في شوّال وعقد الحلف في ذي العقدة. وذكر أيضاً انهم "تحالفوا ألاُ يظلم أحد بمكة إلا قاموا معه حتى ترد ظلامته". وقد ذكره الشاعر "نبيه بن الحجاج السمي". وليس لأهل الأخبار رأي ثابت عن سبب تسمية هذا الحلف بحلف الفضول. فذكر بعضهم انهُ سُمي بذلك لأنهم تحالفوا إن يتركوا عند أحد فضلاً يظلمه أحداً إلا أخذوه له منه. وقيل" سُميّ به تشبيهاً بحلف كان قديماً بمكة أيام جرهم على التناصف والأخذ للضعيف من القوي والغريب من القاطن. وُسميّ حلف الفضول، لأنه قام به رجال من جرهم كلهم يسمى الفضل، فقيل حلف الفضول جمعاً لأسماء هؤلاء.

وذكر انهُ سميّ حلف الفضول، لأن قريشاً قالت: هذا فضول من الحلف، فسمي حلف الفضول. وقيل لأن قريشاً تعاقدوا فيما بينهم على "مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم". وهو في بعض الروايات تحالُف ثلاثة من الفضلين على ألا يروا ظلماً بمكة إلا غيرّوه. وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن نصاعة. فسُمي من ثم باسمهم" حلف الفضول.

وذكر اكثر أهل الأخبار، إن الغاية التي أريد بها منه، هي إنصاف المظلومين من أهل مكة، من الضعفاء والمساكين ومن لا يجد له عوناً ليحميه ويدافع عن حقوقه، وإنصاف الغرباء الوافدين على مكة من حجاج أو تجار، ممن يعتدي عليهم فيأخذ أموالهم أخذاً ويأكلها ولا يدفع لأصحابها عنها شيئاً. فذكر إن رجلاً من "زبيد" من اليمن، وكان يباع سلعة له "العاصَ بن وائل السهمي"، فمطله الثمن حتى يئس، فعلا جبل "أبي قيس"، وقريش في مجالسها حول الكعبة، فنادى رافعا صوته يشكو ظلامته، ويطلب أنصافه مستجيراً بقريش، فمشت قريش بعضها إلى بعض، وكان أول من سعى في ذلك "الزبير بن عبد المطلب"، واجتمعت في "دار الندوة"، وكان ممن اجتمع بها من "قريش" "بنو هاشم" و "بنو المطلب" و "زهرة" و "تيم" و "بنو الحارث"، فاتفقوا على انهم ينصفون المظلوم من الظالم، فساروا إلى دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا هنالك.

وذكر إن رجلا من "بني أسد بن خزيمة" جاء بتجارة فاشتراها رجل من "بني سهم"، فأخذها السهمي وأبى إن يعطيه الثمن، فكلّم قريشاً وسألها أعانته على أخذ حقه، فلم يأخذ له أحد بحقه، فصعد الأسدى "أبا قيس"، وصرخ بشعر يشكو فيه ظلامته، فتداعت قريش، وعقدت حلف الفضول.

وقيل لم يكن من "بني أسد"، ولكنه "قيس بن شيبة السلُمي"، باع متاعاً من "أبي خلف الجمحي" وذهب بحقه، فاستجار ب "آل قصي"، فأجاروه، فكان ذلك سبب عقد حلف الفضول. وقيل" بل كان الرجل من "بارق"، فلما يئس من أخذ حقه من "أبي"، صعد في الجبل ورفع عقيرته بقوله: يا للرجال لمظلومٍ بضاعتـه  ببطن مكة نائي الدار والنفر

إن الحرام لمن تمتً حرامته  ولا حرام لثوب الفاجر الغدر 

فلما سمعه "الزبير بن عبد المطلب"، أجابه: حلَفتُ لنعقدن حِلفْاً عليهـم  وإن كُنّا جميعاً أهـل دار

نسُميّه الفضول إذا عقدنـا  يقربه الغريب لذي الجوارَ 

ثم قام وعبد الله بن جدعان، فدعوا قريشاً إلى التحالف والتناصر والأخذ لمظلوم من الظالم، فأجابوهما، وتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان، فهذا حلف لفضول.

وذكر إن رجلاً من "خثعم" قدم مكة ومعه بنت وضيئة، فاغتصعبها منه "نبيه بن الحجاج"، فقيل له عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة، ونادى: يا لحلف الفضول، فاجتمعوا حوله، واستردوا الجارية من نبيه. وقالوا له: "ويحك. فقد علمت من نحن وما تعاهدنا عليه" فأعادها إليه.

ويظهر من هذا الخبر إن حلف الفضول كان قد عقد قبل هذه الحادثة، وان جماعته كانت شديدة متراصة في دفع الحق إلى أهله واسترجاعه ممن اغتصبه كائناً ما كان.

ويظهر إن هذا الحلف استمر قائما إلى وقت ما في الإسلام، ثم فقد قيمته، فمات. فورد انه كان بين "الحسين بن عليّ بن أبي طالب" وبن "الوليد بن عتبة بن أبي سفيان" منازعة في مال متعلق بالحسين، فماطله الوليد. "فقال الحسين للوليد" أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، ثم لأدعون لحلف الفضول، فلما بلغ ذاك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه".

وقد تفسر دعوة "الحسين". المذكورة، بأن الحسين، لم يقصد بقوله "لأدعون لحلف الفضول"، الحلف القديم المعروف، وإنما قصد لأدعون لحلف كحلف الفضول، وهو نصرة المظلوم على ظالمه. لم قد أبده على حقه جماعة، منهم عبد الله بن الزبير، مما دفع الوليد على إرجاع حق الحسين،. خشية وقوع فتنة وتدخّل في هذه الخصومة. ومعنى هنا أننا لا نستطيع إن نستنتج من الخبر المتقدم، إن حلف الفضول كان قد بقي إلى ذلك العهد.

ويرجع حلف للفضول إلى أحلاف سابقة على ما يتبين من أخبار أهل الأخبار. إلى عهد "هاشم" والى ما قبل أيام هاشم. والظاهر إن أهل مكة، بعد إن اجتمعوا وتكتلوا في واد ضيق وفي أرض فقيرة، وجدوا إن من العسير عليهم رؤية حفنة منهم وقد اسًتأثرت بالمال والغنى، بينما عاش الكثير بينهم في فقر وفاقة. وانهم إن أصموا آذانهم عن سماع نداء الإغاثة، فإن حالة من الذعر، ستسود مدينتهم. لذلك تواصوا فيما بينهم على مواساة أهل الفاقة وجبْر خاطر المحتاج، وعلى تراحمهم فيما بينهم وتواصلهم. وكان مما فعلوه لرفع مستوى الفقر، وللقضاء على الفوارق الكبيرة التي صارت فيما ببن سادات مكة وسوادها، إن حثوا كل مكيّ على المساهمة في أموال القوافل، حتى إذا ما عادت رابحة، ُوزعت أرباحها على هؤلاء أيضاً، كلّ حسب مقدار ما ساهم به من مال في القافلة. وبذلك خفف أهل مكة من حدة التضاد الذي كان بين النقيضين. وأمنوا من تطاول الشباب الفقراء على الأغنياء. بأن فتح بعض الأغنياء أبواب بيوتهم للجياع، فآووهم وساعدوهم على نحو ما جاء في شعر لمطرود بن كعب الخزاعي إذ يقول: هبلتك أملك لو حللت بدارهـم  ضمنوك من جوع ومن اقراف 

وقو له: والخالطين غنيهم بفقيرهـم  حتى يصير فقيرهم كالكافي 

والعطف على الفقراء ومواساة الضعفاء وذوي الحاجة من خلال الأشراف السادات. لأنهم إن لم يغيثوا الغائث ويرحموا المسكين فمن يرحمهم إذن على وجه هذه الأرض! وقد مدح من يجلط الفقير بالغني فيساوي بينهما، وذم من يبيت شبعاناً وجاره يبيت خامصاً لا شيء عنده يعتمد عليه.

وكان من أهم الأحداث التي وقعت في أيام الرسول، يوم كان في الخامسة والثلاثين، بناء الكعبة. بسبب سيل ملأ ما بين الجبلين، ودخل الكعبة حتى تصدعت، أو بسبب حريق أصاب أستار الكعبة، فتصدعت، فعزمت قريش على بنائها، فهدمتها وأعادت بناءها. وذكر إن قريشاً كانت قد أفردت ببناء كل ربع من أرباع البيت قوماً، وكان ذلك بقرعة بينهم. فلما انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يضعه وتشاحوا عليه، فرضوا بأول من يدخل من الباب. فكان أول من دخل رسول الله، فوضعه بيده، بعد إن قال: ليأت من كل ربع من قريش رجل، وبذلك فض النزاع. ويجب إن يكون حادث بناء البيت إذن في حوالي السنة "605" للميلاد.

وجهاء مكة

وكان أمر مكة إلى وجهاء أمرها، مثل "بنو مخزوم"، و "بنو عبد شمس"، و"بنو زهرة"و "بنو سهم" و"بنو المطلب" و"بنو هاشم"و "بنو نوفل" و "بنو عديّ" و "بنو كنانة" و "بنو أسد" و "بنو تيم" و "بنو جمح" و "بنو عبد الدار" و "بنو عامر بن لؤي" و "بنو محارب بن فهر" وذكر بعض أهل الأخبار، إن الشرف والرياسة في قريش في الجاهلية في "بني قصيّ"، لا ينازعونهم ولا يفخر عليهم فاخر. فلم يزالوا ينقاد لهم ويرأسون. وكانت لقريش ست مآثر كلها لبني قصيّ دون سائر قريش. فها الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والرياسة. فلما هلك "حرب بن أمية"، وكان حرب رئيساً بعد المطلب، تفرقت الرياسة وللشرف في "بني عبد مناف". فكان في بني هاشم" الزبير وأبو طالب وحمزة، والعباس بن عبد المطلب. وفي بني أمية: أبو احيحة، وهو سعيد بن العاص بن امية، وهو "ذو العمامة"، كان لا يعتم أحد بمكة بلون عمامته إعظاماً له. وفي بني المطلب: عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. و "عبد يزيد" هو "المحض لا قذى فيه." وفي "بني نوفل": المطعم بن عديّ بن نوفل. وفي بني أسد بن عبد العزُى: خويلد ابن أسد، وعثمان بن الحويرث بن أسد. وقد كانت النبوة والخلافة لبني عبئ مناف، ويشركهم في الشورى: زهرة وتيم وعدي وأسد: وقد اختص "بنو كنانة" بالنسيء. فكان نسأة الشهور منهم. وهم "القلامسة". وكانوا فقهاء العرب والمفتين لهم في دينهم. فمكانتهم أذن بين الناس هي مكانة روحية، فبيدهم الفقه والإفتاء.

ومكة وان كانت مجتمعاً حضرياً، أهله أهل مدر في الغالب، غير إنها لم تكن حضرية تامة الحضارة بالمعنى الذي نفهمه اليوم، لأن الحياة فيها كانت مبنية على أساس العصبية القبلية. المدينة مقدمة إلى شعاب، والشعاب هي وحدات اجتماعية مستقلة، تحكمها الاسر، وبين الأسر نزاع وتنافس على الجاه والنفوذ نزاع وان لم يقلق الأمن ويعبث بسلام المدينة، الا انه اثر في حياتها الاجتماعية أثراً خطيراً، انتقلت عدواه إلى أيام الإسلام.

لقد حاول بعض رؤسائها ووجوهها التحكم بأمر مكة،. وإعلان نفسه ملكاً عليها محلي رأسه بالتاج شأن الملوك المتوّجين، ولكنه لم يفلح ولم ينجح. حتى ذكر آن بعضهم التجأ إلى الغرباء، لمساعدتهم بنفوذهم السياسي والمادي والعسكري في تنصيب أنفسهم ملوكاً علها، فلم ينجحوا، كالذي ذكروه عن "عمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى"، المعروف ب "البطريق"، من انه طمع في ملك مكة، فلما عجز عن ذلك، خرج إلى قيصر، فسأله إن يملّكه على قريش، وقال: احملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عهداً وختمه بالذهب، فهابت قريش "قيصر" وهمّوا إن يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب، أبو زمعة، فصاح، والناس في الطواف" إن قريشاً لقاح! لا تملك ولا تملك، وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى" إلا إن مكة حي لقاح، لا تدين لملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، ولم يتم له مراده، فمات عند ابن جفنة. فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله. وابن جفنة هو عمرو بن جفنه الغساني.

ولم يكن عمان بن الحويرث أول زعيم جاهلي فُتن بالملك ويلقب ملك، الحبيب إلى النفوس، حتى حمله ذلك على استجداء هذا اللقب والحصول عليه بأية طريقة كانت، ولو عن سبيل التودد إلى الأقوياء الغرباء والتوسل إليهم، لمساعدتهم في تنصيبهم ملوكاً على قومهم. ففي كتب أهل الأخبار والتواريخ أسماء نفر كانوا على شاكلته، فتنهم الملك وأعماهم الطمع وحملهم ضعف الشخصية وفقر النفس حتى عاما التوسل إلى الساسانيين والروم، لتنصيبهم على قومهم ومنحهم اللقب الحبيب، ووضع التاج على رأسهم، في مقابل وضع أنفسهم وقومهم في خدمة السادة المساعدين أصحاب المنة والفضل.

لقد استمات عمان بن الحويرث في سبيل الحصول على ملك مكة، حتى ذكر انه تنصر وتقرب بذلك إلى الروم، وحسنت منزلته عندهم. ومن يدري? فلعله كان مدفوعاً مأموراً حرضه الروم ودفعوه للحصول على المدينة المقدسة، ليتمكنوا بذلك من السيطرة على الحجاز والوصول إلى اليمن والسيطرة على العربية الغربية والعربية الجنوبية. وإخضاع جزيرة العرب بذلك لنفوذهم. ولقد جمع القوم ورغبهم وأنذرهم وحذرهم بغضا الروم عليهم إن عارضوا مشروعه وقاوموا تنصيبه ملكاً عليهم. قائلا لهم: "يا قوم، إن قيصر قد علمتم امانكم ببلاده وما تصيبون من التجارة في كنفه. وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم، وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجُراب من القرظ والعكة من السمن والأوهاب، فأجمع ذلك، ثم اذهب إليه. وأنا أخاف إن ابيتم ذلك إن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه".

واذ صحَّ إن هذا الكلام هو كلام "عمان بن الحويرث" حقاً، وانه خاطب به قومه لحثهم على الاعتراف به ملكاً على مكة، فانه يكون كلام رجل عرف من أين يكلم قومه، وكيف يأتيهم! فقد هددهم باًن الروم سيمنعونهم من الاتجار مع الشام إن خالفوه ولم يبايعوه ولم يسلموا له بالملك، وقد كلفه "قيصر" به.. لأنه يعلم إن تجارة قريش مع بلاد الشام هي مصدر من أهم مصادر رزقهم. ولهذا ظن بأنهم سيخضعون له ويقبلون بما جاء به،. ولكن أشراف مكة من أصحاب المال والفوذ، لم يحملوا هذا التهديد محمل الجد، فالروم لا يهمهم أمر "عمان" كثيراً، ثم إن تهديدهم بقطع تجارة قريش مع الشام، تهديد لا يمكن تحقيقه، وحدود الشام طويلة ومفتوحة، ولعلّهم وجدوا إن كلام "عثمان" هو ادعاء لم يصدر عن الروم، تفوه به، من حيث لا يعلمون. فلم يقيموا له وزناً.

ولم يذكر أهل الأخبار شيئاً عن لقب "البطريق" الذي منحوه ل "عثمان ابن الحويرث". ولا أظن إن الروم قد منحوه له، لأنهم لم يكونوا يمنحون هذا اللقب المهم إلا لكبار العاملين في خدمتهم، ممن أدى لهم خدمات جليلة، ولا أظن انه يشير إلى درجة دينية، لأنه لم يشتهر بين النصارى شهرة كبيرة ولم ينل من العلم والمكانة ما يؤهله لأن يكون "بطريارخاً" على الكنيسة. وقد ذكر علماء اللغة إن "البطرق"، القائد، معرب، وهو الحاذق بالحرب وأمورها، وهو ذو منصب عند الروم. فلا يعقل إن يكون "عثمان"، قد نال هذه المنزلة عند البيزنطيين. وهي منزلة لم ينلها إلا بعض ملوك الغساسنة مع صلتهم القوية بهم.

ومما يذكره أبر الأخبار عن "عثمان" هذا، انه كان في رؤساء حرب الفجار من قريش. وانه كان من "بني أسد بن عبد العزّى"، وانه كان أحد الهجائين.

ومن وجهاء مكة وساداتها المقدمين المعروفين" عبد الله بن جدعان، وكان ثريّاً واسع الثراء، كما كان كريماً، أسرف في أواخر عمره في إكرام الناس وبالغ في إعطائهم حتى حجر رهطه عليه لما أسن، فكان إذا أعطى أحداً شيئاً، رجعوا على المعطى فأخذوه منه. فكان إذا سأل سائل، قال: "كن مني قريباً إذا جلست، فإني سألطمك، فلا ترضَ إلا بأن تلطمني بلطمتك، أو تفتدى لطمتك بفداء رغيب ترضاه". والى هذا الحادث أشار ابن قيس الرقيّات: والذي إن أشار نحوك لطماً  تبع اللطم نائل وعـطـاء

وينسبه النسابون إلى "بني تيم بن مرة"، ويقولون في نسبه إنه "عبد الله ابن جدعان بن عمرو بن كعب بن سد بن تيم بنُ مرة". وهو ابن عم والد الخليفة "أبي بكر"، ويذكرون "انه كان في ابتداء أمره صعلوكاً ترب اليدين، وكان مع ذلك شريراً فاتكاً، لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وعَومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف إن لا يؤويه أبداً، فخرج في شعاب مكة حائراً مائراً يتمنى الموت إن ينزل به، فرأى شقاً في جبل، فظن إن فيه حية، فتعرض للشق يرجو إن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم يجد شيئاً، فدخل فيه"، فإذا به أمام غار هو مقبرة من مقابر ملوك "جرهم"، وفيه كنوز وأموال من أموالهم ثمينة من بينها "ثعبان" مصنوع من ذهب، له عينان من ياقوت.

ووجد جثث الملوك على أسرّة، لم يرَ مثلها، وعليها ثياب من وشي، لا يُمَسُ منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان، فأخذ من الغار حاجته ثم خرج، وعلَّم الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، فسادهم، وجل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس، ويفعل المعروف. وكان كلما احتاج إلى مال ذهب، فاستخرج ما محتاج إليه من ذلك الكنز حتى صار من أغنى أغنياء مكة.

فثراء "عبد الله بن جدعان" هو من هذا الكنز على زعم رواة هذه القصة التي يتصل سندها ب "عبد الملك بن هشام" راوية "كتاب التيِجان"، وهو كتاب مليء بالأقاصيص والأساطير. وقد تكون القصة صحيحة، فعثور الناس على كنوز ودفائن من الأمور المألوفة، وقد عثر غيره ممن جاؤوا قبله أو جاؤوا بعده على كنوز، بل ما زال الناس حتى اليوم يعثرون عليها مصادفة أو في أثناء الحفر والتنقيب. والشيء الغريب فيها هو هذا التزويق والتنميق، وهو أيضاً شيء مألوف بالنسبة الينا، وغير غريب وقد تعودنا قراءته، فمن عادة القصاصين ورواة الأساطير والأباطيل الإغراب في كلامهم والكذب فيه لأسباب لا مجال لذكرها هنا، وعلى رأس هذه الطائفة "وهب بن منبه"، صاحب "كتاب التيجان".

وذكر انه لثرائه كان لا يشرب ولا يأكل إلا بآنية من الذهب والفضة، فعرف لذلك ب "حاسي الذهب".

ويذكر أهل الأخبار إن "عبد الله بن جدعان" كان نخلهاً، له جوار يساعين، ويبيع أولادهن. فكانت جواريه تؤجر للرجال، وما ينتج عن هذا السفاح من نسل، يربى، فيبقي منه عبد الله ما يشاء ويبيع منه ما يشاء. ولكنه مع اتجاره بالرقيق، وعلى النحو المتقدم، كان كما يقولون يعتق الرقاب ويعين على النوائب، ويساعد الناس و. يقضي الحاجات، ولا سيما بعد تقدمه في السنّ.

ولا يستبعد إن يكون ما ذكره أهل الأخبار عن "عبد الله بن جدعان"، هو من صنع حساده ومبغضيه، ممن حسدوه على ما بلغ إليه بمكة من مركز وجاه. ومثل هذا التشنيع على الناس شائع مألوف. لا سيما وقد كان في الأصل فقيراً غير موسر، فغني بجسر واجتهاده فتقوّل عليه حساده من أهل زمانه تلك الأقوال.

وقد عرف "ابن جدعان" بإكرام الناس وبالإنفاق على أهل مدينته وروى أهل الأخبار أمثلة عديدة على جوده وسخائه. من ذلك ما رووه من انه كان قد وضع جفنة كبيرة ملاها طعاماً ليأكل منها الناس، وكانت الجفنة على درجة كبيرة من السعة بحيث غرق فيها صبي كان قد سقط فيها. وذكروا إن الرسول قال: لقد كنت أستظل بطل جفنة عبد الله بن جدعان صكَّةُ عميَّ،أي وقت الظهيرة. ووصفوا الجفنة فقالوا إنها "كانت لابن جدعان في الجاهلية، يطعم فيها الناس، وكان يأكل منها القائم والراكب لعظمها". يأكل الراكب منها، وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها.

وذكروا انه كان يطعم التمر والسويق ويسقي اللبن، حتى سمع قول أمية بن أبي الصلت: ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم  فرأيت أكرمهم بني الديّان

البر يُلْبَكُ بالشهاد طعامهم  لاماُ يعللنا بنوُ جـدعـان

فبلغ ذلك عبد الله بن جدعان، فوجه إلى اليمن من جاءه بمن يعمل الفالوذج بالعسل، فكان أول من أدخله بمكة. وجعل منادياً ينادي كل ليلة بمكة على ظهر الكعبة إن هلموا إلى جفنة ابن جدعان. فقال أمية بن أبي الصلت: له داعّ بمكة مشـمـعـل  وآخر فوق كعبتها ينـادي

إلى ردحٍ من الشيزى ملاءٍ  لُباب البر يلبك بالشهـاد.

ويذكر أهل الأخبار إن "أمية" كان قد أتى "بني الديان" فدخل على "عبد المدان بن الديان" من بني الحارث بن كعب بنجران، فإذا به على سريره، وكاًن وجهه قمر، وبنوه حوله، فدعا بالطعام، فأتي بالفالوذج، فأكل طعاماً عجيباً، ثم انصرف فصّال في ذلك الشعر المذكور، فلما بلغ شعره "ابن جدعان"، أرسل ألفي بعير إلى الشام تحمل إليه البر والشهد والسمن، وجعل له مناديين يناديان: أحدهما بأسفل مكة والآخر بأعلاها، وكان أحدهما سفيان بن عبد الأسود، والآخر أيا قحافة، وكان أحدهما ينادي؛ ألا من أراد اللحم والشحم، فليأت دار ابن جدعان، وينادي الآخر: إن من أراد الفالوذج فليأتَ إلى دار ابن جدعان. وهو أول من أطعم الفالوذج بمكة.

وذكر "الجاحظ" إن من اشرف ما عرفه أهل مكة من الطعام، هو "الفالوذ" ولم يطعم الناس منهم ذلك الطعام، إلا عبد اللّه بن جدعان.

ولبعض أهل الأخبار رواية أخرى في كيفية وقوف "ابن جدعان" على الفالوذ "الفالوذج" وإدخاله إلى مكة، وترجع هذه الرواية مصدره إلى الفرس، فيقول" وفد "ابن جدعان" على كسرى، فأكل عنده الفالوذ، فسأل صفه، فقيل له" هذا الفالوذ. قال: وما الفالوذ? قالوا" لبُاب البُريُلْبَكُ مع عسل النحل. فأعجبه، فابتاع غلاماً يعرف صنعه، ثم قدم به مكة معه، ثم امره فصنع له الفالوذ بمكة، فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر، فحضر الناس. فكان فيمن حضر أميَّة ابن أبي الصَّلْت.

وذكر انه كان يضع "الحَيْس" على أنطاع على الأرض ليأكل منها القاعد والراكب. والحيَس" الأقط، يخلط بالتمر والسمن. وقد يجعل عوض الأقط الدقيقُ والفَتيت. وقيل، الحيْس" التمر والأِقطُ يُدقآن ويعجنان بالسَمنَ عجناً شديداً حتى يندر النوى منه نواةً نواة، ثم يسوّى كالثريد. وهو الوَطبْة أيضاً، إلا إن الحيْس ربما جعُل فيه السويق، واما الوطبة فلا.

ويروي أهل الأخبار إن أهل مكة كانوا يفدون على مائدة "ابن جدعان"، وأن رسول الله كان فيمن حضر طعامه.

وروي إن الرسول لما أمر بأن يستطلع خبر القتلى من قريش يوم بدر، وأن تلتمس جثة "أبي جهل" في القتلى، قال لهم: "انظروا إن خفي عليكم في القتلى، إلى اثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوماً أنا وهو على مأدبة لعبد الله ابن جدعان، ونحن غلامان. وكنت اشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه"، فخدشت ساقه وانهشمت ركبته، فأثرها باقٍ. في ركبته". فوجدوه كذلك.

ويذكر أهل الأخبار إن "عبد الله بن جدعان" كان قد مثل قومه "بني تيم" في الوقت الذي أرسلته قريش إلى "سيف بن ذي يزَن"، واسمه "النعمان بن قيس"، لتهنئته بظفره بالحبشة، وإخراجهم من وطنه. وكان هذا الوفد في. وفود من العرب جاءته لتهنئته، وفيها شعراء وأشراف وسادات قبائل. ولّهد كان في وفد قريش: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وخويلد بن أسد، ووهب بن عبد مناف. وقد قدمت تلك الوفود إلى صنعاء، ودخلت قصره: قصر غُمدان.

ويروى إن عبد الله بن جدعان كان عقيماً، لم يولد له ولد. فتبنى رجلاً سماه "زهيراً"، وكنّاه "ابا مليكة"، فولده كلهم ينسبون إلى "أبي مليكة". وفقد "أبو مليكة" فلم يرجع.

وكانت له بئر بمكة تسمى "الثريا". وقد ذكر إن "بني تَيْم" حفروها. وذكر إن دار عبد الله بن جدعان كانت في "ربع بني تيم"، وكانت شارعة على الوادي. وكانت داراً فخمة، وبقيت مشهورة معروفة بمكة حتى بعد وفاته. وبهذه الدار عقد "حلف الفضول"، وذلك لشرفه ومكانته بين أهل مكة إذ ذاك. ولثرائه الضخم دخْل كبير في ذلك، ولا شك. وقد صيت للمدعوين طعاماً.ضيراً قدمه إليهم، ثم عقد الحلف. وكان الرسول ممن شهده، وهو ابن عشرين أو خمس وعشرين. وكان يتذكره ويقول: "لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفاً ما أحبّ إن لي به حمر النعم. ولو دعي به في الإسلام لأجبت". أو "أما لو دعيت في الإسلام لأجبت، وأحبّ إن لي به حمر النعم. وأني نَقَصتُه وما يزيده الإسلام إلا شدة".

وقد تكون حلف الفضول من هاشم، و "المطلب"، و "أسد"، و "زهرة"، و "تيم"، وربما من "بني الحارث بن فهر" أيضاً. وهم الذين كونوا حلف المطيبين. ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى إن حلف الفضول، هو استمرار للحلف المذكور، اذ تألف من الأسر التي كانت ألفت ذلك الحلف ما خلا "بني عبد شمس" و "بني نوفل". وكان قد وقع نزاع بين "نوفل" و"عبد المطلب ابن هاشم"، فعلّه كان السبب في عدم انضمام "نوفل" إلى هذا الحلف.وقد تعاون "نوفل" و "عبد شمس"، ووجدا في استطاعتهما التعاون بينهما من غير حاجة إلى الدخول في حلف الفضول. ولهذا لم يكن حلف الفضول، في نظر هؤلاء، غير حلف من أحلاف الأسر، ولم يكن على رأيهم لنصرة الضعيف وأنصاف المظلوم، على نحو ما جاء في روايات أهل الأخبار.

وروي انه لمكانة "عبد الله" التي بلغها عند قومه وعند العرب، كانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إليه حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا.

وكان يحافظ على الأمانات محافظة شديدة ة فما جاءه "حرب بن أمية"، صديقه، وهو من وجهاء مكة وأثريائها كذلك، قائلاّ له: احتبس قبَلَكَ سلاح هَوازن وذلك يوم نخلة من أيام الفجار الثاني، أجابه ابن جدعان: أبالغدر تأمرني، يا حرب? والله لو اعلم انه لم يبقَ منها سيف إلا ضُربت به، ولا رمح إلا طعنت به، ما أمسكت منها شيئا. ثم أبى إلا تسليم السلاح إليهم.

وقد اسهم "ابن جدعان" في أيام الفجار، وكان على "بني تيم". وأمدَّ قومه بالسلاح والمال، فأعلى مئة رجل سلاحاً تاماً كاملاّ، وذلك "يوم شمطة" غير ما ألبس من بني قومه والأحابيش. وحمل مئة رجل على مئة بعير، وقيل: ألف رجل على ألف بعير، وذلك "يوم شرب". أو يوم عكاظ. وله أخ اسمه "كلدة بن جدعان" قتل في الفجار.

وكان "ابن جدعان" يشرب الخمر على عادة الجاهليين في شربها، بقي يشربها حتى كبر، فعافها. ودخل فيمن عاف الخمر على كِبَره من سادات. قريش وأشرافها. وكان من عادتهم إذا كبروا ولعب بهم العمر، حرموا شرب الخمر على أنفسهم. "ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية الا ترك الخمر استحياء مما فيها من الدنس. ولقد عابها ابن جدعان قبل موته".

ويروون في سبب تركه لها قصتين" قصة تقول انه عافها لأنه سكر مرة ففقد رشده فاعتدى على أمية بأن لطم عينه، فندم على ما فعل حين سمع بالخبر، وقال: "وَبَلَغَ مني الشراب ما أبلغ معه من جليس هذا المبلغ? فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليّ حرام، ألا لا أذوقها أبداً" ثم قال شعراً في ذم الخمر وفي وصف حاله اذ ذاك.

ومن الرقيق الذي كان في ملك "ابن جدعان" واكتسب شهرة في الإسلام "صهب الرومي". بيع في سوق النخاسة، ثم وضع في شراء "ابن جدعان"، وبقي في ملكه إلى إن هلك سيده، ويقال انه اعتقه وهو في حياته وأنه لازمه حتى مماته.

وقد كان "ابن جدعان" يلتزم من يستجير به، ويحمي من يأوي إليه. وكان "الحارث بن ظالم" قاتل "خالد بن جعفر بن كلاب"، وهو في جوار ملك الحيرة في جملة من لجأ إلى "ابن جدعان" حين طلبه ملك الحيرة، وبقي في جواره وبمكة حتى أتاه ملك الحيرة. ويقال إن "الحارث بن ظالم" قدم على عبد الله بن جدعان بعكاظ، وهم يريدون حرب قيس. فلذلك نكس رمحه، ثم رفعه حين عرفوه وأمن. وكانوا إذا،خافوا فوردوا على من يستجيرون به، أو جاءوا تصلح، نكسوا رماحهم. ويوم عكاظ من أيام الفجار.

ورجل ثري وجيه له مكانة ومنزلة عند بني قومه، لا بد إن يصير مرجعاً للناس، يرجعون إليه في المنازعات والخصومات، ليحكم بينهم بما لديه من رجاحة عقل وسلطان، لذلك كان في جملة حكام العرب، الذين تحوكم إليهم.

ولأمية بن أبي الصلت شعر في مدح "عبد الله بن جدعان"، نجده في ديوان أمية وفي كتب الأدب. وقد كان من المقربين عند "أبي زهير" ومن المكرمين له بسخاء. وكان يعطيه دائماً، ونجد لأمية شعراً يطلب فيه من "ابن جدعان" إعطاءه مالاً.

وكان هلاك "ابن جدعان" قبل سنوات قبل المبعث. وذكر "البلاذري" إن هلاكه كان "قبل المبعث ببضع عشرة سنة. ولما مات دفن بمكة. وذكر في رواية أخرى انه دفن بموضع "برك الغماد"، وراء مكة بخمس ليال بينها وبين اليمن مما يلي البحر أو بين حلى وذهبان وفيه يقول الشاعر: سقى الأمطار قبر أبي زهير  إلى سقف إلى برك الغمـاد

ومن رجال مكة الأغنياء "الأسود بن المطلب" المعروف ب "أبي زمعة". و "زمعة" ابنه، قتل يوم "بدر" في جملة من قُتل من رجال قريش. وكان يقال له" "زاد الركب". وقد عرف ولده الأسود ب "زاد الركب" كذلك. وكان الأسود ممن، أدرك أيام الرسول وعارضه، وعَدّه "ابن حبيب" في جملة المستهزئين من قريش بالرسول، وممن مات كافراً، بعد إن أصابه. العمر.

وكان "الأسود" نديماً للأسود بن عبد يغوث الزهري. وكانا من اعز قريش في الجاهلية، وكانا يطوفان بالبيت متقلدين بسيفين سيفين. وكانا من المستهزئين بالرسول. وذكر إن "الأسود بن عبد يغوث" كان إذا رأى المسلمين، قال لأصحابه: "قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر. ويقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: أما كلمت اليوم من السماء، يا محمد وما أشبه هذا القول". مات حين هاجر. النبي، ودفن بالحجون.

وكان "زمعة بن الأسود"، تاجراً، متجره إلى الشام. وعرف بالدقة في العمل وفي وضع خطط سفره وتجارته. "فكان إذا خرج من عند أبيه في سفر، قال: اسير كذا وكذا، وآتي البلد يوم كذا وكذا، ثم اخرج يوم كذا وكذا، فلا يخرم مما يقول شيئاً".

ومن سادات قريش" "يزيد بن زمعه بن الأسود". وكانت إليه المشورة. وذلك إن رؤساء قريش لم يكونوا مجتمعين على أمر حتى يعرضوه. عليه، فان وافقه، ولاّ هم عليه، وإلا تخير، وكانوا له أعواناً. وقد اسلم، واستشهد مع الرسول بالطائف.

ويعد حرب بن أمية من وجهاء مكة وسيداً من سادات كنانة. وكان أمر كنانة كلها إليه يوم شمطة. واشترك يوم عكاظ، وقيد نفسه ومعه سفيان وأبو سفيان بن أمية بن عبد شمس، وذلك كي يثبتوا في أماكنهم، ويتقوى بذلك قومهم فيثبتوا في القتال. وكان من أثرياء مكة المعروفين.

ومن سادات مكة: "هشام بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكان له ولبنيه صيت بمكة وذكر عالٍ. وذكر انه كان سيد قريش في دهره. ولما مات صار يوم موته من أيام مكةً المشهورة، حتى انهم أرّخوا بموته. ونادى منادي مكة في أمثال هذه المناسبات: "اشهدوا جنازة ربكم". وكان سيداً مطعاماً. وطل يوم وفاة "هشام" يوماً يؤرخ به سبع سنين إلى إن كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة، فأرخوا بها. وهو من الرجال الذين نعتوا بين قومهم ب "زاد الركب"، لأنه كان يقري المسافرين الذين يسافرون معه.

ومن أبناء "هشام بن المغيرة" المذكور "أبو جهل" و "الحارث بن هشام". أما "الحارث بن هشام"، فقد عرف بالكرم والجود. ذكر إن داره كانت مفتوحة للضيوف. يدخلون وإذا جفان مملومة خبزاً ولحماّ. وهو جالس على سرير يحث الناس على الأكل. ويروى إن "ابا ذر" قدم مكة معتمراً، فقال" "أما من مضيف?" قالوا" "بلى كثير وأقربهم منزلاً الحارث بن هشام". فأتى بابه، فقال: "أما من قرى?". فقالت له جارية: "بلى". فأخرجت إليه زبيبا في يدها. فقال: "ولِمََ لمْ تجعليه في طبق?" فعلم انه ضيف. وقالت: "ادخل" فدخل. فإذا بالحارث على كرسي وبين يديه جفان فيها خبز ولحم وأنطاع عليها زبيب. فقال: "أصب". فأكل ثم قال: "هذا لك". فأقام ثلاثاً ثم رجع إلى المدينة، فأخبر النبي خبره. فقال: "انه لسري ابن سري. وددت انه أسلم". وكان نديماً لحكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد.

وأما "أبو الحكم" عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن محزوم ابنُ مرّة". فكان من رجال "بني مخزوم" المعدودين، ومن المعادين للإسلام، بل كان على رأس أشد الناس عداوة للرسول. وقد كَناّه الرسول ب "أبي جهل" لأنه كان يكنى قبل ذلك ب "أبي الحكم" فاشتهر بهذه الكنية، حتى لم يعد يعرف إلا بها في الإسلام. وكان من المقتسمين. وهم سبعة عشر رجلاً من قريش، اقتسموا عقاب مكة. فكانوا إذا حضروا الموسم يصدون الناس عن رسول الله. وفيهم نزلت: "كما أنزلنا على المقتسمين" وكان من المطعمين لحرب يوم بدر. نحر عشراً. وكان نديماً للحكم بن أبي العاص بن أمية. و "الحكم" هذا هو الطريد.

وأخبر "ابن الكلبي"، إن أخوين من "بني سليم"، دخلا مكة معتمرين فما وجدا. بها شراءً ولا قرى. فبينا هما كذلك إذ رأبا قوماً يمضون، فسألا "أين هؤلاء القوم?" فقيل لهما: يريدان الطعام. فمضيا في جملتهم حتى أتوا داراً فولجوها. فإذا رحل آدم، أحول، على سرير وعليه حلة سوداء وإذا جفان مملوءة خبزاً ولحماً. فقعدوا فأكلوا. فشبع أحد الأخوين وقال لأخيه: "كم تأكل? أما شبعت?". فقال الجالس على السرير: "كل فإنما جعل الطعام ليؤكل". فلما فرغوا خرجوا من باب الدار غير الذي دخلوا منه. فإذا هم بإبل موقوفة. فقالوا: "ما هذه الإبل?" قيل: الطعام الذي رأيتم. وكان الرجل الجالس على السرير: صاحب الطعام. فإذا به أبو جهل بن هشام.

ويظهر انه كان قاسياً قسا حتى على النساء، فعذب عدداً منهن بنفسه عذاباً أليماً. عذب "زنيرة"، وكانت لبني مخزوم حتى عميت، وعذب غيرها حتى هلكت، وممن هلكن "سمية" أم عمار بن ياسر. وكان يأتي من يسلم، فيكلمه ليفتنه عن دينه: يأتي الرجل الشريف، ويقول له" أتترك دينك ودين أبيلك، وهو خير منك? ويقبح رأيه وفعله، ويسفه حلمه. وان كان تاجراً يقول له: ستكسد تجارتك، ويهلك مالك. وان كان ضعيفاً، أوصى بمن يعذبه، حتى يترك دينه. جاء مرة دار أبي بكر، فلما لم يجده لطم خدّ أسماء ابنته لطمة طرح قرطها. وكان فاحشاً بذيئاً.

ويذكر أهل الأخبار انه كان لا يبالي في أكل حقوق الغرباء القادمين إلى مكة، فماطل مرة في أثمان إبل اشتراها من رجل من "أراش"، وماطل مرة أخرى في إبل أخذها من رجل من "زبيد"، ولم يدفع أثمانها ولم يعوض عنها إلا بالتجاء الرجلين إلى النبيّ، فأخذ حقهما منه، وانتصف منه. ويظهر إن "أبا جهل" وان كان قاسياً بغيضاً للرسول مؤذياً له، غير انه كان يخشاه إذا رآه ووقف امامه، واما ايذاؤه له، فكان بانتهاز غفلة يعتدي فيها على الرسول، أو بتحريض غيره للتحرش به.

وعرف "عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية" بالجود. وذكر انه كان معرقاً به. كان جوادا ابن جواد ابن جواد ابن جواد.

وكان الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، من أشراف مكة وسادتها. وقد عرف بين قومه ب "العدل". وذكر انه إنما عرف بتلك، لأنه كان يعدل قريش كلها، فكانت قريش تكسو الكعبة جميعها، ويكسوها الوليد وحده، وذلك لثرائه وغناه. قبل انه كان له مال وزع بالطائف، وكان يملك حديقة بها غرس فيها الأشجار والفواكه. وقد كان لذلك متعالياً متغطرساً، فلما أظهر الرسول الإسلام، كان مثل بقية سراة مكة وأغنيائها من المعادين له، لأنه أنف إن يتبع رجلاً هو دونه في المال والاسم والثراء. فكافح الإسلام، واستهزأ بالرسول وبالإسلام، وكان أحد "المستهزئين" الذين نزلت بحقهم آيات تعنفهم وتوبخهم وتصفهم بالكفر وبالغرور والاستكبار، وانه كان يرى إن من الذلة الخضوع للرسول لأنه دونه مالاً ونفراً.

وقد كان "الوليد" الحُكّام الذين تحوكم اليهم، واليه تحاكم بنو عبد مناف في موضوع قتل "خداش" إنساناً منهم. وقد عرف ب "ابن صخرة" نسبة إلى أمه. وذكر انه كان في جملة من حَرّم في الجاهلية الخمر على نفسه وضرب فيها ابنه هشاماً على شربها. وقد عدّه "ابن حبيب" في جملة زنادقة قريش، وذكر انه وجماعته تعلموا الزندقة من نصارى الحِيرة، ولم يفسر قصده من الزندقة.

ويذكرون إن "الوليد" كان أسنّ قريش يوم حكم في قضية "خداش"، وحكم فيها ب "القَسامة"، فكان بذلك أول من سنّ "القسامة" في قريش.

ومات الوليد بعد الهجرة بثلاثة أشهر أو فيها، ودفن بالحجون، وذكر "محمد بن حبيب" إن "أبا أحيحة" كان نديماً للوليد بن المغيرة. على عادة القوم في اتخاذ الندماءْ.

وأبو "أحيحة" هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، المعروف ب "ذي العمامة"، لأنه كان لا يعتم أحد بمكه بلون عمامته إعظاماً له. كما عرف ب "ذي التاج" وذلك للسبب نفسه. وقد ذكوه "أبو قبيس بن الأسلت" في شعر ينسب إليه. وكان مثل أكثر رجال قريش تاجراً. قدم مرة الشام في تجارة، فحبسه "عمرو بن جفنْة"، حبسه مع هشام بن سعد العامري، وبقي في محبسه حتى جاء بنو عبد شمس، فافتدوه بمال كثير.

وكان أبو أحيحة ممن أخذتهم العزة من أشراف مكة، فلم يقبلوا الدخول في الإسلام. وممن أظهر عداوته للرسول، خاصة بعد تحريض النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة له على معاداته. وقد كان مثل سائر أشراف مكة يرى إن الأمر العظيم يجب إن يكون في العظماء. وهو من العصبة التي أشير إليها في هذه الآية: )وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظم، أهم يقسمون رحمة ربك(.

وقد مات أبو أحيحة بماله في الطائف في السنة الأولى، أو في السنة الثانية من الهجرة، مات في كافراً، وقد بني له قبر مشرف. وقد رأى أبو بكر قبره، فسبه، فسبً ابناه أبا قحافة، فنهى النبي عن سبّ الأموات، لما يثير ذلك من عداوة بين الأحياء، ولما فيه من إهانة للأموات.

وقد ساهم "أبو أحيحة" بثلاثين ألف دينار في رأس مال القافلة التي تولى قيادتها أبو سفيان. ومبلغ مثل هذا ليس بشيء قليل بالنسبة إلى الوضع المالي في تلك الأيام.

ومن سادة قريش: الأسود بن عامر بن السبّاق بن عبد الدار بن قصي.

ومن رجال بني فهر: في ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب. وكان فارس قريش في الجاهلية، وأدرك الإسلام. وكان شاعراً فارسياً، وقد أخذ مرباع بني فهر في الجاهلية.

ومن رجال بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس. كان فارس قريش في الجاهلية، بل فارس كنِانة. قتله علي بن أبي طالب. ومن "يني عبد ودّ"، سهيل بن عمرو، وكان من رجال قريش في الجاهلية، ثم أسلم، وهو الذي بعثته قريش يحكم الهدنة بينهم وبن النبي يوم الحديبية.

ومن سادات قريش: قيس بن عديّ بن سعد بن سهم. وقد ضرب به المثل في العز، حتى قيل: "كأنه في العزّ قيس بن عديّ". وكان يأتي الخمار وبيده مقرعة، فيعرض عليه خمره، فإن كانت جيدة، وإلا قال له: "أجد خمرك، مم يقرع رأسه وينصرف". وذكر انه كانت له قينتان يجتمع إليهما فتيان قريش: أبو لهب وأشباهه، وهو الذي أمرهم بسرقة الغزال من الكعبة، ففعلوا، فقسمه على قيانه، وكان غزالاً من ذهب مدفوناً، فقطعت قريش رجالاً ممن سرقه، وأرادوا قطع يد أبي لهب، فحمته أخواله من خزاعة.

وذكر إن "مقيس بن عبد قيس بن قيس بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم"، هو صاحب قصة الغزال.

وكان "الحارث بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم"، أحد المستهزئين المؤذين لرسول الله، وهو "ابن الغيطلة". وهو الذي نزلت فيه" )أفرأيت من اتخذ إلهه هواه(. وكان يأخذ حجراً، فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الأحسن. وكان دَهرياً يقول: "لقد غرّ محمد نفسه وأصحابه إن وعدهم إن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث".

وممن اشتهر من بني عبد شمس: "عتبة بن ربيعة بن عبد شمس"، وكان نديماً لمطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف.

أما أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن مناف، ويكنى أيضاً بأبي حنظلة، فكان مثل سائر رجال مكة تاجراً صاحب أسفار، ثريّاً، جمع مالاً من تجارته. وكان صاحب "عير قريش"، فهو المؤتمن عليها، وهو قائدها، وهو رجل جد خبير بالطرق والمسالك. وقد نجح في كل أسفاره، وأوصل تجارة مكة إلى أماكنها سالمة مضمونة. فلم يتمكن المسلمون من مفاجأته وأخذه مع أموال قريش وتجارتهم العظيمة التي تحت قيادته، حينما كان قافلاً من بلاد الشام يريد مكة، إذ أحسَّ بالخطر، فغير طريقه، وسلك طريق الساحل. وأفت مع قافلته ورجالها، وعدتهم سبعون، ووصل إلى مكة سالماً، فنشبت على أثر ذلك معركة بدر.

وكانت قيادة قريش في الحرب إلى أبي سفيان أيضاً، ورثها من أبيه. ورحل له فضل قيادة عير قريش، وقيادة مكة في الحرب، لا بد إن يكون في مقدمة سادات مكة وعلى رأس طبقتها المحافظة ذات العنجهية، التي ترى إن لها حق الرئاسة والزعامة، والكلمة والرأي.

وليس لأحد مكانة إلا إذا كان ذا مال وجاه وحسب. وعلى الباقين طاعة السادة، ومراعاة سن الآباء والأجداد، والإخلاص لعبادة الآباء والأجداد، والدفاع عن آلهة الكعبة التي كانت السبب في إعطاء قريش منزلة خاصة عند العرب.

وكان فضلاٌ عن هذا وذاك رجلاً صاحب لسان، ينظم الشعر ويجيد الهجاء، ومحسن النزول إلى أسوأ مستوى يصل إليه السوقي والحوشة من الإقذاع في الكلام وإلحاق الأذى بالناس. وقد أظهر قابلياته في ذلك في عناده ضد الإسلام وفي إيذائه الرسول وفي الحاقه الأذى بالمسلمين. وقد هيأ كل ما عنده من مواهب وكفايات وقدرات مالية لمقاومة الإسلام ولمحاربة الرسول وللقضاء على الدعوة التي جاءت مقوضة لديانة الآباء والأجداد من عبادة الأصنام، ومن المحافظة.على العرف، ومن تحطيم الزعامة، والخضوع لحكم الفقراء والرقيق. وفي القرآن الكرم آيات نزلت في حقه. وقد كان من المحرضين العاملين في معركة أحدا ويذكر انه ذهب إلى الشام واتصل ب "هرقل" وأخذ يحرضه على الرسول، ولكن الروم لم يبالوا بتحريضه، فعاد إلى مكة.

ويُعد" "عبد العُزّى بن عبد المطلب" من هذا الرعيل من وجهاء مكة الذين حاربوا الرسول، ونصبوا له العداوة. كان موسراً، جمع مالاً طائلاً، كما يفهم ذلك من "سورة المسد": )ما أغنى عنه ماله وما كسب(. وكان من التجار، له تجارة مع بلاد الشام. وكان من هؤلاء الذين أبوا التنكر لدين آبائهم وأجدادهم وإطاعة رجل فقير، وهم أكثر منه مالاً، وأكبر سناً. روي إن رسول الله كان بسوق ذي المجاز يقول: "أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا"، وإذا برجل يأتي من خلفه ويرميه بحجارة، أدمت ساقيه وعرقوبيه، وهو يقول للناس: انه كذاب لا تصدقوه.

ويُعَدّ "أبو لهب" وهو "عبد العُزّى" ويكنى أيضاً ب "أبي عتبة"، من هذه الطبقة الوجيهة المعروفة من قريش. وهو عم الرسول، وكان مع ذلك من الذين حملوا حقداً شديداً عليه. وكانت زوجته تحرضه على معاداته وإيذائه، وفي حقها نزلت سورة "تبت". وهي السورة الحادية عشرة من السور التي نزلت بمكة على رأي أكثر العلماء.

وكان بيته في جوار بيت رسول الله. فذكر إن رسول الله قال: كنت بين شرّ جارين: بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها في بابي. وكان النبي يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا? ثم يميطه عن بابه.

ويذكر أهل الأخبار إن هنالك عشرة أبطن من بطون قريش انتهت اليهن الشرف في الجاهلية، ووصل في الإسلام، وهم، أمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعديّ، وجمح، وسهم.

كسب مكة

ومكة كما ذكرت بلد في واد غير ذي زرع، لذلك كان عماد حياة أهلها التجارة، والأموال التي تجبى منً القوافل القادمة من الشام إلى اليمن والصاعدة من اليمن إلى الشام، وما ينفقه الحجيج القادمون في المواسم المقدسة، للتقرب إلى الأصنام. وهناك مورد آخر درّ على أثرياء هذه المدينة المقدسة ربحاً كبيراً، هو الربا الذي كانوا يتقاضونه من إيداع أموالهم إلى المحتاجين إليها من تجار ورجال قبائل.

لقد استفادت مكة كثيراً من التدهور السياسي الذي حلّ باليمن، ومن تقلص سلطان التبابعة، وظهور ملوك وأمراء متنافسين، إذْ أبعد هذا الوضع خطر الحكومات اليمانية الكبيرة عنها، وكانت تطمع فيها وفي الحجاز، لأن الحجاز، قنطرة بين بلاد الشام واليمن. ومن يستولي عليه يتصل ببلاد الشام، وبموانئ البحر الأبيض المهمة. وأعطى تدهور الأوضاع في العربية الجنوبية أهل مكة فرصة ثمينة عرفوا الاستفادة منها. فصاروا الواسطة في نقل التجارة من العربية الجنوبية إلى بلاد الشام، وبالعكس. وسعى تجار مكة جهد إمكانهم لاتخاذ موقف حياد تجاه الروم والفرس والحبش، فلم يتحزبوا لأحد، ولم يتحاملوا على طرف، وقوّوا مركزهم بعقد أحلاف بينهم وبين سادات القبائل، وتوددوا إليهم بتقديم الألطاف والمال اليهم، ليشتروا بذلك قلوبهم. وقد نجحوا في ذلك، واستفادوا من هذه السياسة كثيراً.

وفي القرآن إشارة إلى تجارة مكة، والى نشاط أهلها ومتاجرتهم مع الشام، واليمن: )لإيلاف قريشٍ ايلافهم رحلة الشتاء والصيف(. قال المفسرون: إن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن، أما رحلة الصيف فكانت إلى بلاد الشام. وانهم كانوا يجمعون ثروة طائلة من الرحلتين تدر على قريش خيراً كثيراً، وتعوضهم عن فقر بلادهم.

ويظهر إن أهل هذه المدينة كانوا يسهمون جميعاً في الاتجار، فيقدم المكّي المتمكن كل ما يتمكن تقديمه من مالٍ ليستغله ويأتيه برزق يعيش عليه. ولذلك يعد رجوع القافلة أمنة مطمئنةُ بشرى وسروراً للجميع.

وقد أدى نشاط بعض أسر مكة في التجارة إلى حصولها على ثروات كبيرة طائلة. وقد أسهم رجل واحد من أهل هذه المدينة هو "أبو أحيحةَ" بثلاثين ألف دينار في رأس مال القافلة التي تولى قيادتها أبو سفيان. ومبلغ مثل هذا ليس بشيء قليل بالقياس إلى الوضع المالي في تلك الأيام، كذلك كان "عبد الله ابن جدعان" و "الوليد بن المغيرة المخزومي" من أثرياء مكة. وقد اشتهر بنو مخزوم بالثروة والمال.

وكانت لأسر مكة تجارات خاصة مع العراق وبلاد الشمام واليمن ومواضع من جزيرة العرب" تجارات لا علاقة لها برحلتي الشتاء والصيف، وكان لبعضها تجارة مع الأنبار والحيرة في العراق، وكان لبعض آخر تجارة مع "بصرى" و "غزة" وأذرعات في بلاد الشام، وكان لآخرين تجارة مع بلاد اليمن. وكان للأسر الغنية الثرية اتصال تجاري مع كل هذه المواضع. وتعامل مع كل الأماكن المذكورة، ولها وكلاء يبيعون لها ويشترون، كما كانت هي تتوكل لتجار العراق وبلاد الشام واليمن، وتجني من هذا التعامل أرباحاً طيبة.

وقد تحدثت عن النزاع الذي كان قد نشب بين أهل مكة و "أبرهة"، وهو نزاع ذو طبيعة سياسيةّ في الأغلب، وان جعله أهل الأخبار ذا طبيعة دينية. والأغلب إن الروم حثوا أبرهة على السير إلى مكة والاتجاه منها نحو الشمال، للاتصال ببلاد الشام، والاستيلاء بذلك على العربية الغربية، وبذلك يكون لهم سلطان على القسم الغربي من جزيرة العرب، فيأمنون على مصالحهم الداخلية وينزلون بذلك ضربة كبيرة بأعدائهم الساسانيين وبمن كان يساعدهم من سادات قبائل. ولكن اخفق التدبير، ورجع "أبرهة" خائباً لم يحقق شيئاً.

وأدى استيلاء الفرس على اليمن إلى حدوث تطور في علاقات أهل مكة بالفرس وبالروم. وقد اخذ الفرس يتدخلون في تجارة العربية الجنوبية، فصاروا يرسلون ببضائع من أسواق العراق إلى اليمن، ويأخذون في مقابلها بضائع من أسواق أفريقية والعربية الجنوبية، كما اخذ ملوك الحيرة يرسلون ب "لطائمهم" إلى اليمن للبيع والشراء.

وقد اثر هذا الوضع في تجارة أهل مكة أثراً كبيراً، إذ انتزع الفرس وملوك الحيرة من أيديهم قسطاً من أرباحهم، وربما لا يبعد إن يكون الهجوم الذي وقع على "لطيمة" "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، بتشجيع من أهل مكة، ذلك الهجوم الذي عرف ب "الفجار"، وذلك للأضرار بالفرس وبملوك الحيرة، ولتخويف القوافل التي صارت تسلك طريق "الطائف"، ثم منها إلى مواضع في البادية إلى الحيرة متجنبة طريق مكة.

وكانت "الشعيبة" ميناء مكة، إليها ترد السفن قبلُ جدة، ثم أخذت جُدّة موضعها في أيام الخليفة عثمان بن عفّان.

وقد قصدت ميناء "الشعيبة" سفن الروم وسفن الحبش، اذ كانت السفن القادمة من إفريقية، لبيع تجارتها لأهل مكة، ترسو في هذا الميناء.

ويظهر من كتب أهل الأخيار إن تجار مكة لم يكونوا يملكون سفناً خاصة بهم، لنقل تجارتهم إلى موانئ إفريقية، أو لنقل ما يشترونه من الموانئ الإفريقية لتصريفه في أسواق العراق أو أسواق بلاد الشام. فنحن لا نكاد نجد في هذه الكتب شيئاً يفيد إن أهل مكة كانوا يملكون سفناً يسيرها بحارة منهم. بل نجد انهم كانوا يركبون سفناً حبشية، عند ذهابهم إلى الحبشة. وهي سفن لم تكن شيئاً بالقياس إلى سفن الروم في ذلك العهد.

ولمركز مكة ونشاطها في التجارة، توافد عليها أيضاً تجار من الخارج من بلاد الشام ومن العراق ومن بلاد الروم والفرس وفيهم. ساكنوا المكّيين، وتحالفوا مع أثريائهم، ومنهم من قام فيها في مقابل دفع جزية لحمايته ولحفظ أمواله وتجارته. وكان تجار بلاد الشام خاصة يجلبون القمح والزيوت والخمور الجيدة إلى تجار مكة. وقد اتخذوا مستودعات فيها لخزن بضاعتهم هذه ولتصريفها.

ولا يستبعد "أوليري" إن يكون من بين تجار الروم في مكة من كان عيناً للبيزنطيين على العرب، يتجسس لهم، ويتسقط أخبارهم، ويكتب لهم عن صلاتهم بالفرس، وعن أنباء الفرس في جزيرة العرب واتصالهم بالقبائل، لشدة حاجة الروم إلى تلك الأخبار، لإفساد خطط الفرس وإبعادهم عن بلاد العرب وعن البحار. والعالم يومئذ معسكران متخاصمان: معسكر للروم، ومعسكر للفرس.

وقوم هم أصحاب تجارة واتصال بالعالم الخارجي بحكم اتجارهم معه، وذهابهم إليه، لا بد إن يكون لهم اهتمام بما كان يجري ويقع في السياسة الدولية. وكان لهم علم بما يحدث بين الفرس والروم، وبين الحبش وأهل اليمن، لأن لما يحدث علاقةً كبيرة بتجارتهم وبالأسواق التي كانوا يخرجون إليها للبيع والشراء.

ونجد في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك. فلما وقعت الحرب بين الفرس والروم، هذه الحرب التي استولى فيها الفرس على القدس، وعلى "الصليب" المقدس عند النصارى، كان اهتمام مكة بها كبيراً وانقسم أهل مكة فريقين: مؤيد للروم، ومؤيد للفرس، مما يدل على وقوف أهل مكة على ما كان يقع في الخارج، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة "الروم".

وقد كان المكّيون يهتمون اهتماماً خاصاً بما كان يقع في بلاد الشام وفي اليمن من أحداث، إذ كانت تجارتهم مرتبطة بهذه البلاد بالدرجة الأولى. فما يقع فيها يؤثر تأثراً مباشراً في تجارتهم. ولذلك حاولوا جهد إمكانهم إنشاء صلات حسنة مع الحاكم على بلاد الشام والحاكم على اليمن، كما كان من مصلحة الروم مصالحة حكام العربية الغربية وترضيتهم، ليأمنوا بذلك على سلامة تجارتهم في البحر الأحمر وعلى وصول بضائع إفريقّية والبلاد العربية الجنوبية والهند إليهم عند تعسف الفرس بالتجارة البرية التي كانت تأتي من الهند ومن الصين لتباع في بلاد الروم، وعند نشوب الحرب، وهي متوالية كثيرة، فيما بينهما، فتنقطع التجارة عندئذ بينهما، وترتفع الأسعار. إما التجارة عن طريق العربية الغربية، فلم تكن تصاب بأذى الحروب وبالنزاع بين الفرس والروم، لأنها كانت بعيدة عن ساحة الحروب، وهي في مأمن من الغارات.

ويظهر من روايات أهل الأخبار إن سادات مكة والمواضع الأخرى من الحجاز كانوا يتوددون إلى الروم والى حكام اليمن ليمكّنوهم من التحكم في شؤون مواطنيهم وللسيادة عليهم. وقد روى "ابنّ قتيبة" إن "قُصياً" استعان ب "قيصر" في نزاعه مع خزاعة. وقد تكَون مساعدة قيصر له، بإشارته على الغساسنة حلفاء الروم لتقديم العون إليه. ولمجوز إن يكون "بنو عذرة" وهم من العرب النصارى النازلين في أطراف بلاد الشام قد ساعدوه بطلب من الروم.

ولا يستبعد إن يكون تجار اليمن في أيام قصي وبعد موته، كانوا يأتون بتجارتهم إلى "مكة"، ثم يقوم تجار مكة بنقلها إلى بلاد الشام، أو بشرائها من تجار اليمن، ثم يقومون هم ببيعها على حسابهم في "بُصْرى" أو غزة من بلاد الشام. وقد كان يقع اختلاف في بعض الأحيان بين تجار اليمن وتجار مكة، وقد يقع اعتداء على تجار اليمن فيصادر بعض أهل مكة أموالهم ويغتصبونها، كالذي حدث لتاجر من تجار اليمن، مما حداه بالاستجارة بأشراف مكة وسادتها لإنصافه، وأدى الحال إلى عقد حلف الفضول.

ولطبيعة أهل مكة المستقرين التجار، لزم الابتعاد عن الحروب وعن خلق المشكلات، وجلّ كل معضلة بالمفاوضات أولاً وبالسلم. كما سعت للاتفاق مع القبائل المجاورة على محالفتها ومهادنتها. وقد أفادت هذه السياسة قريشاً كثيراً، فظهرت زعامة مكة على القبائل بعد تدهور ملك حمير في السياسة وفي الدين والاقتصاد. والارتفاع مستوى مكة الثقافي بالنسبة إلى الأعراب، ولزعامتها الدينية على القبائل المجاورة لها، ولاتصال سادتها بالعالم الخارجي، ولوجود جاليات أجنبية فيها طورت حياتها الاقتصادية والصناعية مما جعل القبائل تعترف لها بالتفوق عليها، وتسير في ركابها، وتتبع تقويمها، ونحضر في مواسمها، حتى صارت مكة عند ظهور الإسلام القاعدة للغربية العربية والزعيمة لها، ولذلك كانت رمز مقاومة الإسلام، والحصن العتيد المقاوم له. فلما دك هذا الحصن، دكت المقاومة دكاً، واستسلمت المواضع والقبائل للإسلام دون مقاومة تذكر.

وبلد مثل مكة فيه تجار وتجارة ورقيق وغنى وفقر وراحة وأصنام وعبادة وحجاج يأتون للتقرب إلى الأصنام، لا بد إن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين لتنظيم الحياة، وتأمين الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى لدوام مجيء الحاج إليه على الأقل.

فالكعبة، وهي بيت الأصنام، ارض حرام، لا يجوز البغي فيها، ولا المعاصي واقتراف الآثام. والمدينة، وهي في جوار البيت ذات حرمة وقدسية. ودار الندوة دار مشورة وحكم وزعامة. وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره، ولا بد من أنصافهم وإحقاق حقهم. ولأنصافهم ودفع الأذى عن فقيرهم، عقد حلف الفضول، وتعهد سادات مكة بالدفاع ممن يستًجير بهم، وبتأديب من يتجاسر منهم على العرف والسنة، وبذلك، جعلوا مكة بلداً آمناً مستقراً في محيط تتعارك فيه الأمواج.

ولسياسة أهل مكة القائمة على المسالمة وحل الخلاف بالتشاور والتفاوض، رميت قريش البواطن، وهم غالبية أهل المدينة بعدم القدرة على القتال وبالاتكال على غيرهم في الدفاع عن بلدهم، وباعتمادهم على الأحابيش وعلى قريش الظواهر وعلى القبائل المحالفة لهم في الدفاع عن مكة. ولم تكن مكة وحدها بدعاً في هذا الأمر، إذ كان أهل يثرب وأهل الطائف وسائر أهل القرى والمدر مثل أهل مكة، غير ميالين إلى الغزو والقتال، ولهم حبال وأحلاف مع القبائل الساكنة بجوارهم، لمنع تعدياتهم عليهم، ولمنع من يطمع فيهم من تنفيذ ما يريد.

الرقيق

وقد كانت بمكة جالية كبيرة من اصل إفريقي، عرفت ب، "الأحابيش" وهم سود البشرة، اشتراهم أثرياء مكة للعمل لهم في مختلف الأعمال ولخدمتهم. وقد كان هذا الرقيق ضرورة لازمة لاقتصاد مكة ولنظامها الاجتماعي في ذلك الزمن. فقد كان يقوم مقام الآلة في خدمة التاجر وصاحب العمل، فكان مصدراً من مصادر الثروة، وآلة مسخرة تخدم سيدها بأكل بطنها، كما كان سلاحاً يستخدم للدفاع عن السادة في أيام السلم وفي أيام الحرب.

وقد سبق إن أشرتُ إلى وجود "إحابيش" بين أهل مكة، زعم الأخباريون انهم عرب، وانهم إنما عرفوا بالأحابيش، لأنهم تحابشوا، أي تحالفوا وتعاهدوا على التناصر والتأثر عند جبل "حبشي"، فهم على زعم هؤلاء الأخباريين أحابيش آخرون لا صلة لهم بالأحابيش الذين أتحدث عنهم.

وقد أشار أهل الأخبار إلى إن قوماً من أشراف مكة تزوّجوا حبشيات فأولدن لهم أولاداً. ذكروا منهم "نضلة بن هاشم بن عبد مناف" و "نفيل بن عبد العُزّى" و "عمرو بن ربيعة" و "الخطاب بن نفيل"، والد "عمر بن الخطاب"، ويذكر إن "ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري" عيرَّ "عمر بن الخطاب" فقال ل:" يا ابن السوداء"، فأنزل الله: )يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم، عسى إن يكونوا خيراً منهم( و"عمرو بن العاص" وجماعةً آخرين.

وقامت بخدمة قريش طائفة أخرى من الآلات الحية، هي ادق عملاً وأحسن خدمة وأرقى في الإنتاج من الطائفة الأولى: الأحابيش، استوردت من الشمال من بلاد الشام والعراق، هي الأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الروم أو الفرس أو القبائل المغيرة على اسود، فيباعون في أسواق النعاسة، ومنها ينقلون إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب للقيام بمختلف الأعمال. يضاف إلى هؤلاء، الرقيق المستورد من أسواق اوروبة، لبيعه في أسواق الشرق. وأسعار هذه البضاعة وان كانت أغلى ثمناً من أسعار البضاعة المستوردة من إفريقية، إلا إن الجودة في الإنتاج والتفنن فيه، والبراعة في الصناعات التي لا تعرفها بضاعة الجنوب تعوّض عن هذا الفرق.

ومن جملة ما وُكلَ إلى رقيق العراق وبلاد الشام والروم وغيرهم من ذوي البشرة البيضاء من أعمال، إدارة المبيعات، والقيام بالحرف التي تحتاج إلى خبرة ومهارة وفن، وهي من اختصاص أهل المدن والمستقرين: مثل أعمال البناء والتجارة والأعمال الدقيقة، وهذه البضاعة التي استوردتها قريش إلى مكة-وان كانت تابعة، تؤمر فتفعل، وتكلف فتستجيب-كانت بضاعة حيةّ، لها قلب نابض، ودماغ يعمل، ولحم ودم، ولبعضها علم وفهم ومعرفة تفوق معرفة أصحابها المالكين لها. فبضاعة هذا شأنها لا بد إن تترك أثراً في البيئة التي استوردت إليها. والأخباريون الذين هم مرجعنا الوحيد في رواية أيام الجاهلية قبيل الإسلام، وان لم يحدثونا عن أمر هؤلاء القوم في نقوس ساداتهم والذين اختلطوا جمهم، نستطيع بالاعتماد على نقد بعض النتف من رواياتهم إن نصل إلى هذه النتيجة التي هي شيء طبيعي وأمر ليس بغريب: نتيجة تقول إن هذه البضاعة تركت في نفوس أهل مكة وفي نفوس العرب الآخرين ممن كان لهم رقيق، أثراً ليس إلى إنكاره من سبيل، وان بعض المصطلحات الفارسية والرومية والحبشية التي كانت معروفة عند العرب قبيل الإسلام، والتي أكدوا هم أنفسهم إنها لم تكن عربية، ولاسيما ما كان يتعلق منها بالصناعات والأعمال التي يأنف العربي من الاشتغال بها، إنما دخلت لغتهم وشاعت بينهم من طريق هؤلاء.

وقد كان أغلب الرقيق الأبيض على النصرانية، وقد ذكر الأخباريون أسماء لبعضهم من نزلاء مكة تشير بوضوح إلى تنصرهم. وقد كان فيهم من يتقن العربية، ويعبر عن أفكاره بها تعبيراً صحيحاً واضحاً، وفيهم من لا يفقه هذه اللغة، لأنه حديث عهدٍ بها، فكان يتكلم بلسان أعجمي أو بعربية ركيكة. ومنهم من كان بتباحث في أمور الدين ويشرح لمن يجالسه ما جاء في ديانته وفي كتبه المقدسة. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في الآيات" )ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلّمه بشرٌ. لسان الذي يلحدون إليه أعجميّ، وهذا لسانٌ عربيٌ مبين(. "وقال الذين نحروا إن هذا إلا إفك ه افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون. فقد جاؤوا ظلماً وزوراً. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها، فهيُ تمْلى عليه بُكرةً وأصيلاً".

وقال "ابن هشام" في تفسر الآية: )ولقد نعلم انهم يقولون إنما يعلمه بشرٌ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين(: "وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، كثيراً ما يجلس عند المرْوة إلى مبيعة غلام نصراني، يقال له جبر، عبد لِبَني الحَضرميَّ، وكانوا يقولون: والله ما يعلّم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بني الحضرمي. فأنزلَ الله عزّ وجلّ في ذلك من قولهم: ولقد نعلم". وهناك أشخاص آخرون كانوا موالي لا يحسنون العربية ولا يجدون النطق بها.

وروي عن "عبد الله بن مسلم الحضرمي" انه "قال: كان لنا عبدان: أحدهما يقال له يسار، والأخر يقال له جبر. وكانا صيقلين، فكانا يقرآن كتابهما ويعملان عملهما. وكان رسول الله يمرّ بهما فيسمع قراءتهما. فقالوا: إنما يتعلم منها. فنزلت: ولقد نعلم انهم يقولون".

وأشير إلى غلام آخر كان بمكة، اسمه "بلعام"، وكان قيناً، ذكر إن الرسول كان يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا انه كان يتعلم منه. وقيل إن ذلك الرجل الذي قال أهل مكة إن الرسول كان يتعلم منه، اسمه "أبو اليسر"، وكان نصرانياً".

وفي جملة من أشار إليهم أهل اليسر من النصارى الذين كانوا بمكة، رجل اسمه "نسطاس"، وكان من موالي "صفوان بن أمية"، ونسطور الرومي، ويوحنا مولى صهيب الروميّ، وصهيب الرومي نفسه، وهو من الصحابة، جاء من بلاد الشام، ونزل بمكة، وتشارك مع مثري قريش عبد الله بن جدعان، ثم استقل عنه، وصار ثرياً من أثرياء مكة. ثم دخل في الإسلام. ومنهم مولى يوناني تزوج سمية أم بلال. وقد بقي نفر من النصارى محتفظين بدينهم بمكة في أيام الرسول.

وفي حديث الأخباريين عن بناء الكعبة إن قريشاً استعانت بعامل من الروم، أو من الأقباط، اسمه باقوم، كان تجاراً مقيماً بمكة، في تسقيف البيت. وفي حديث آخر لهم: إن هذا الرجل كان في سفينة جهزها قيصر الروم لبناء كنيسة، وقد شحنها بالرخام والخشب والحديد، فجنحت عند "الشعيبة" فاستعانت قريش بما تبقى من أخشابها وبخبرة هذا الرومي في تسقيف البيت. وقد دعي ب "بلقوم الرومي" أيضاً.

وفي كتب السير وكتب تراجم الصحابة أسماء جوارٍ يونانيات أو من بلاد الشام أو من العراق، وقد تزوجن في مكة ونسَلن ذرية كانوا فيها قبل الإسلام. وقد كان منهن في مواضع أخرى من جزيرة العرب بالطيع.

ويعود قسط كبير من وجود الكلمات الحبشية والرومية والفارسية في العربية إلى الرقيق الأسود والأبيض. وهذه الكلمات هي مسمّيات لأمور غريبة عن العربية لم يكن لأهل مكة ولا لغيرهم علم بها، فاستعملوها كما وردت وأخذت، أو صقلت حتى لاءمت اللسان العربي، كما حدث ويحدث في اللغات الأخرى، وعربت وصارت من ألفاظ العربية. وقد لاحق قسماً منها علماء اللغة، فوضعو فيها كتباً بحثت في تلك المعربات، وفي القرآن الكريم طائفة منها لم يغفل عنها أرباب اللغة والمفسرون.

أغنياء ومعدمون

كان أهل مكة بين غنيُ متْخم وفقر معدِم. وبين الجماعتين طبقة نستطيع إن نقول إنها كانت متوسطة. وأغنياء مكة، هم أصحاب المال، وقد تمكنوا من تكثيره بإعمال ما عندهم من مال بالاتجار وبإقراضه للمحتاج إليه، وبإعماله بالزراعة، واستغلاله بكل الطرق المربحة التي يرون إنها تنفحهم بالأرباح.

وقد تمكن هؤلاء الأغنياء من بسط سلطانهم على قبائل الحجاز، ومن تكوين صلات وثيقة مع أصحاب المال في العربية الجنوبية وفي العراق وبلاد الشام، بحيث كانوا يتصافقون في التجارة ويشار كونهم في الأعمال، حتى صاروا من أشهر تجار جزيرة العرب في القرن السادس للميلاد.

ويظهر مما جاء في القرآن الكريم إن بعض هؤلاء الأغنياء كان قاسياً، لم تدخل الرحمة ولا الشفقة قلبه. فكان يقسو على المحتاج، فلا يقرضه المال إلا بربىً فاحش وكان يشتط عليه. وكان بعضهم لا يتورعون من أكل أموال اليتيم والضعيف، طمعا في زيادة ثرائه. وكان يستغل رقيقه استغلالاً شنيعاً، حتى انه كان يكره فتياته على البغاء ليستولي على ما يأتن به من مال. وفي ذلك نزل النهي عنه في الإسلام. )ولا ُتكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا(. قال "الطبري": "كانوا في الجاهلية يكرهون إمامهم على الزنا. يأخذون أجورهن. فقال الله، لا تكرهوهن على الزنا من أخل المنالة في الدنيا. ومن يكرههن، فإن الله من بعد اكراهن غفور رحيم لهن. يعني إذا أكرهن". وقال: "كانوا يأمرون ولائدهم يباغين، يفعلن. ذلك، فيصبن فيأتينهم بكسبهن". وروي إن هذه الآية نزلت في حق "عبد الله ابن أبي سلول" وكان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف من ذهب وفضة، ويثرب بآنية من ذهب وفضة ومن بلور، ويأكل على طريقة الروم والفرس، بسكاكين وشوكات مصنوعة من ذهب أو من فضة، على حين كان أكثر أهل مكة فقراء لا يملكون شيئاً. وكانوا يلبسون الحرير، ويتحلون بالخواتم المصنوعة من الذهب، تزينها أحجار كريمة. ولعلّ هذا الإسراف والتبذير كانا في جملة العوامل التي أدت إلى منع المسلمين من استعمال الأواني المصنوعة من الذهب والفضة للأكل والشرب، ومن صدور النهي من استعمال الحرير للرجال.

وقد حرص هؤلاء الأغنياء على إكثار أموالهم، وعلى توسيع تجارتهم، لذلك كانت هجرة الرسول إلى يثرب وتحرش المسلين بقوافلهم الذاهبة الآيبة بين بلاد الشام ومكة لطمة كبيرة أصابتهم. لقد اجتمع ملأهم بعد وقعة بدر للتداول في أمرهم. فقال قائل منهم: "قد عوّر علينا محمد مَتْجَرنا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا. قال زمعة بن الأسود: فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية، لو سلكها مغمض العينين لاهتدى. قال صفوان؛ من هو? فحاجتنا إلى الماء قليل. إنما نحن شاتون. قال: فرات بن حيان، فدعواه فاستأجراه، فخرج بهم في الشتاء، فسلك بهم على ذات عرق، ثم خرج بهم على "غمرة". وانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر العير وفيها مال كثير، وآنية من فضة حملها صفوان بن أمية، فخرج زيد بن حارثة، فاعترضها، فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم، فكان الخمس عشرين ألفاً، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم الأربعة أخماس على السرية، وأتى بفرات بن حيّان العجلي أسيراً، فقيل، إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، أسلم، فأرسله". وقد عرفت هذه الغزوة ب "غزوة القردة". وقد كانت في السنة الثالثة من الهجرة.

وقد أشير في ديوان "حسان بن ثابت" إلى "فرات" هذا، كما أشير إلى رجل آخر هو "قيس بن امرئ القيس العجلي"، استأجرته قريش كذلك، ليكون لها دليلا يهدي قوافلها الطريق.

وقد كانت قريش، كما كان غير قريش، ومنهم المسلمون يستعينون بالأدلاء لإرشادهم الطرق، ولاسيما في أيام الخطر. وأيام جزيرة العرب كلها خطر دائم بالنسبة للتجار، لما كانوا يحملونه معهم من أموال، تسيل لعاب الطامعين في المال، وتنسيهم كل عهد وموثق. لشك كانوا يتحسسون جهدهم الطرق، ولا يسيرون إلا في الطرق الآمنة التي يوثق من ذمم أصحابها ومن قدرة سادتها على ضبطها وعلى إنزال أقصى العقوبة بالخلعاء وبالخارجين على الطاعة والعرف. ويستأجرون الأدلاء أصحاب العلم والدراية العملية بالطرق وبمخارجها وبكيفية الخروج من مآزقها ومهالكها وأخطارها، يتفقون معهم على إرشادهم، على إن يكون لهم أجر حسن إن نجت القافلة من الخطر ووصلت سالمة إلى مكانها المقصود.

وقد استغل تجار مكة أموالهم في الخارج، وامتلكوا الضياع، فامتلك "أبو سفيان ابن حرب" أيام تجارته إلى الشام في الجاهلية ضيعة بالبلقاء تدعى بقبش، فصارت لمعاوية وولده".

ولم يبال رجال مكة من الاشتغال بالصناعات، فقد اشتغل قوم منهم بالبزازة، واشغل بعض منهم بالخياطة، فكان "العوّام أبو الزبير خياطا" و "كان الزبير جزّاراً، وكان عمرو بن العاص جزاراً، وكان عامر بن كريز جزاراً، وكان الوليد بن المغيرة جزاراً. وكان العاص بن هشام أخو أبو جهل حداداً، وكان عقبة بن أبي معيط خماراً. وكان عثمان بن أبي طلحة الذي دفع إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مفتاح البيت خياطاً، وكان قيس بن مخرمة خياطاً، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجاراً، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان عبد الله ابن جدعان تخاساً، له جوار يساعين ويبيع أولادهن، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخبل والإبل، وكان النضر بن الحارث بن كلدة يضرب بالعود ويتغنى، وكان الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم حجاماً، وكذلك حريث بن عمرو".

وإذا صح ما ذكرته من كلام نقلته من "الأعلاق النفيسة" لابن رستة، فإن ذلك ينفي ما يذكره أهل الأخبار من عدم وجود "تجار" في مكة كالذي ذكروه من عم وجود تجار بها يوم جددوا بناء الكعبة، فحاروا في كيفية العثور على تجار يقوم بتسقيف البيت، وبقوا في حيرتهم حتى اهتدوا إلى رومي تحطمت سفينته عند الساحل، فجاؤوا به وبخشب سفينته فسقف الروميّ "باقوم" لهم عندئذ الكعبة. وتنقي رواية "ابن رستة" ما ذكره غيره من ترفع ذوي الأسر من قريش من الاشتغال بالحرف اليدوية لأنها حرف لم تخلق للأشراف. ويكون ذلك دليلاً على إن بعض ما يذكره أهل الأخبار عن أهل مكة بعيد عن الواقع وتناقض فيما يروونه، لم يفطنوا إليه، لأنهم كانوا ينقلون الأخبار، ويأخذونها أنىّ جاءت، وغايتهم الجمع، وعلينا الآن واجب التمحيص بين تلك الروايات ونقدها وغربلتها، لاستخراج اللب من القشور.

وعندي إن الإسلام، هو الذي صيرّ قريشاً قريشاً المذكورة في الكتب. وهو الذي سوّدها على العرب، وجعل لها المكانة الأولى بين القبائل، والخلافة فيها، بفضل كون الرسول منها وظهور الإسلام في مكة. ولولا الإسلام، لكانت مكة قرية من القرى، لبعض أسرها ثراء حصلت عليه بفصل نشاطها وتقرّب رجالها إلى سادات القبائل وحكام العراق وبلاد الشام واليمن، وبفضل دعوة رجال قريش القبائل المحيطة بمكة لحج البيت والتقرب إلى الأصنام التي كدسوها فيه وحوله، ومنها أصنام القبائل التي لها تعامل مع مكة، فحصلت على ربح هو "حق قريش" من الغرباء وحق تعشير التجار وتعاطي البيع والشراء معهم.

ويبدو من أخبار الأخباريين عن البيت؛ إن العناية لم توجه إليه إلا قبيل الإسلام. وان الإسلام هو الذي رفع قواعده، وعني بعمارته، وهو الذي فرش مسجد بالرخام، وجعل له أشياء كثيرة لم تكن موجودة في أيام الجاهلية. وقد صرف عليه الخلفاء أموالاً طائلة وذلك قربة لله رب البيت.

والواقع إن في كثير مما يذكره أهل الأخبار عن مكة، ما يناقض بعضه بعضاً، وما لا يلتئم مع ما يذكرونه عنها. وهو في حاجة إلى نقد وغربلة. والظاهر إن الرواة عندما وجهوا عنايتهم نحو تدوين تأريخ مكة، وعمدوا إلى الشيبة يسألونهم عن تأريخها، تكلم كل منهم بحسب ما بقي في ذهنه عنا، وبما سمعه من آبائه، فجاء متناقضاً، لا توافق ولا تناسق فيما بين تلك الروايات التي أخذت من الأفواه. وقد زوَّقها بعضهم بعض التزويق، أو هذّب فيها وشذب، حتى وصلت إلى الشكل الذي بلغته إلينا. وإني أرجو إن يعثر في المستقبل على كتابات جاهلية قد تلقي بعض الضوء على تأريخ هذه المدينة المقدسة قبلة المسلمين، وان يقوم العلماء بتخصيص وقت كاف لدراسة ما ورد في كتب التفسير والحديث والموارد الأخرى عن مكة، لتقديم تأريخ واضح عن مكة.

هذا ما عندي من تأريخ مكة، أما عن "الكعبة." وعن الحج وعن المسائل الأخرى المتعلقة بالدين أو بالتجارة أو بالحكم، وبما شاكل ذلك، فسيكون الكلام عنها في المواضع المناسبة، فإليها المرجع إذن.

الفضَل الثالث وَالأربعون

يثرب والطائف

وكان ليثرب مكان مهم عند ظهور الإسلام، وفيها وفي أطرافها سكنت جاليات من يهود. وهي من المواضع التي يرجع تأريخها إلى ما قبل الميلاد. وقد ذكرت في الكتابات المعينية، وكانت من المواضع التي سكنتها جاليات من معين، ثم صارت إلى السبئيين بعد زوال مملكة معين. ولعلّ هذا السكن هو الذي حمل للنسابين على إرجاع نسب أهل يثرب إلى اليمن، فقالوا إنهم من الأزد، وإنهم من "قحطان".

وللأخباريين كعادتهم آراء في الاسم، قالوا إنها سميت "يثرب" نسبة إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل بن أرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح"، وكان أول من نزلها فدعيت باسمه. وقالوا" بل قبل لها "يثرب" من التثريب، وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل.

وزعم أهل الأخبار إن الرسول لما نزلها كره إن يسميها "يثرب"، فدعاها "طيبة" و "طابة". وذكروا لها تسعاً وعشرين اسماً، منها: "جابرة" و "مسكينة" و "محبورة" و "يندر الدار" و "دار الهجرة".

ويذكر بعض أهل الأخبار إن أقدم من سكن "يثرب" في سالف الزمان قوم يقال لهم "ُصعل" و "فالج"، فغزاهم النبي "داوود" وأخذ منهم أسرى، وهلك أكثرهم وقبورهم بناحية "الجرف". وسكنها "العماليق"، فأرسل عليهم النبي "موسى" جيشاً انتصر عليهم، وعلى من كان ساكناً منهم ب "تيماء"، فقتلوهم، وكان ذلك في عهد ملكهم الملك "الأرقم بن أبي الأرقم". ولم يترك الإسرائيليون منهم أحداً، وسكن اليهود في مواضعهم.

ونزل عليهم بعض قبائل العرب، فكانوا معهم واتخذوا الأموال والآطام والمنازل. ومن هؤلاء "بنو أنيّف"، وهم حيّ من "بليّ"، ويقال انهم بقية من العماليق، و "بنو مُريد" مزيد "مرثد"، حيّ من "بليّ"، وبنو معاوية ابن الحارث بنُ بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجدمى "الجدماء" حيّ من اليمن، فعاشوا مع من كان بيثرب وأطرافها من اليهود، واتخذوا المنازل والآطام يتحصنون فيها من عدوهم إلى قدوم الأوس والخزرج إياها.

وكان قدوم "الأوس" و "الخزرج" على أثر حادث "سيل العرم"، فأجمع "عمرو بن عامر بن حارثه بن ثعلبة"، الخروج عن بلاده وباع ما له بمأرب، وتفرق ولده، فنزلت الأوس والخزرج "يثرب" وارتحلت "غسان" إلى الشام، وذهبت "الأزد" إلى عمان وخزاعة إلى تهامة. وأقامت الأوس والخزرج بالمدينة ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثوا معهم أمداٌ وعقدوا معهم حلفاً وجوارا يأمن به بعضهم بعضاً ويمتنعون به ممن سواهم، فلم يزالوا على ذلك زماناً طويلاً، حتى نقضت اليهود عهد الحلف والجوار، وتسلطها على يثرب، فاستعان الأوس والخزرج بأقربائهم على اليهود، فغلبوهم، وصارت الغلبة للعرب على المدينة منذ ذلك العهد، على نحو ما سأتحدث عنه بعد قليل.

وأقدمُ مورد أشير فيه إلى "يثرب"، هو نص الملك "نبونيد" ملك بابل، الذي سكن "تيماء" أمداً، وذكر فجه إنه بلغ هذه المدينة. كما سلف إن تحدثت عن ذلك فيَ أثناء حديثي عن صلات العرب بالبابليين. وقد عرفت ب "يثربه" "Jathripa" في جغرافيا "بطلميوس" وعند "اصطيفان البيزنطي". وعرفت ب "المدينة" كذلك من كلمة "Nedinta" "Medinto" الإرمية، التي تعني "مدينة" في عربيتنا و "هكر" في العربية الجنوبية. وقد ورد اسمها في الكتابات المعينية.

ويظهر إنها عرفت ب "مدينة يثرب" على نحو ما وجدنا في كتاب "اصطيفان البيزنطي"، ثم اختصرت، فقيل لها "مدينتا"، أي "المدينة". ولما نزل الرسول بها، عرفت بأ "مدينة الرسول" في الإسلام.

وولقدم تأريخ "يثرب" ولورود اسمها في نص "نبونيد"، الذي يدل على إنها كانت معروفة اذ ذاك، لا يستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على كتابات وآثار قد تكشف عن بعض تأريخ هذه المدينة في أيام ما قبل الإسلام.

ولم يشر أهل الأخبار إلى وجود حرم أو بيت بيثرب، كان يتعبد فيه اليثربيون ويتقربون إليه بالنذور، مع انهم أشاروا إلى بيت اللات في الطائف. ويثرب مدينة مثل الطائف ومثل مدن أخرى كانت ذات محمضات ومعابد. وقد كان أهل يثرب مثل غيرهم من العرب مشركين يتقربون إلى الأصنام، وكانوا يحفظون أصناماً لهم في بيوتهم يتقربون إليها، كما كانوا يحجون إلى محجات كانت على مسافة من يثرب ولذلك يبدو غريباً سكوت أهل الأخبار عن ذكر بيت في هذه المدينة، يحج له الأوس والخزرج ومن والاهم من قبائل وعشائر.

وضر في مواضع لا تبعد كثراً عن "يثرب" على كتابات جاهلية، لم تعرف هويتها الآن، لأن الباحثين لم يتمكنوا من فحص مواضعها ومن نقلها إلى العلماء المختصين لقراءتها. كما انهم لم يتمكنوا من تصويرها ولا من التنقيب في تلك الأماكن تنقيباً علمياً. وقد أشار "عثمان ورستم" إلى وجود كتابات من هذا النوع على جبل "سلع"، وعند موضع "بئر عروة" بوادي العقيق وفي أماكن أخرى. أرجو إن يصل إليها الباحثون للتنقيب فيها ولحل رموز هذه الكتابات.

وقد يعثر على كتابات أخرى مطمورة في تربة "يثرب" وفي الأماكن القريبة منها، تكجف للقادمين من بعدنا أسرار هذه المدينة المقدسة.

ويثرب، مثل مكة من شعاب، تسكنها بطون الأوس والخزرج: الأوس في شعاب، والخزرج في شعاب، واليهود في شعاب. وفي الشعاب "حوائط"، بساتين صغيرة، وفي الحوائطَ "آبار" يسفون منها للشرب وللسقي وللغسل، كما كانت فيها دور مبنية بالأجر ودور مبنية باللبن. وبعضها ذو طابقين. وقد احتفر اليهود آباراً، كانوا يبيعون الماء منها بالدلاء، مثل "بئر ارومة"، وكانت ليهوي، وقد أمر الرسول بشرائها، فاشتراها عثمان. ومن آبار المدينة "بئر ذروان"، وهي البئر التي ذكر إن لبيد "ابن الأعصم" اليهودي سحر بها الرسول.

ويثرب على شاكلة مكة، بغير سور ولا حائط يحيط بها، ولا خندق يقف حائلاً أمام من يريد بالمدينة سوءاً. وقد كان عماد دفاع أهلها بالتحصن في بيوتهم وبسدّ منافذ الطرق في أثناء الخطر. والأغنياء الموسرون يعتمدون على آطامهم وحصونهم وقصورهم، يلجؤون إليها عند الشدة ومن معهم من اتباعهم يرمون أعداءهم من فوق السطوح بالسهام وبالحجارة، اذ لا حائط يحيط بها على نحو ما كان لمدينة الطائف. وقد تحارب الأوس والخزرج على الآطام، وأرخوا بتلك الحرب، وصاروا يؤرخون ب "عام الآطام". وذكر إن أهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا يمتنعون بها، فأخربت في أيام عثمان.

ويظهر من وصف أهل الأخبار ليثرب، إنها كانت تشبه مدينة "الحيرة" بالعراق من حيث خلوّها من سور ومن تكوّنها من "قصور"، هي بيوت السادة ومعاقل المدينة ومواضع دفاعها آناء الشدة وأوقات الحروب. وقد عرفت ب "أطم" و "آطام" عند أهل يثرب. وذكر إن "الأطم" كان حصن بُنِيَ بحجارة، أو كل بيت مربع مسطح. وورد إن "الأطُوم": القصور وحصون لأهل المدينة والأبنية المرتفعة كالحصون.

والمدينة عند "وادي اضم". يقال للقسم الذي هو عند المدينة منه "القناة" والذي هو أعلى منها عند السدّ: الشظاة، اما ما كان اسفل ذلك، فيسمى أضماً إلى البحر. وذكر إن اضم واد يشق الحجاز حتىُ يفرغ في البحر. وأعلى اضم القناة التي تمر دُوين المدينة. وًان المدينة هي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، وما بين الماء الذي يقال له "البوا" إلى "زبالة".

وجوّ "يثرب" على العموم خير من جو مكة، فهو ألطف وأفرح. ولم يعانِ أهلها ما عانى أهل مكة من قحط في الماء ومن شدة في الحصول عليه، حتى بعد حفر "بئر زمزم". فالماء متوفر بعض الشيء في المدينة، وهو غير بعيد عن سطح الأرض، ومن الممكن الحصول عليه بسهولة بحفر آبار في البيوت. وهذا صار في إمكان أهلها زرع النخيل، وإنشاء البساتين والحدائق، والتفسح فيها، والخروج إلى أطراف المدينة للنزهة، فأثر ذلك في طباع أهلها فجعلهم ألين عريكة وأشرح صدراً من أهل البيت الحرام.

وتأريخ المدينة مثل سائر تواريخ هذه الأماكن التي نتحدث عنها، مجهول لا نعرف من أمره شيئاً يذكر، وإنما ما يذكره الأخباريون عن وجود العماليق وجرهم بها فأمره وان قالوه، لا يستند إلى دليل، وحكمه حكم الأخبار الأخرى التي يروونها والتي عرفنا نوع اكرها وطبيعته. ولكن الشيء الذي نعرفه بقيناً إن أهل المدينة كانوا ينتسبون عند ظهور الإسلام إلى يمن، وكاوا يقسمون أنفسهم فرقتين" الأوس والخزرج. وبين الفرقتين صلة قربى على كل حال. ثم يذكرون انه كان بينهم يهود، وهم على زعمهم من قدماء سكان يثرب.

ويلاحظ إن الأوس والخزرج لا يدعون أنفسهم بأبناء حارثة، وإنما يدعون أنفسهم ب "بني قيلة" وب "ابني قيلة" ويقصدون بها "قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة"، أو "قيلة بنت هالك بن عُذْرَة" من قضاعة، أو "قيلة بنت كامل بنُ عذْرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف ابن قضاعة". ولا بد إن يكون لهذه الامرأة التي ينتسبون إليها شهرة في الجاهلية حملتهم على الانتساب إليها. وقد ورد إن "قيلة" اسم ام الأوس والخزرج، وهي قديمة.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار إن الأوس والخزرج ابنا قيلة لم يؤدوا اتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبعّ يدعوهم إلى طاعته، فغزاهم تبع أبو كرب، فكانوا يقاتلونه نهاراً ويخرجون إليه العشاء ليلاً، فما طال مكوثه ورأى كرمهم رحل عنهم.

ويُرجع الأخباريون مجيء الأوس والخزرج إلى المدينة. إلى حادث سيل العرم، ويقولون انهم لما جاءوا إلى يثرب وجدوا اليهود وقد تمكنوا منها، فنزلوا في ضنك وشدة، ودخلوا في حكم ملوك يهود إلى أيام ملكهم المسمى "الفيطوان" أو "الفيطون" أو "الفِطيون"، وكان رجلاً شديداً فظاً يعتدي على نساء الأوس والخزرج، فقتله رجل منهم اسمه "مالك بن العجلان" وفرّ إلى الشام إلى ملك من ملوك الغساسنة اسمه "أبو جبيلة". وفي رواية انه فرّ إلى "تبع الأصغر بن حسان". وتذكر الرواية إن أبا جبيلة سار إلى المدينة ونزل بذي حرض، ثم كتب إلى اليهود يتودد اليهم، فلما جاؤوا إليه قتلهم، فتغلبت من يومئذ الأوس والخزرج، وصار لهم الأموال والآطام. ثم رجع "أبو جبيلة" إلى الشام. وصارت اليهود تلعن "مالك بن عجلان". وهم يروون في ذلك أبياتاً ينسبونها إلى شاعر اسمه "الرمق بن زيد الخزرجي". ويذكر الأخباريون إن اليهود صوّرت "مالك بن عجلان" في كنائسهم وبيعهم ليراه الناس فيلعنوه.

وذكر "ابن دريد" إن "الفطيون"، اسم "عبراني"، وكان تَمَلَّك بيثرب، وكان هذا أول اسم في الجاهلية الأولى. وقد شهد بعض ولد الفطيون بدراً، واستشهد بعضهم يوم اليمامة، فمن ولد "الفطيون"" أبو المقشعر، واسمه أسيد بن عبد الله. ويذكر بعضهم إن اسم "الفطيون"، هو "عامر ابن عامر بن ثعلبه بن حارثة بن عمرو بن الحارث المحرق بن عمرو مزيقياء". فهو من العرب على رأي هذا البعض، ومن اليمن، وليس من أصل عبراني.

وأبو جبيلة عند بعض الأخباريين، هو "عبيد بن سالم بن مالك بن سالم"، أحد بني غضب بن جشم بن الخزرج. فهو على هذه الرواية رجل من الخزرج ذهب إلى ديار الشام، فملك على غسان. وذهب بعض آخر من الأخباريين إلى انه لم يكن ملكاً، وإنما كان عظيماً ومقرب عند ملك غسان. ونسبه بعض أهل الأخبار إلى "بني زريق"، بطن من بطون الخزرج. ونعته ب "أبي جبيلة الملك الغساني".

ونحن إذا أخذنا بهذه الرواية، وجب علينا القول: إن أخذ الأوس والخزرج أمر المدينة بيدهم، وزحزحة اليهود عنها، يجب إن يكون قد وقع في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، أي في زمن لا يبعد كثيراً عن الإسلام. لأننا نجد إن أحد أولاده وهو "عثمان بن مالك بن العجلان" في جملة من دخل في الإسلام وشهد بدراً، كما نجد جملة رجال من "بني العجلان"، من أبناء أخوة "مالك" وقد شهدوا "بدراً" ومشاهد أخرى، وهذا مما يجعل زمن "مالك" لا يمكن إن يكون بعيداً عن الإسلام.

ويظهر من دراسة هذه الأخبار المروية عن اليهود وملكهم "الفطيون" وعن الأوس والخزرج وما فعلوه بايهود، إن عنصر الخيال قد لعب دوراً في هذا المروي في كتب أهل الأخبار عن الموضوع. ونجد في القصص المروي عن ملوك اليمن وعن ولعهم بالنساء وعملهم المنكر بهن، ما يشبه هذا القصص الذي نسب إلى "الفطيون". ونجد للعلاقات الجنسية مكانة في هذا القصص الجاهلي الذي ايرويه أهل الأخبار عن ملوك الجاهلية. وما قصة "الفطيون" إلا قصة واحدة من هذا القصص الذي نبد للغرائز الجنسية مكانة بارزة فيه.

ويظهر إن كلمة "الأوس" هي اختصار لجملة "أوس مناة". و "مناة" كما نعلم صنم من أصنام الجاهلية. و "الأوس" هو جدّ الأوس، وهو في عرف النسَّابين "أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن مرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد".

وينقسم الأوس إلى بظون، منهم: عوف، والنبيت، وجشم، وُمرّة، وامرؤ القيس. وقد عرف "بنو مرّة" بالجعادرة كذلك. واتفقت جشم ومرة وامرؤ القيس وكونت حلفاً عرف ب "أوس اللاة". وب "أوس" كذلك. وانقسمت هذه الكتلة إلى أربعة أقسام، هي: ختمة وهي "جشم" في الأصل، وأمية، ووائل وهي مرة، وواقف وهي امرؤ القيس. وانقسمت هذه البطون إلى أفخاذ عديدة، حدثت بينها منازعات وحروب.

ويرجع أهل الأخبار نسب أهل "قباء" إلى "عوف"، ونسب "النبيت" إلى "عمرو"، ونسب "الجعادرة" إلى "مرّة". وقيل انهم سموّا بذلك لأنهم كانوا يقولون للرجل إذا جاورهم "جعدرْ حنث شئت، فأنت آمن. أي اذهب حيث شئت". ومنهم بنو كلفة وبنو حنش وبنو ضبيعة.

ومن الأوس "أحيحة بن الجَلاّح بن الحريش بن جحجبا"، سيد الأوس في الجاهلية شاعر. وكانت عنده "سلمى بنت عمرر النجارية"، وأولاده منها إخوة عبد المطلب. وهو من "بني جحجبا". ومن ولده "المنذر بن عقبة ابن أحيحة بن الحلاّح"، شهد بدراً وقتل يوم بئر معونة. وله أشعار ذكرها الرواة، منها أبيات في رثاء ابن له.

وأما الخزرج، فانهم إخوة الأوس في عرف النسابين. فالخزرج، وهو جدّ الخزرج، هو شقيق أوس. وهو "الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد" وقد جاء نسله كما جاء نسل الأوس من اليمن بعد حادث سيل العرم، وسكنوا يثرب والى الشمال منها حتى "خبر" و "تيما،". وتأريخهم مثل تأريخ الأوس في رأي الأخباريين بدأ بالاتصال باليهود وبالعيش معهم وبينهم إلى إن تمكنوا منهم بعد الحادث الذي ذكرته وبعد مجيء أبي جبيلة لنصرتهم.

ومن سادات الأوس عند ظهور الإسلام، "سعد بن معاذ"، الذي قتل يوم "الخندق"، وأخوه "عمرو بن معاذ"، وقتل يوم أحد". و "سماك ابن عتيك" فارسهم في الجاهلية، وابنه "حضير الكتائب"، وكان سيد الأوس ورئيسهم يوم بعاث. وابنه "أسيد بن حضير"، شهد بدراً. ومنهم "أبو الهيثم بن التيهان"، وكان نقيباً، شهد العقبة وبدراً. و "قيس بن الخطيم بن عدي." الشاعر. و "سعد بن خيثمة !، وكان نقيباً، وقتل يوم بدر، وأبو قيس بن الأسلت الشاعر. و "شاس بن قيس بن عبادة"، وكان من أشراف الأوس في الجاهلية.

والخزرج أيضاً بطون، أشهرها: بنو النجار وينتسبون إلى "تيم الله بن ثعلبة" والحارث، وجعثم، وعوف، وكعب. ويلاحظ إن جشماً وعوفاً هما اسما بطنين أيضاً من بطون الأوس.

ومن الخزرج "أبو أيوب خالد بن زيد"، نزل عليه النبيّ أيام قدم المدينة. و "نعيمان بن عمرو"، وكان النبي يسخف نعيمان، لم يلقه قط إلا ضحك إليه. و "أسعد الخير بن زرارة بن عدس"، شهد العقبة وكان نقيباً، و "أبو أنس بن صرمة" الشاعر، وهو جاهلي، و "ثابت بن قيس بن شاس"، خطيب رسول الله، وعمرو بن الاطنابة الشاعر، جاهلي وهو أحد فرسان الخزرج. و "سعد بن عبادة بن دليم" وابنه "قيس بن سعد بن عبادة" وكان نقيباً سيداً جواداً، وابنه قيس أجود أهل دهره في أيام معاوية، ومنهم "مالك بن العجلان" قاتل "الفطيون"، وأبنه "عثمان بن ممالك بن العجلان"، شهد "بدراً"، و "خالد بن قيس بن العجلان"، شهد بدراً، و "عمرو بن النعمان بن كلدة بن عمرو بن أمية بن عامر بن بياضة". رأس الخزرج يوم بعُاث. و "رافع بن مالك بن العجلان"، وهو أول من أسلم من الأنصار، و "النعمان بن العجلان". و "مرداس بن مروان"، شهد يوم الحديبية، وبايع تحت الشجرة، وكان أمين النبي على، سُهمان خيبر، و "خشرم بن الحباب"، وكان حارس النبي. و "البرّاء بن معرور"، عقبيّ وكان نقيباً، وهو أول من أوصى بثلث ماله وأول من استقبل القبلة، وأول من حفن عليها. و "أبو قتادة بن ربعي" فارس النبي.

ويذكر الأخباريون انه كان للخزرج رئيس منهم، هو "عمرو بن الأطنّاية"، وقد ملك الحجاز. وكان ملكه على رأيهم في أيام "النعمان بن المنذر"، قتله الحارث بن ظالم قائل خالد بن جعفر بن كلاب. وكانت بينه وبين "عمرو" خصومة. وذكر إن "عمراً"، قال شعراً يهزأ فيه بالحارث جاء فيه: أبلغ الحارث بن ظالم الموُعدَ  والنافر الـنـذور عَـلـيَا

إنما تقتل النيام ولا تـقـتـل  يقظان ذا سـلاحّ كـمـيّا

وكان عمرو شاعراً ومن الفرسان.

وبالرغم من صلة الرحم القريبة التي كانت بين الأوس والخزرج، فقد وقعت بينهما حروب ترك لا فيها من الطرفين خلق كثير، وأول حرب وقعت بين الأوس والخزرج هي على رواية الأخباريين حرب "سمير" "سميحة". و "سمير" في روايتهم رجل من الاْوس من بني عمرو، شتم رجلاً اسمه كعب بن العجلان، وهو من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان، نزل على مالك بن العجلان رئيس الخزرج وحالفه وأقام معه، ثم قتله. فثارت الثائرة ببن الأوس بسبب هذا القتل وبسبب دفع دية القتيل، ثم وقعت الحرب. ثم اتفقوا على إن يضعوا حكماً بينهم يفصل في الأمر، فوقع اختيارهم على "المنذر بن حرام التجاري الخزرجي". وهو جدّ حسان بن ثابت، فحكم بينهم بأن يؤدوا لكعب دية الصريح، ثم يعودوا إلى سنّتهم القديمة، وهي دفع نصف الدية عن الحليف. فرضوا وتفرقوا، ولكن بعد إن تمكنت العداوة والبغضاء في نفوس الطرفين.

واشتعلت نيران حرب أخرى بين الأوس والخزرج لسبب امرأة من "بني سالم". وفد كانت الحرب في هذه المرة بين "بني جحجبا" من الأوس و "بني مازن بن النجار" من الخزرج. وقد وقعت في موضع "الرحابة" انهزمت فيه "بنو جحجبا".

ثم تجددت الحرب بين "عمرو بن عوف" من الأوس وبني الحارث من الخزرج بسبب مقتل رجل من بني عمرو، وقد عرفت هذه الحرب باسم" "يوم السرارة". وقد كان على الأوس "حضير بن سماك". وهو والد "أسيد بن حضير"، وكان على الخزرج "عبد الله بن سلول" "عبد الله بن أبيَّ" المعروف في الإسلام ب "رأس المنافقين". وقد انتهت بانصراف الأوس إلى دورها، فعدت الخزرج ذلك نصراً لها.

ووقعت حرب أخرى لأسباب تافهة كهذه الأسباب. وما كانت لتقع لولا هذه العصبية الضيقة يثيرها في الغالب أفراد لا منازل كبيرة لهم في المجتمع ومنهم من الصعاليك والمغمورين بأمور سخيفة، فإذا وقع على أحدهم اعتداء نادى قومه للأخذ بثأره، فنثور الحرب. ومن هذه الحروب، حرب بني وائل ابن زيد الأوسيين، وبني مازن بن النجار الخزرجيين، وحرب بني طفر من الأوس وبن بني مالك من الخزرج، وحرب فارع، وحرب حاطب، ويوم الربيع، وحرب الفجار الأولى، وهي غير حرب الفجار التي وقعت بين قيس وكنانة، ثم حرب معبس ومضرس، وحرب الفجار الثانية، ثم يوم بعاث. وكان اليوم آخر الأيام المشهورة التي وقعت بين الأوس والخزرج.

وكان رئيس الخزرج في يوم بعاث "عمر بن النعمان بن صلاءة بن عمرو بن أمية بن عامر بن بياضة". أما رئيس الأوس، فكان "حضير الكتائب بن سحلك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل". وقد ساعد الخزرج في هذا اليوم أشجع من غطفان، وجهينة من قضاعة. وساعد الأوس مزينة من أحياء طلحة بن إياس، وقريضة والنضير. وقد قتل فيه "عمرو بن النعمان" رئيس الخزرج. فانهزم الخزرج، وانتصرت الأوس.

وكان "حضير الكتائب بن سماك" سيد الأوس ورئيسهم يوم بعاث. ركز الرمح في قدمه وقل: ترون أفر!? فقتل يومئذ. وابنه "أسيد بن حضير" من الصحابة الذين شهدوا العقبة وبدراً.

وقد تخلل أخبار هذه الأيام كالعادة شعر، ذكر إن شعراء الطرفين المتخاصمين قالوه على الطريقة المألوفة في الفخر، وفي انتقاص الخصم، وفي إثارة النخوة لتصطلم الحرب ويستميت أصحاب الشاعر في القتال. وقد كأن المحلّق في هذه الأيام حسان بن ثابت الشاعر المخضرم الشهير، شاعر الرسول. وهو لسان الخزرج والمدافع عنهم، و "قيس بن الخطيم" وهو من الأوس، ثم جماعة ممن اشتركوا في المعارك، مثل: عامر بن الاطنابة، والربيع بن أبي الحقيق اليهودي، وعبد الله بن رواحة وآخرون.

ويظهر من روايات أهل الأخبار عن يثرب إن الأوس والخزرج، لم يكونوا كأهل مكة من حيث الميل إلى الهدوء والاستقرار، بل كانوا أميل من أهل مكة إلى حياة البداوة القائمة على الحصمومة والتقاتل. وقد بقي الحياّن يتعاصمان حتى جاء الرسول إليهما، فأمرهما بالكفّ عنه، ووجّههما وجهة أخرى أنستهما الخصومة العنيفة التي كانت فيما بينهما. ويظهر من رواياتهم أيضاً إن الأوس والخزرج، كانوا قد تحضروا واستقروا، غير انهم لم يتمكنوا من التخلص من الروح الأعرابية تخلصاً تاماً، بل بقوا محافظين على أكثر سجاياها، ومنها النزعة إلى التخاصم والتقائل، فألهتهم هذه النزعة عن الانصراف إلى غرس الأرض والاشتغال بالزراعة بهما فعل اليهود، وعن الاشتغال بالتجارة بمقياس كبير على نحو ما فعل أهل مكة. ونظراً لمساعدة أهل يثرب للرسول ومناصرتهم له وللمهاجرين، عرف الأوس والخزرج ب "الأنصار" في الإسلام. وصاروا يفتخرون بهذه التسمية، حتى غلبت عليهم، وصارت في منزلة النسب.

وكان أهل "يثرب" مثل غيرهم تجاراً، يخرجون إلى أسواق الشام فيتجرون بها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال منها تاجروا مع بلاد الشام. وكان "يهود" يثرب يتاجرون أيضاً، ويأتون إلى أهل "يثرب" بما يحتاجون إليه من تجارات. كما "كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدُمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش، وما يكون في الشام". وكانوا يتسقطون الأخبار وينقلونها إلى الروم عند ظهور الإسلام. فقدم بعض الساقطة المدينة.، وأبو بكر ينفذ الجيوش، وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص، وهو يقول" عليك بفلسطين وإيليا، "فساروا بالخبر إلى الملك هرقل"، وتهيأ لملاقاة المسلين.

ولم يذكرا الرواة جنس هؤلاء "الساقطة"، الذين كانوا يأتون بالتجارة من بلاد الشام إلى المدينة، هل كانوا روماً أم عرباً، أم يهوداً، أم كانوا خليطاً من كل هؤلاء. على كل كانوا تجاراً يأتون يثرب في الجاهلية لبيع ما يحملونه من تجارة، ولشراء ما يجدونه هناك، وبقوا شأنهم هذا إلى الإسلام، كما نرى من الخبر المتقدم.

هذا هو مجمل ما نعرفه عن تأريخ "يثرب" وهو شيء قليل، لا يكفي المتعطش لمعرفة تأريخ هذه المدينة التي تعدّ من المواضع المقدسة في الإسلام بد وان يأتي يوم سنكتشف فيه الأقنعة عن تأريخ المدينة قبل الإسلام. وذلك حين يقوم المنقبون المتخصصون بالبحث في تربتها عن الماضي المستور الدفين.

الطائف

والطائف على مسافة خمسة وسبعين ميلاً تقريباً إلى الجنوب الشرقي من مكة. وهي على عكس مكة أرض مرتفعة ذات جوّ طيب في الصيف فيه زرع وضرع، وغنى جادت الطبيعة به على أهله. وقد كان وما زال مصيفاً طيباً يقصده أهل مكة مراراً من وهج الشمس.

وتقع الطائف على ظهر جبل غزوان، وهر أبرد مكان في الحجاز، وربما جمد الماء في فروته في الشتاء، وليس بالحجاز موضع يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع. وبينها وبين مكة واد اسمه نعمان الأراك. وهي كثيرة الشجر والثمر، وأكثر ثمارها الزبيب والرمان والموز والأعناب، ولا سيما الصديفي، وفواكه أخرى عديدة. وهي تموّن مكة بالفواكه والبقول. وتحيط بها الأودية. ومن مواضعها، "الوهط"، وهو واد، أو مكان مطمئن من الأرض مستوّ، تنبت فيه العضاه والسمر والطلح والعرفط، وقد اتخذ بستاناً، صار ل "عمرو ابن العاص"، ثم لابنه. وقد عرف بكثرة كرمه وأنواع أعنابه.

والى الشرق من الطائف واد يقال له "لِيّة"، ذكر بعض أهل الأخبار إن أعلاه لثقيف وأسفله ل "بنٌي نصر بن معاوية" من هوازن.

وتأريخ مدينة الطائف تأريخ غامض، لا نعرف من أمره شيئا. إذْ لم تمس تربتها أيدي علماء الآثار بعد، كما إن السياح لم يجدوا في الطائف كتابات قديمة نجد. ولكن مكاناً مثل الطائف لا بد إن يكون له تأريخ قدم، ولا يعقل إن يكون من الأمكنة التي ظهرت ونشأت قبيل الإسلام. وليس لنا من أمل في الحصول على شيء من تأريخ الطائف إلا بقيام العلماء بمناجاة تربتها واستدراجها لتبوح لهم بما تكنهّ من كتابات مسجلة في الألواح يتحدث عن تأريخ هذا المكان المهم.

وقد عثر الباحثون فعلا على كتابات مدوّنة على الصخور المحيطة بمدينة الطائف الحديثة وفي مواضع غير بعيدة عنها. وقد تبين إن بعضاً منها بالنبطية وبعضاً آخر بالثمودية، وان بعضاً بأبجدية أخرى، وان بعضاً بأبجدية القرآن الكريم، أي بقلم إسلامي. ولا يستبعد عثور العلماء في المستقبل على كتابات ستكشف عن تأريخ هذه البقعة، وعن تأريخ من سكنها قبل الإسلام وقبل ثقيف. وُذكر إن بعض كتابات يشبه شكلها شكل الأبجدية اليونانية، وكتابات أخرى يشبه خطها الخط الكوفي عثر عليها في "بستان شهار" على مسافة كيلومترين إلى الجنوب من الطائف. غير إنها لم تدرس حتى الآن. ومكان مهم بالنسبة للطرق التجارية ولموقعه المعتدل الجمبل، لا بد وان يكون قد لفت أنطار سكان العربية الغربية قبل الميلاد فسكنوه، ولا أستبعد إمكانية تدوين تأريخ صحيح لهذه المدينة إذا ما قام المنقبون بالبحث فيها وفي الأماكن القريبة منها لاستنطاقها، لتتحدث لهم عما عرفته من أخبار تلك الشعوب التي سكنت هذا الموضع قبل ثقيف.

ويزهم أهل الأخبار إن الطائف إنما سميت طائفاً، بحائطها المطيف بها. اما اسمها القديم، فهو "وجَّ". ولهم روايات عن كيفية قيام ذلك الحائط. وقد حاول بعض أهل الأخبار إعطاء الطائف مسحة دينية، فزعموا بأنها من دعوات إبراهيم، وإنها قطعة من أرض ذات شجر كانت حول الكعبة، ثم انتقلت من مكانها بدعوة إبراهيم، فطافت حول البيت، ثم استقرت في مكانها، فسميت الطائف، وزعمت إن جبريل اقتطعها من فلسطين، وسار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حول الطائف. وهكذا أكسبت هذه الروايات قدسية، وجعلت لها مكانة دينية. وهي روايات يظهر إنها وضعت بتأثير من سادات ثقيف المتعصبين لمدينتهم، والذين كانوا يرون إن مدينتهم ليست بأقل شأناً من مكة أو يثرب. وقد كان بها سادات وأشراف كانوا أصحاب مال وئراء.

وقد زعم بعض أهل الأخبار إن الذي أقام حائط الطائف رجل من الصدف، يقال له "الدمون بن عبد الملك"، قتل ابن عم له يقال له "عمرو" بحضرموت، ثم فرّ هارباً، ثم جاء إلى "مسعود بن معتب الثَّقفيّ" ومعه مال كثير، وكان تاجراً، فقال: أريد إن أحالفكم على إن تزوجوني وأزوجكم وأبن لكم طوفاً عليكم مثل الحائط لا يصل اليكم احد من العرب، فوافقوا على ذلك، وبنى لهم طوفاً عليهم، في ميت الطائف، فزوّجوه.

وقد كان لأهل. الطائف معبد يحجون إليه، هو معبد "اللات". وكانوا يعظَّمنونه ويتبركون به. ويذكر أهل الأخبار إن اللات كان صخرة مربعة يلت يهودي عندها السويق. وكان سسَد نته "بنو عتاب بن مالك"وهم من ثقيف. وقد بنوا له بناءً ضخماً. وكانت العرب، ومنها قريش، تعظمه، وتحجّ إليه وتطوف به. وقد هُدم في الإسلام عند فتح الطائف ودخول أهلها فيه. وقد هَدم الصنم" المغيرةُ بن شعبة، وأحرقه بالنار. ويقع موضعه تحت منارة المسجد، الذي بني على أنقاض ذلك المعبد، وهو مسجد المدينة. فمسجد الطائف إذنْ هو معبد اللات القديم، وهو في الطائف نفسها.

ويُرجع أهل الأخبار زمان الطائف إلى العمالقة، ويقولون: إنها إنما سميت "وَجّاً" بوجّ بن عبد الحيّ، من العماليق، وهو أخو "أجأ" الذيُ سمي به جبل "طيّ". ثم غلب عليها "بنو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان ابن مُضَر"، ثم غلبهم "بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن"، وذلك بعد قتال شديد. ثم استغلّت ثقبف الظروف، فاستولت عليها، وأخذتها من "بني عامر"، فارتحل "بنو عامر" عنها، ونزحوا إلى تهامة، وتحكم بها بنو ثقيف.

ويذكز بعض أحل الأخبار إن أول من ملك الطائف "عدوان بن عمرو بن قيس ابن عَيْلان بن مضر". فلما كثر "بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن"، غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد. وقد كانت مواطن "بني عامر" بنجد. وكانوا يصيفون بالطائف، حتى غلبتهم ثقيف. فخرجوا إلى تهامة. وكان منهم "عامر بن الظرب العدواني" أحد الحكماء العرب.

وقد ورد في بعض الأخبار إن قوم ثمود هم الذين نزلوا بالطائف بعد العماليق، فأخذوها منهم، وذلك قبل ارتحالهم عنها إلى وادي القرُى، بسبب منازعة القبائل لهم، ومن ثم ربط رواة هذه الأخبار نسب ثقيف بثمود. وقد صيرّ بعض أهل الأخبار ثقيفاً مولى من موالي هوازن، ونسبهم آخرون إلى إياد.

وجاء في رواية أخرى إن أقدم سكان الطائف هم بنو مهلائيل بن قينان، وهم الذين عمروها وغرسوها وأحيوا مواتها. وقد سكنرها قبل الطوفان. فلما وقع الطوفان، كانوا في جملة من هلك فيه من الأمم الباغية. فخلت الطائف منهم، وسكنها بعدهم بنو هانىء بن هذلول بن هوذلة بن ثمود، فأعادوا بناءها وعمروها حتى جاءهم قوم من الأزد على عهد "عمرو بن عامر"، فأخرجوهم عنها، وأقاموا بها وأخذوا أماكنهم، ثم توالى عليها العرب حتى صارت في أيدي ثقيف.

وصيرّ بعض أهل الأخبار ثقيفاً رجلاً منتشرداً، اتفق مع ابن خاله النخَّعَ على الهجرة في طلب الرزق والعيش، فذهب النخَّعَ إلى اليمن، فنزل بها، وذهب "ثقيف" إلى وادي الفُرى، فنزل على عجوز يهودية لا ولد لها، واتخذها ثقف أماً له. فلما حضرها الموت، أوصت له بما كان عندها من دنانير وقضبان، ثم دفنها وذهب نحو الطائف. فلما كان على مقربة منها، وجد أمة حبشية ترعى غنماً، فأراد قتلها ليستولي على ماشينها، فارتابت منه، وأخبرته بأن يصعد إلى الجبل، فيستجير ب "عامر بن الظَّرِب العدَْواني" فإنه سيجيره ويغنيه، ويربح، أكثر من ربحه من استيلائه على هذه الغنمْ. فذهب إليه، وأجاره، وأغناه، وأنزله عنده، وزوّجه ابنة له، وبقي مقيماً في الطائف، وتكاثر ولده، حتى زاحموا بني عامر، وتلاحيا ثم اقتتلا، فتغلبت ثقيف على بني عامر، واستولت على الطائف.

ويذكر هؤلاء الرواة إن ثقيفاً اتفقوا مع "بني عامر" على إن يأخذوا الطائف لهم ويرحل بنو عامر منها، فيدفعوا لهم نصف ما يحصلون عليه من غلات. وقد بقوا على ذلك أمداً، حتى ثبّتت ثقيف نفسها في الطائف وقوّت دفاعها وأحكمت مواضعها، ثم امتنعت عن دفع أي شيء كان لبني عامر، فوقع قتال بين الطرفين انتهى بانتصار ثقيف. وصارت بذلك سيدة الطائف بلا نزاع.

وقد حسدهم طوائف من العرب، وقصدوهم لما صار لهم من مركز ومن رزق رغد وأثمار وجنان، ولكنهم لم يتمكنوا من الظفر بطائل، وتركوهم على حالهم.

وذكر بعض أهل الأخبار إن "عبد ضخم" كانوا فيمن سكن الطائف. وقد كانوا من عادٍ الأولى، وهلكوا فيمن اهلك من عاد ومن أقوام بائدة.

وذكر انه كان بالطائف قوم من يهود، طردوا من اليمن ومن يثرب، فجازوا إلى الطائف، وسكنوا فيها، ودفعوا الجزية لساداتها، ومن بعضهم ابتاع "معاوية" أمواله بالطائف.

وقد كان لوقوع الطائف على مرتفع، ولحائطها المزود بأبراج واستحكامات الفضل بالطبع في صد الأعراب ومنعهم من نهبها وغزوها. والظاهر إن أهل الطائف كانوا قد اقتفوا أثر اليمن في الدفاع عن مدنهم وقراهم، حيث كانوا يبنونها على المرتفعات في الغالب، ثم يحيطون ما يبنونه بأسوار ذات أبراج لمنع العدوّ من الدنوّ منها، ولا سيما الأعراب الذين لم يكونوا بحكم طبيعة معيشتهم في ارض منبسطة مكشوفة، ولفقرهم وعدم وجود أسلحة حسنة لديهم يستطيعون مهاجمة مثل هذه التحصينات، وأخذها على غرة حيث تقفل أبواب الأسوار وتغلق ليلاً، وفي أوقات الخطر-فلا يكون في استطاعة أحد ولوجها، لذلك صارت هذه التحصينات من اثقل الأعداء على قلوب الأعراب.

ولما هَمَّ "أبرهة" بالسير إلى مكة، كانت الطائف في جملة المواضع التي نزل بها في طريقه إليها. وقد خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فأتوه بالطاعة، وبعثوا معه "أبا رغال" دليلاً، فأنزله المغمّس بين الطائف ومكة، فهلك "ابو رغال" هناك وقبره في ذلك الموضع.

وعند ظهور الإسلام كان أغلب سكان هذا الموضع ينتسبون إلى قبيلة ثقيف. وترجع هذه القبيلة نسبها مثل القبائل الأخرى إلى جدّ أعلى، يقولون إن اسمه "قسيّ بن منبه"، ويقول الأخباريون إنما دعي قسيًّاً لأنه قتل رجلاً، فقيل قسا عليه، وكان غليظاً قاسياً.

والنسابون يختلفون في نسبه، فمنهم من ينسبه إلى إياد، في جعله قسيّ بن نبت ابن منبه بن منصور بن مقدم بن أفصى بن دُعْمِيّ بن إياد بن معد، ومنهم من يجعله من هوازن، فيقول" قسيّ بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.

ونحن إذا درسنا ما رواه أهل الأخبار عن نسب ثقيف، وعن القبائل التي اتصلت بها، نجد إنها كانت ذات صلة وثيقَة بقبائل "قيس عيلان" من مجموعة مضَر. ومعنى هذا إنها كانت على مقربة منها، وإنها كانت من قبائل مضر. كما نجد في الوقت، نفسه إنها كانت على صلات وثيقة مع بعض قبائل اليمن. فسرت هذه الصلات بوجود نسب لثقيف باليمن. وهذا النسب المزدوج، هو كناية عن الصلات التي كانت تربط بين "ثقيف" ومجموعة. "مضر"، وبينها وبين قبائل اليمن. وهو تعبير عن موضع الطائف.المهم الوسط، الذي يربط بين اليمن والحجاز والطرق المارة إلى نجد. مما جعله وسطاً وموضعاً للاحتكاك بين قبائل هذه الأرضين.

وصروا ثقيفاً في رواية اخرى ابناً لأبي رغال، ثم رفعوا نسب الابن والأب إلى قوم ثمود، وجعله حمّاد الرواية ملكاً ظالماً على الطائف، لا يرحم أحداً، مرّ في سنة مجدبةٍ بامرأة ترضع صبيّاً يتيماً بلبن عنز لها، فأخذها منها فبقى الصبي بلا مرضعة، فمات، فرماه الله بقارعة فأهلكه، فرجمت العرب قبره، وصار رجم قبرهُ سنة للناس. فهل تجد رجلاً ألأم من هذا الرجل على هذا الوصف?.

وقد قيل في "أبي رغال" انه كان رجلاً عشّاراً في الزمن الأول، جائراً، وقيل كان عبداً لشعيب، وقيل: اسمه "زيد بن مخلف" عبدٌ كان لصالح النبيّ، وأنه أرسله إلى قوم ليس لهم لبن الا شاة واحدة، ولهم صبي قد ماتت أمه يغذونه بلبن تلك الشاة، فأبى إن يأخذ غيرها، فقالوا: دعها نحايي بها هذا الصبي، فأبى، "فيقال" انه نزلت به قارعة من السماء، ويقال" بل قتله رب الشاة. فلما فقده صالح، قام في الموسم ينشد الناس، فأخبر بصنيعه، فلعنه، فقبره بين مكة والطائف يرجمه الناس".

وفي رأيي إن معظم هذه الروايات التي يرويها الأخباريون عن ثقيف إنما وضعت في الإسلام، بغضاً للحجاج الذي عرف بقوته وبشدته، فصيروا ثقيفاً عبداً لأبي رغال، وجعلوا اصله من قوم نجوا من ثمود. وأبو رغال نفسه جاسوس خائن في نظر الأخباريين، حاول إرشًاد أبرهة إلى مكة، فكيف يكون أذن حال رجل من قوم فَسقَة كفَرَة، ثم صار عبداً لجاسوس لئيم وقد رأيت إن من أهل الأخبار من صيَرّ "ثقيفاً" رجلاً مهاجراً، هاجر في البلاد يلتمس العيش حتى جاء واديَ القُرَى، فتبنًّته عجوز يهودية، وعطفت عليه، حتى إذا ما ماتت اخذ مالها، وهاجر إلى الطائف، وكان لئيماً فطمع في غنمِ لأمَةٍ حبشية، وكاد يقتلها لولا إشارتها عليه باللجوء إلى "عامر بن الظَّرِب"، الجواد الكريم وصاحب الطائف، فأعطاه وحباه، ولكن أبى لؤم ثقيف إلا إن ينتقل إلى ولده، فتنكروا لبني عامر وأخرجوهم عن الطائف، واستبدوا وحدهم بها.

وبنو ثقيف حزبان: الأحلاف ومنهم: "غيلان بن سلمة" و "كنانة بن عبد ياليل" و"الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب"، و"ربيعة بن عبد ياليل" و "شرحبيل بن غيلان بن سلمة"و "عثمان بن أبي العاص" و "أوس بن عوف" و "نمير بن خرشة بن ربيعة"، وقد ذهب هؤلاء إلى الرسول وأسلموا، فاستعمل عليهم "عثمان بن أبي العاص". وأما القسم الثاني، فعرف ب "بني مالك"، وقد ذهب نفر منهم مع هذا الوفد إلى الرسول، فضرب لهم قبة في المسجد. وأما الأحلاف، فنزلوا ضيوفاً على "المغيرة بن شعبة" وهو من ثقيف. ومن الإخلاف في الإسلام: المختار بن أبي عبيد، والحجاج بن يوسف.

ومن زعماء الأحلاف عند ظهور الإسلام" أميةّ بن أبي الصلت، والحارث. ابن كلدة، ومعتب، وعتاب، وأبو عتبة، وعتبان.

ويذكر أهل الأخبار إن حربا وقعت بين "مالك" والأحلاف، فخرجت الأحلاف تطلب الحلف من أهل يثرب على "بني مالك"، وعلى رأسها "مسعود ابن معتب" رأس الأحلاف. فقدم على "احيحة بن الحلاّج"، أحد بني عمرو بن عوف من "الأوس". فطلب منه الحلف. فأشار عليه "احيحة"، إن عليه إن يعود إلى الطائف ويصالح إخوانه، فان أحداً لن يبر له إذا حالفهم، فانصرف "مسعود" عن "عتبة" بعد إن زوّده بسلاح وزاد وأعطاه غلاماً يبني الأسوار. فلما وصل، أمر الغلام ببناء سور حول الطائف. فبناه له، وأحيطت الطائف بسور قوي حصين، وأمنت بذلك على نفسها من غارات الإعراب.

ويختلف أهل الطائف عن أهل مكة، وعن الأعراب من حيثُ ميلهُم إلى الزراعة واشتغالهم بها وعنايتهم بغرس الأشجار. وقد عرفت الطائف بكثرة زبيبها وأعنابها واشتهرت بأثمارها. وقد كان أهلها يعُنون بزراعة الأشجار المثمرة، ويسعون إلى تحسين أنواعها وجلب أنواع جديدة لها، فقد استوردوا أشجاراً من بلاد. الشام ومن أماكن أخرى وغرسوها، حتى صارت الطائف تموّن مكة وغيرها بالأثمار والخضر.

وثقيف حضر مستقرون متقدمون بالقياس إلى بقية أهل الحجاز. فاقوا غيرهم في الزراعة اذ عنوا بها كما ذكرت مع واستفادوا من الماء فائدة كبيرة، وأحاطوا المدينة ببساتين مثمرة، كما فاقوا في البناء فبيوتهم جيدة منظمة، وكان لهم حذق ومهارة في الأمور العسكرية. وقد تجلى ذلك في دفاعهم عن مدينتهم يوم حاصرها الرسول وتحصنهم بسورهم، ورميهم المسلمين بالسهام وبالنار من فوق سورهم، يوم لم يكن لمكة ولا للمدينة سور ولا خنادق.

كذلك اختلف أهل الطائف عن غيرهم من أهل الحجاز في ميلهم إلى الحرف اليدوية مثل الدباغه والتجارة والحدادة، وهي حرف مستهجنة في نطر العربي، يأنف من الاشتغال بها. ولكن أهل الطائف احترفوها، وربحوا منها، وشغّلوا رقيقهم بها. وقد استفادوا من خبرة الرقيق، فتعلموا منهم ما لم يكن معروفاً عندهم من أساليب الزراعة وأعمال الحرف، فجددوا وأضافوا إلى خبرتهم خبرة جديدة.

وقد عاش أهل الطائف في مستوى هو أرفع من مستوى عامة أهل الحجاز، فقد رزقوا فواكه أكلوا منها، وجففوا بعضا منها مثل "الزبيب"، وأكلوا وصدروا منه ما زاد عن حاجتهم، كما اقتاتوا بالحبوب واللحوم. حتى حظ فقراء الطائف، هو أرفع وأحسن من درجة من حظ فقراء المواضع الأخرى من الحجاز.

وقّد ذهب المفسرون إلى أن كلمة القريتين الواردة في القرآن الكريم، تعني مكة و الطائف. )وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم(.

و كان رؤساؤها من المثرين الكبار، لهم حصون يدافعون بها عن أنفسهم وعن أموالهم، ولهم علم بالحرب. ولحماية مدينتهم أقاموا حصوناً على مسافات منها، وحوّطوا مدينتهم بسور حصين عال، يردّ من يحاول دخولها، وجمعوا عندهم كل وسائل المقاومة الممكنة التي كانت معروفة في ذلك العهد، مثل أوتاد الحديد التي تحمى بالنار لتلقى على الجنود المختفين بالدبابات، وغير ذلك من وسائل المقاومة والدفاع، كما كانوا قد تغلّموا من أهل اليمن مثل مدينة "جرش" صناعة العرادات والمنجنيق والدبابات.

وكان أغنياء "الطائف"، كأغنياء مكة وأغنياء المواضع الأخرى من جزيرة العرب أصحاب ربا، ولما اسلموا اشرط عليهم الرسول أن لا يرابوا، ولا يشربوا الخمر.وكتب لهم كتاباً. وكانت لهم تجارة مع اليمن، ولكننا لا نسمع شيئاً عن قوافل كبيرة كقوافل أهل مكة، كانت. تتاجر مع بلاد الشام أو العراق. ولعلهم كانوا يساهمون مع تجار مكة في اتجارهم مع تلك الديار.

وقد اشتهرت الطائف بدباغة الجلود، وذكر أن مدابغها كانت كثيرة، وان مياهها كانت تنساب إلى الوادي، فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية. واشتهرت بفواكهها وبعسلها.

وقد استغل أثرياء قريش أموالهم في الطائف، فاشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها، واشتروا بعض المياه، وبنوا لهم منازل في الطائف ليتخذوها مساكن لهم في الصيف، وأسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية رابحة، وربطوا حبالهم بحبالهم، وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء.

ولما فتحت مكة، وأسلم أهلها طمعت ثقيف فيها، حتى إذا فتحت الطائف أقرت في أيدي المكيين، وصارت أرض الطائف مخلافاً من مخاليف مكة.

وقد كان بين أهل مكة وأهل الطائف تنافس وتحاسد، وقد حاول أهل الطائف جلب القوافل اليهم، وجعل مدينتهم مركزاً للتجار يستريحون فيه، وقد نجحوا في مشروعهم هذا بعض النجاح يوم استولى الفرس على اليمن، وتمكنوا فيه من طرد الحبش عن العربية الجنوبية، فصارت قوافل "كسرى" التجارية و "لطَائم" ملوك الحيرة تذهب إلى اليمن وتعود منها من طريق الطائف، ونغصت بذلك عيش أهل مكة، غير إن أهل مكة تمكنوا من التغلغل إلى الطائف ومن بسط سلطانهم عليها، بإقراض سادتها الأموال، وبشراء الأرضين. فبسطوا بذلك سلطانهم عليها، وأقاموا بها أعمالاً اقتصادية خاصة ومشتركة، وهكذا استغل أذكياء مكة هذا الموضع المهم، وحوّلوه إلى مكان صار في حكم التابع لسادات قريش.

ومن سادات الطائف: "عبد ياليل" وأخوته "حبيبا" و "مسعودا" و "ربيعة" و "كنانة" وهم "بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفي"، وكانوا أثرياء أجواداً يطعمون بالرياح. وأمهم "قلابة بنت الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج" الثقفي. وبيت "بني علاج" من البيوت القديمة المعروفة بالطائف.

وقد لقي الرسول مقاومة عنيفة من أهل الطائف حين حاصرها وأحاط بها، فقد تحصن أهلها بحائطهم وبحصونهم، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وصنعوا الصنائع للقتال. إما من كان حول الطائف من الناس، فقد أسلموا كلهم. ولما ضيق المسلمون الحصار عليها، وقربوا من الحائط، دخل نفر من أصحاب رسول الله تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد فحماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالاً، فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف،كي يحملهم على فتح أبواب مدينتهم ومهادنة الرسول، للإبقاء على أموالهم، غير انهم لم يبالوا بما رأوا من قطع أعنابهم وتخريب بساتينهم، وبقوا على عنادهم، مما حمل الرسول على ترك حصارهم والرحل عنهم انتظاراً لفرصة أخرى.

ويذكر أهل الأخبار، إن "سلمان الفارسي"، اتخذ منجنيقاً نصبه المسلمون على الطائف، وان المسلمين كانت لهم دبّابة، جاء بها "خالد بن سعيد بن العاص" من "جرش".

ويذكر الطبري إن عروة بن مسعود، وهو من وجوه الطائف، كان قد تعلم مع غيلان بن سلمة صنعة الدبابات والضّبور والمجانيق من أهل جرش. وقد اشتهرت هذه المدينة بصنع آلات الحرب.

ولما انصرف الرسول عن الطائف، اتبع أثره "عروة بن مسعود بن معتب" حتى أدركه قبل إن يصل إلى المدينة، فأسلم. فلما رجع إلى الطائف على أمل إقناع أهلها بالدخول في الإسلام، لمكانته فيهم، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سمم فقتله. ثم أقامت ثقيف بعد مقتل عروة أشهراً، ثم انهم ائتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأرسلوا وفداً إلى المدينة لمفاوضة الرسول على الدخول في الإسلام. فلما دخلوا عليه أبوا إن يحيوّه إلا بتحية الجاهلية، ثم سألوه إن يدع لهم "الطاغية"، وهي اللات لا يهدمها إلى أجل، لأنهم أرادوا بذلك "فيما يظهرون إن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون إن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا إن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية إن يعفيهم من الصلاة، وان يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه. وأما الصلاة، فلا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد، أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة".

فلما وصل الوفد ومعه أبو سفيان والمغيرة بن شعبة، إلى الطائف، وأرادا هدم الصنم، "أراد المغيرة إن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة بن شعبة، علاها يضربها بالمعول، وقام قوم دونه-بنو مُعتب -خشية إن يرمى أو يصاب... وخرجن نساء ثقيف حسّراً يبكين" "ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهاً لك. فلما هدمها المغيرة، أخذ مالها وحُليهَّا، وأرسل إلى أبي سفيان وحليهّا مجوع، ومالها من الذهب والجزع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان إن يقضي من مال اللات دين عروة. والأسود ابني مسعود، فقضي منه دينهما".

وذكر عن "عروة بن مسعود الثقفي" انه كان من الرجال الذين كانوا عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام، وانه نادى على سطحه بالطائف بالأذان أو التوحيد، فرماه رجل من أهل الطائف فقتله، وان الرسول، قال فيه: "مثله مثل صاحب ياسين". "ويقال إنه الذي ذكره الله عز وجل في التنزيل من القرينين عظيم. وذكر بعض أهل العلم إن أربعة اتصل سؤددهم في الجاهلية والإسلام" عروة بن مسعود، والجارود واسمه: بشر بن المعلى، وجرير بن عبد الله، وسراقة بن جعشم المُدْلجي".

وثقيف أقرب في الواقع إلى اليمن منهم إلى أهل الحجاز. وتكاد تكون ثقافتهم ثقافة يمانية، وحياتهم الاجتماعية حياة اجتماعية من النوع المألوف في اليمن. حتى في الوثنية نجد لهم معبداً خاصاً بهم، يتقربون إليه ويحجون له. ولعلّ هذه الاختلافات وغيرها هي من جملة العوامل التي صَيرت ثقيفاً مجتمعاً خاصاً معارضاً لمجتمع مكة، وجعلت أهل الطائف يكرهون أهل مكة الذين امتلكوا أملاكاً في الطائف، وكانوا يأتون إليها في الصيف هرباً من جوّ مكة المحرق.

ومن بطون ثقيف، "بنو الحطيط" و "بنو غاضرة". ومن " بني الحطيط "مالك بن حطيط"، وكان من ساداتهم في الجاهلية، ومن ثقيف الشاعر أمية بن أبي الصلت. "وكان بعض العلماء يقول لولا النبي صلى الله عليه وسلم، لادعت ثقيف إن أمية نبيّ، لأنه قد دارس النصارى وقرأ معهم ودارس اليهود وكل الكتب قرأ. ولم يسلم ورثى قتلى بدر. ومن رجالهم "أبو محجن"، كان شاعراً فارساً شجاعاً شهد يوم القادسية، وكان له فيها بلاء عظيم، وقد شهد يومئذ "عمرو بن معد يكرب" وغيره من فرسان العرب، فلم يبل أحد بلاءه. و "الأخنس بن شريق"، وتزعم ثقيف انه أحد الرجلين اللذين ورد ذكرهما في القرآن، على رجل من القريتين عظيم: "الأخنس بن شريق والوليد بن المغيرة. وقد كان حليفا لبني زهرة. وقد خنس ببني زهرة يوم بدر.

ومن ثقيف "بنو علاج"، ومنهم "الحارث بن كلدة". "كان طبيب العرب في زمانه وأسلم ومات في خلافة عمر". والمغيرة بن شعبة.

ومن بني ثقيف عثمان والحكم ابنا أبي العاص بن بشر بن دهمان الثقفي، كانا شريفين عظمي القدر، ولى "عمر" عثمان عمان والبحرين وأقطعه الموضع المعروف بالبصرة ب "شط عثمان". ومنهم "تميم بن خرشة بن ربيعة"، أحد وفد ثقيف إلى رسول الله، ومن فرسانهم في الجاهلية" "أوس بن حذيفة" وأدرك الإسلام، و "ضبيس بن أبي عمرو"، و "همام بن الأعقل" وآخرون.

الفصل الرابع والأربعون
مجمل الحالة السياسة في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام

استعرضنا في الفصول المتقدمة من هذا الكتاب حالة العرب السياسية قبل الإسلام على قدر ما أدّى إليه بحثنا، وساعفتنا عليه الموارد. أما في هذا الفصل وهو خاتمة فصول القسم السياسي، فنستعرض حالة العرب السياسية في القرن السادس للميلاد بوجه عام،   

والقرن السادس للميلاد، فترة من الفترات المهمة في تأريخ البشرية، فيه ظهرت أمارات الشيخوخة على الانبراطورية الساسانية التي شيدها "أردشير الأول" على أثر الثورة التي اندلعت عام "224 م" أو "226 م"، ثم لم تلبث إن انهارت في القرن السابع للميلاد بسرعة عجيبة، وبأيد لم يحسب لوجودها حساب، ومن مكان لم يكن له قبل ظهور الإسلام أثر ما فعاًل في السياسة العالمية. وفي هذا القرن أيضاً برزت الأمراض العديدة التي ألمّت بالقيصرية، والأملاك التي كانت خاضعة لها، وهي أمراض لم تنج منها إلا ببتر بعض أطرافها في القرن التالي له، فخرجت من ردهة العمليات تئن من فاجعة الألم الذي حلّ بها، ومن هول ما أصيبت به بذلك البتر.

وفي النصف الثاني من هذا القرنُ ولدَ الرسول، وبميلاد الرسول ظهر حدث تأريخي خطير للبشرية في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، يكفي إن أثره قائم حتى الآن، وانه سيقوم إلى ما شاء. الله، وانه أوجد مفاهيم خلقية جديدة للبشرية، وانه بشر برسالة قائمة على إن الدين لله، وان الناس أمامه سواء، لا فرق بين فرد وآخر وجنس وجنس، ولا تمييز للون على اخر، ثم لم يلبث إن انتشر بسرعة عجيبة لم ينتشر بمثلها دين من الأديان، فقضى على إحدى الانبراطوريتين العظيمتين في عالم ذلك العهد، واستأصل الأعضاء الثمينة من الانبراطورية الأخرى، وأوجد من أشتات سكان جزيرة العرب أمة، ومن قبائلها المتنازعة حكومة ذات سلطان، وفاض على سداد الجزيرة، وسقى ما وراءها من أرضين، ثم وحد بين أقوام عديدين وجمعهم في صعيد دين الله.

وقد ابتلي هذا القرن والنصف الأول من القرن التالي له بأوبئة وبآفات وبمجاعات زادت في مشكلاته الكثيرة التي ورثها من القرون السابقة له، ففيه انتشرت أوبئة ابتلعت بضع مئات من البشر في كل يوم من أيام انتشارها، كانت كالعواصف تنتقل من مكان إلى مكانّ مكتسحة من تجده أمامها من مساكين، وتعود بين الحين والحين لتبتلع ما يسد حاجتها من البشر والحيوانات. وفيه ُمني العالم بزلازل وبنقص كبير في الغلات أوجد قحطاً ومجاعةً وفقراً في كثير من الأقطار، حتى اضطر كثير من الناس إلى هجر الأماكن المنكوبة والارتحال عنها إلى أماكن أخرى فيها النجاة والسلامة.

ولا ريب إن ظروفاً هذه حالتها، لا بد إن تتولد منها مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية للحكومات وللرعية، فاختل الأمن خاصة في المناطق الواقعة تحت أقدام الجيوش، فيوماً تكتسحها جيوش الفرس فتهدم كل ما تجده أمامها من قرى ومدن، ويوماً تغزوها جيوش الروم فتستولي على ما تجده أمامها من حاصلات زراعية ومن أموال. وفي ظروف هذه شأنها لا بد إن يجد الخارجون على النظام والطامعون في الربح السهل الحرام فرصاً مواتية لا يفرط فيها للكسب والظفر بما يرغبون فيه، فتأثرت بذلك حالة سكان هذه الأرضين، كما تعرضت التجارة للأخطار، واضطر التجار إلى سلوك طرق ثانية ليكونوا بمأمن من شر قطاع الطرق وفسادهم. وترك أكثر الناس مزارعهم وقراهم فراراً من هذا الوضع إلى المدن الكبيره البعيدة عن مواطن الغزو والأخطار،. فتحولت خيرة الأرضين الخصبة إلى اًرضين مجدبة، نتيجة لهذه الهجرة، ولتراكم الأتربة في شبكات الري. ولكن هذا القرن لم يعدم مع ذلكُ حكاماً حاولوا جهد إمكانهم إصلاح الخطأ، وأناساً كان لهم حسّ وشعور بما وصلت إليه الحالة فنادوا بالإصلاح. ولكن صيحاتهم لم تكن ذات أثر خطير في قوم قلقين حائرين، وليس في أيديهم زمام أمورهم، وقد اعتراهم ذهول جعلهم لا يعرفون كيف يتصرفون. ثم إن الحمل كان ثقيلاً، والأخطاء كثيرة، والأمراض، عديدة لا يقومها طبيب واحد أو أطباء معدودون.

لقد عزم "كسرى" الأول "531-579م" المعروف ب "كسرى أنو شروان"، على إصلاح الحال في مملكته، فأمر بوضع دستور جديد للجباية يخفف عن كاهل الدافعين بعض الثقل، وأمر بإصلاح الأرض وتوزيعها على شعبه بالعدل وبالإنصاف بين الناس حتى عرف لذلك بالعادل، واستعان بمستشارين حكماء كانوا يعظونه ويرشدونه بطريقة الحكم والأمثال والعظات إلى كيفية سياسة الرعية وتدبر أمورها، كما ولى النواحي الروحية عنايته كذلك، فأعاد الزردشتية القديمة، وقاوم الحركة المزدكية التي قام بها "مزدك" في عهد والد "قباد الأول" "483 - 531م" "488 - 531م"، وهي حركة تدعو إلى الغاء الملكية، والى الإباحية، والى القضاء على امتيازات النبلاء ورجال الدين على ما تقوله الموارد التأريخية العربية المستندة إلى موارد "فهلوية" شجعها "قباذ" لما وجد فيها من مبادئ توافق سياسته الرامية إلى مقاومة تلك الطبقات المتنفذة التي عارضت في انتقال العرش إليه، والتي اجتمعت كلمتها برئاسة "موبذان موبذ" والعظماء على إنزاله من عرشه، لما بدا لهم من ازوراره عنهم، وانحرافه عن الزردشتية إلى تعاليم مزدك المناهضة للموابذة ولعظماء المملكة الذين كانوا يتمتعون في المملكة بنفوذ واسع حدّ من سلطان "شاهنشاه".

ورسالة مزدك وتعاليمه، غامضة، لا نعلم من حقيقتها شيئاً، فقد أبيدت كتبهم وطمست معالم دينهم في.عهد "أنو شروان"، ولم يبق منها إلا هذه النتف المدوّنة في الكتب العربية عن موارد "فهلوية" دوّنت في أيام محفة المزدكية وبعدها. ويظهر من هذه النتف إنها حركة دينية اجتماعية سياسية تدعو إلى توزيع الثروات بين الناس بالتساوي. والى انتزاع الأموال والأرضين من الأغنياء لإعطائها للمقليّن، حىّ من كان عنده جملة نساء تؤخذ منه لتعطى لغيره من المحتاجين، فهي على هذا التعريف فكرة اشتراكية متطرفة عارضت النظم الاجتماعية القائمه، وهددت الدين القائم، وجرّأت العامة على تلك الطبقات، كان الملك في حاجة إليها للانتقام ممن عارضه فأيدها.

هذا وحيث أننا قد تعلمنا من التجارب التي تجري في الوقت الحاضر ومن دراستنا للموارد التأريخية القديمة، إن ما يكتب عن قوم غضب الحاكمون عليهم لا يمكن إن يكون مرآة صافية يعبر عن وجه أولئك القوم وعن ملامحهم الحقيقية، لذا فإننا لا نستطيع إن نقول ان ما وصل إلينا عن المزدكية بمثل رأيها وعقيدتها تمام التمثيل، إذ يجوز إن يكون منه ما هو مصنوع موضوع حمل عليهم، وان رواة الأخبار قد غرقوا منه، ودوّنوه على نحو ما وصل إلينا في كتبهم. لذلك يجب الانتباه على هذه الملاحظة.

وحمل عدل الملك الساساني وحلمه وتسامحه مع رعيته ومساعدته للخارجين على الكنيسة الرومية الرسمية "من الفلاسفة والمثقفين بالثقافة الإغريقية القديمة ممن كانوا هدفاً لهجمات الكنيسة الأرثودكسية في الانبراطورية البيزنطية" على الهجرة إلى المملكة الساسانية، طامعين في عدل الملك وحمايته، وفي بيأة تكون فيها الحربة الفكرية مكفولة مضمونة، لا ضغط فيها ولا إكراه. ولكنهم ما لبثوا إن وجدوا إن الزردشتية التي نصرها وأيدها "كسرى أنو شروان"، وهي ديانة المملكة غير ملائمة للفلسفة، وأنها ليست أرحب صدراً من "الأرثُودكسية"، وانهم لم يكونوا على صواب بمجيئهم إلى هذه الأرض، فرجوا من "ملك الملوك" الترفق بهم، بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم. فلما كانت الهدنة، طلب "كسرى" من قيصر في سنة 549م إباحة العودة إلى ديارهم والتلطف بهم والعفو عما بدر منهم من الذهاب إن مملكته.

وكان مما فعله "كسرى أنو شروان" أن هاجم الإمبراطورية البيزنطية وقيصرها في عهد "يوسطفيان" "يسطنيانوس" "جستنيان" "527 - 565م"، واشتبك معها في جملة حروب، ووسع حدوده في الشرق، وساعد الأحزاب المعارضة للروم، وأرسل حملة إلى اليمن بناء على طلب الأمراء المعارضين لحكم الحبشة عليها، ساعدتهم في وضع خطة لإزاحة الحبشة عنها. والحبش هم حلفاء البيزنطيين وإخوانهم في الدين وهم الذين حثوّا النجاشي على فتح اليمن بعد إن يئسوا من الاستيلاء عليها ومن الاستيلاء على الحجاز وبقية جزيرة العرب.

واتبع "كسرى الثاني" "595 - 628 م" المعروف ب "كسرى أبرويز"، وهو ابن "هرمز بن كسرى أنو شروان"، خطوات جدّه وأسلافه الملوك الماضين في الحرب مع البيزنطيين، فبلغ "خلقيدونية" ثلاث مرات، واستولى على بلاد الشام، ودخلت جيوشه القدس في سنة "614 م". ثم استولى على مصر في سنة "619 م" ودَوّخ بفتوحاته الروم إلى أن عاجله ابنه بخلعه، فاستراح الروم منه، ثم لم يلبثوا أن استردوا من الفرس أكثر ما أخذوه منهم في تلك الحروب.

وقد اضعفت هذه الحروب المتوالية الحكومة الساسانية وآذت الشعوب التي خضعت لحكمها وأفقرتها، وأثرت على الأمن الداخلي وعلى الأوضاع الاقتصادية والعمرانية تأثراً كبيراً ولا سيما في البلاد التي صارت ساحة تعبئة وتلاحم جيوش، وهي بلاد العراق. ولم يعد الإنسان يأمن على حياته وعلى ماله، وصار سواد الناس وكأنهم أبقار واجبها إعطاء الحليب وأداء الأعمال الأخرى للحكام، والذبح للاستفادة من لحومها ومن جلودها وعظامها حينما تنتفي الحاجات الأخرى منها. وتأسد المرازبة وقادة الجيوش في الحكم، حتى صار الحكم حكم عواطف وأهواء ومصالح، و "الشاهنشاه" عاجز عن عمل كل شيء لأن "الشاهنشاهية"، لم تعد متقيدة بالوراثة القديمة وبالآداب السلطانية، بل صارت لمن يستعين بأصحاب العضلات وبمثيري الفتق والاضطرابات. أضف إلى ذلك أن من بيده مفتاح الدفاع عن الدولة، وهم الجنود، والضباط الصغار، شعروا أنهم يقاتلون لا في سبيل وطن ودين وعقبدة، بل يقاتلون لأنهم يساقون اذ القتال قسراً، وهم في حالة. سيئة ووراءهم عوائلهم لا تملك شيئاً، وقد جيء بهم إلى الجيش قسراً وعلى طريقة "السخيرة". وهم يحاربون ولا سلاح لهم، لأن الحكومة لا تملك سلاحا، ولا نظام لهم، لأنهم لم يدربوا على القتال ولم يُعَلَّموا أصوله، أجسامهم تقاتل، وقلوبهم مشغولة في مصير أولادهم وزوجاتهم وبيوتهم، وهم المعيلون لهم، ليس لهم غيرهم من معين.

وحكومة هذا شأنها، لا يرممن لها أن تحافط على حدود طويلة مفتوحة سهلة تقيم عليها قبائل غارية، تترقب الفرص لتجد فرصة تهتبلها لتغير فيها على الحضر، فتنتزع منهم ما قد تقع أيديهم عليه من أي شيء. فصار الأعراب يغيرون على الحدود من كل مع مكان فيه نفوذ وجنود للساسانيين، ولاسيما بعد معركة "ذي قار" التي منحتهم قوة معنوية عالية، وعلمتهم مواطن الضعف عند الساسانيين. فما جاء الإسلام من جزيرة العرب صاروا عوناً له في تقويض تلك الدولة، ودالة ساعدته في تفهم مواطن الضعف فيها، ومنها نفذ الإسلام إلى ما وراء البحار، وقوض الحكومة الضخمة بسرعة عجيبة وبمحاربين لم يكونوا قد عرفوا من قبل أساليب القتال المنظم، ولا المعارك الضخمة التي صادفوها لأول مرة في حروبهم مع الساسانيين والبيزنطيين.

وقد طمعت القبائل في حكومة الحيرة أيضاً، هذه الحكومة التي ظهر عليها الوهن كذلك. فأخذت تغير عليها وتتعرض بحدودها، وتتحرش بقوافلها التي كان يرسلها ملوكها للاتجار في أسواق الحجاز واليمن. حتى صارت الطرق التي تسلكها خطرة غير آمنة، لا يتمكن رجالها من المرور بها بسلام. ولم يستطع الساسانيون من مساعدتها وحمايتها، لأن أوضاعهم الداخلية، كانت كما ذكرتُ على غير ما يرام. وهذا مما زاد في تصميم القبائل على مهاجمة ملوك الحيرة وحدود الفرس في آن واحد. ولعل هذه الغارات، كانت في جملة الأسباب التي حطمت "كسرى" على القضاء على النعمان وعابر إنهاء حكم "آل نصر"، إما بسبب ما رآه "كسرى" من عدم تمكن الملك "النعمان" من تأديب القبائل ومن ضبط الطرق والأمن، فارتأى استبداله بعربي أخر أو برجل قوي من قادة الجيوش الفرس، وإما لظنه أو لما وصل إلى علمه من خبر يفيد بأن النعمان قد أخذ يفاوض سادة القبائل الكبار لإرضائهم وضمهم إليه. وفي هذا العمل تهديد لمصالح الفرس ومحاولة للابتعاد عنهم. فأراد لذلك القضاء عليه وعلى الأسر الحاكمة، قبل أن يتمكن من الحصول على تأييد أولئك السادة الذين أدركوا نواحي الضعف في حكومة الساسانيين.

وهناك روايات يشتمّ منها أن "النعمان"، قال لسادات القبائل" "إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكتُ وعززتُ بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم... ليعلم أن العرب على غير ما ظن وحدث". وروايات تفيد أن "كسرى" إنما قتل "النعمان"، لأنه وسائر أسرته سايروا سادات القبائل وتواطئوا معهم على الساسانيين. ولعل عجز ملوك الحيرة عن حماية قوافل الفرس الذاهبة إلى اليمن والآيبة منها، وعن حماية الطرق البرية المهمة التي توصل العراق باليمن، ثم عجز ملك الحيرة من منع الأعراب من الإغارة على حدود الساسانيين، ثم اضطرار الملك "النعمان" على الاتصال بسادات القبائل لترضيتهم ولضمهم إليه لتأييده ولتقوية ملكه الضعيف، الذي كان يهدده خصوم له. لعلّ هذه الأسباب وغْيرها، كانت في جملة العوامل التي حملت "كسرى" على القضاء على "النعمان" وعلى استبدال الأسرة الحاكمة بأسرة أخرى، أو تسليم أمور الحيرة نهائياً إلى قائد فارسي، يحكمها حكماً عسكرياً.

وقد نصب الفرسُ حاكماً منهم على الحيرة، لكنه لم يتمكن من سد أبواب الحدود الطويلة وغلقها، وجمع الأعراب من دخولها. لقد اجتازوها ثم جاوزوها إلى مسافات بعيدة في الإسلام، أوصلت العرب إلى الصين والهند وتركستان الصينية. ذلك لأن الفرس كانوا منهوكي القوى في الداخل وفي الخارج، وقد أتعبتهم الأوجاع، بينما جاء العرب بإيمان برسالة، وبعزم وتصميم، وباعتماد على النفس، من أن النصر سيكون لهم حتماً. لقد بدأ هذا العزم قبل "ذي قار"، ثم تجسم في "ذي قار"، فكان نصر العركة في هذا الموضع، ناقوس النصر، و "الهرمون" الذي بعث الحيوية في جسم القبائل، فجعلها تشعر أن في استطاعتها أن تفعل شيئاً، لو وحدت نفسها، وعملت عملاّ إيجابياً منتظماً، بعد دراسة وتفكير، وباعدت نفسها عن الهياج والحماس والكلام الكثير، الذي يذهب بعد تكلمه مع الهواء.

ولم تكن مشكلات الروم أقل خطورة أو عدداً من مشكلات الساسانيين. لقد تمكنت النصرانية، بعد عنت واضطهاد ومقاومة، أن تكون ديانة رسمية للحكومة والشعب. وكان المأمول أن تتوحد بذلك صفوف الأمة، غير أن التصدع الذي أصاب هذه الديانة لم يحقق لهما ذلك الأول، فتدخلت المذهبية في السياسة، في المذهبيّات. وتولدت من هذا التدخل مقاومة رسمية من الحكومة للمذاهب المعارضة، واضطهاد لكل من يعارض مذهب القيصر. وظفرت كنيسة شرقية وكنيسة غربية، وتجزأ النصارى الشرقيون إلى شيع وفرقُ عدّ بعضها خارجاً على تعاليم الحق والأيمان، هي في نظر "الأرثودكسية" مذاهب الحادية باطلة، فعوملت كما عاملت وثنيةُ روما النصرانية حين ظهورها، فحوربت بغير هوادة واضطر الكثير من المخالفين إلى التكتم أو الهرب إلى مواضع ليس للبيزنطيين عليها سلطان.

والحروب المتوالية التي شنها الفرس على البيزنطيين، والبيزنطيون على الفرس، وانقسام الإنبراطورية إلى حكومتين: حكومة روما وحكومة القسطنطينية، ثم مهاجمة الملوك والأقوام الساكنة في أوربة لهاتين الحكومتين من الشمال والغرب، كل هذه انتجت مشكلات خطيرة للعالم الغربي عامة وللروم خاصة. وقد كان إزعاج الروم وقلاقهم، مما يفيد بالطبع منافسيهم الفرس ويسرهم، فكانوا يشجعون الثائرين ويتحالفون معهم لأن في ذلك قوة لهم، كما كان الروم أنفسهم يشجعون الأحزاب المعارضة للفرس ويحرضونها على الثورة على الساسانيين والتمرد عليهم، وعلى مهاجمة حدودهم نكاية بأعدائهم وللانتقام منهم حتى صارت الحروب بين الانبراطوريتين تقليداً موروثاً، لا يتركها أحد الطرفين إلا اضطراراً، ولا تعقد هدنة بينهما الا بدفع جزية تكون مقبولة لدى الطرف الغالب تغنيه عن المكاسب التي يتأملها من وراء الحرب. يدفعها المغلوب صاغراً بسبب الأحوال الحرجة التي هو فيها، آملاً تحسن الموقف للانتقام من الخم. فتأريخ الساسانيين والروم، هو تأريخ هدن وحروب عادت إلى بلاد الطرفين بأفدح الأضرار. وما الذي يكسبه الإنسان من الحروب غير الضرر والدمار ? %)165(   

لقد وجد "كسرى أنو شروان" "531ه- 579م" في انشغال "يوسطنيان" "جستنيان" "Justinian" "527 - 565م" بالحروب في الجبهات الغربية فرصة مواتية للتوسع في المناطق الشرقية من الإنبراطورية البيزنطية، فتحلل من "الهدنة الأبدية" التي كانت قد عقدت بين الفرس والروم، وهاجم الإنبراطورية منتحلاّ أعذاراً واهيةً، واشترك في قتال دمويّ مرّ بجيوش الروم. ولم يفلح مجيء القائد "بليزاريوس" "Belisarius" من الجبهات الإيطالية لإيقاف تقدم الفرس، فسقطت مدن الشام وبلغت جيوش الفرس سواحل البحر المتوسط، وبعد مفاوضات ومساومات طويلة تمكن الروم من شراء هدنة من الفرس أمدما خمس سنوات بشروط صعبة عسيرة، وبدفع أموال كثيرة. ثمُ مددت هذه الهدنة على أثر مفاوضات شاقة مع الفرس خمسين عاماً حيث عقد الصلح في سنة "561" أو "562م". تعهد الروم لكسرى بدفع إتاوة سنوية عالية، وتعهد الفرس في مقابل ذلك بعدم اضطهاد للنصارى، وبالسماح للروم في الإتجار في مملكتهم على شرط معاملة الروم لرعايا الفرس المعاملة التي يتلقاها تجار الروم في أرض الساسانيين.

و "يوسطنيان" معاصر "كسرى أنوشروان" شخصية فذة مثل شخصية معاصره، ذو آراء في السياسة وفي الملك، من رأيه إن الملك يجب إن يكون دليلا وقدوة ونبراساً للناس، وانه لا يكون عظيماً شهيراً لحروبه ولكثرة ما يمكله من سلاح وجند، إنما يكون عظيماً بقوته وبقدرته وبالقوانين التي يسنها لشعبه للسير عليها، تنظيماً للحياة. فالملك في نظره قائد في الحروب ومرشد في السلم، حامٍ للقوانين، منتصر على أعدائه. وكان من رأيه إن الله قد جعل الأباطرة ولاته على الأرض، وأدلة للناس، قوامين على الشريعة. ولذلك فإن من واجب كل انبراطور إن يقوم بأداء ما فرضه الله عليه بسنّ القوانين وتشريع الشرائع، ليسير الناس عليها. ولما كانت القوانين التي سارت عليها الانبراطورية الرومانية كثيرة جداً، حتى صعب جمعها وحفظها، تطرق إليها الخلل، وتناقضت الإحكام. لذلك رأى إن من واجبه جمعها وتنسيقها وتهذيبها وإصدارها في هيأة دستور الانبراطوري يسير عليه قضاة الانبراطورية في تنفيذ الإحكام بين الناس، وعهد بهذا العمل الشاق إلى "تريبونيان" "Tribonian" من المشرعين المعروفين في أيامه. فجمع هذا المشرع البارع القوانين في مدوّنات، ورتبها في كتب وأبواب، وكان بتدوينه هذا بعض القوانين البيزنطية والرومانية من الضياع، وأورث المشرعين ذخيرة ثمينة من ذخائر البشرية في التشريع.

ويعد هذا العمل مم الأعمال العظيمة في تاريخ التشريع، ولم يكن "يوسطغيان" أول من فكر في جميع القوانين السابقة في مدوّنة، ولكنه كان أول من أقدم على تنسيقها وجمع ما تشتت منها وتيسيرها للمشرعين، وقد وحد بذلك قوانين الانبراطورية. فَعُدَّ صنيعه هذا إصلاحاً كبيراً يدل على شعور الملك وتقديره للعدالة في مملكته. وقد أدخل معاصره "كسرى أنو شروان" إصلاحات على قوانين الجباية، فعد القرن السادس من القرون المهمة في تأريخ التشريع. ولكن الذي يؤسفنا إننا لا نملك موارد تفصل إصلاحات "كسرى" وهل هي نتيجة شعور بضرورة ملحة وحاجة، أو هي صدى للعسل الذي قام به "يوسطنيان"، ثم أي مدى بلغته تلك الإصلاحات? وفكرة إخضاع الانبراطورية لقانون واحد نابعة من أصل عام كان يدين به "يوسطنيان"، يتلخص في دولة واحدة وقانون واحد وكنيسة واحدة. كان يوسطنيان يرى إن الدولة المنظمة هي الدولة التي يخضع فيها كل أحد لأوامر القيصر، وان الكنيسة إنما هي سلاح ماض يعين الحكومة في تحقيق أهدافها، لذلك سعى لجعلها تحت نفوذ الحكومة وفي خدمة أغراضها، فتقرب إلى رجال الدين، وساعد على إنشاء كنائس جديدة، واستدعى إلى عاصمته رؤساء الكنيسة "المنوفيزيتية" ""Monophysites" القائلين بالطبيعة الواحدة واليعاقبة وأتباع "آريوس" "Ariaus" وغيرهم من المعارضين لمباحثتهم ولعقد مناظرات بينهم وبين الكنيسة الرسمية للتقريب فيما بينهم وإيجاد نوع من الاتفاق يخدم أهداف الملك المذكور. ولكن هذه المحاولة لم تنجح، ومحاولات التوفيق لم تثمر، ولتحقيق نظريته في الكنيسة الواحدة اضطهد أصحاب المذاهب المعارضة وكذلك اليهود.

وزادت نظريته المذكورة في الدولة وفي الكنية في حدة المشكلات التي ورثها من أسلافه وجاءت بنتائج معاكسة لما كان يريد منها. فمحاولة تقربه من "البابا" وتأًييده له، اصطدمت بفكرة كانت مسيطرة عليه، هي إن علمه باللاهوت لا يقل عن علم رجال الدين به، وان من حقه التدخل في أمور الكنائس وفي تسيير المجامع الكنيسية، لتوحيد الكنائس وإعادتها إلى أصلها، فأزعج بذلك "البابا"، وصار من أضداده، وأزعج أصدقاءه ومعارضتوه من رجال المذاهب الأخرى، لأنه خالفهم، وجاء بتفسرات لم ترضي أي مذهب منها. واضطر أخيراً على الخضوع لعقيدته المهيمنة على عقله، وهي إن ما يراه في الدين، هو الصحيح، وهو الحل الوسط للنزاع الكنسي، وهو الأصلح للدولة. فخلق. معارضين له. وأغلق "جامعة أثينا" ومدارس البحث، واصدر أمراً بمنع الوثنين و. كل من ليس نصرانياً من الاشتغال في الدولة. وهكذا ولدت نظريته في "أنا الدولة" مشكلات خطيرة لدولته ولدولة من جاء بعده من قياصرة.

وكانت لدى الروم مثل هذه المشكلة التي كانت عند الفرس: مشكلة تهرب كبار الملاكين والمتنفذين من دفع الضرائب، وزيادة نفوذهم وسلطانهم في الدولة. فعزم "يوسطنيان" على الحد من سلطانهم، والتشديد في استيفاء الضرائب لمعالجة الوضع الحربي الناتج من قلة المال اللازم للإنفاق على جيش كبير، مما اضطر الحكومة إلى تقليص عدد الجنود. فأصدر أوامر عديدة بالتشديد في جمع الضرائب، وبإجراء الإصلاحات في الإدارة، غير إن إصلاحاته هذه لم تنفذ، إذ. لم يكن في مقدور الحكومة تنفيذها لعدم وجود قوة لديها تمكنها من "لحدّ من نفوذ المتنفذين ورجال أكفاء أقوياء يقومون بالتنفيذ.

واهتم "يوسطنيان" بأمر التجارة. والتجارة مورد رزق للدولة كبير، ولاسيما مع الأقطار الشرقية، فقد كانت بضائعها مرغوباً فيها في أوربة ومطلوبة، تجني الحكومة منها أرباحاً كثيرة، وفي مطلع قائمة هذه البضائع النفيسة الأموال التي ترد إلى الانبراطورية من الصين والهند، فقد كانت تلافي إقبالاً كبيراً من أثرياء الانبراطورية ومن أثرياء انبراطورية روما الغربية وبقية أنحاء أوربة.

وأثمن بضاعة في قائمة البضائع الواردة من الصين مادة الحرير، ولثمن الحرير الباهض حرص الصينيون على ألا يسمحوا لأي غريب كان إن ينقل معه البيض أو الديدان التي تتولد منه إلى الخارج، خشية المزاحمة والمنافسة التي تلحق بهم أفدح الأضرار. وتلي هذه المادة البضائع النفيسة الأخرى مثل العطور والقطن الوارد من الهند والتوابل وأمثالها من الموات التي كان يعجب بها أصحاب الذوق في ذلك الزمن. كل هذه يشتريها تجار الروم، وبعد إن تأخذ الدولة البيزنطية الضرائب المفروضة، تسمح للتجار بالتصرف فيها وبيعها على بقبة الأوربيين.

وأسعار هذه المواد عالية باهظة إلى درجة كبيرة صارت مشكلة من مشكلات الدولة البيزنطية، ولهذا كانت تتصل دوماً بالانبراطورية الساسانية لمحاولة الاتفاق على تحديد الأسعار، وتعيين مقدار الضرائب، وذلك بسبب ورود أكرها من هذه الانبراطورية، إذْ كان التجار يأتون بالأموال من أسواق الصين تنقلها القوافل التي تجتاز أرض الدولة الساسانية لتسلمها إلى حدود الانبراطورية البيزنطية، ومنها إلى العاصمة لتوزع في الأسواق الأوربية.

هذا طريق. وهناك طريق آخر هو طريق البحر. يحمل تجار الصين أموالهم على سفن توصلها إلى جزيرة "تبروبانة" "Taprobane" وهي جزيرة "سيلان" ثم تفرغ هناك، فتُحمل في سفن تنقلها إلى خليج البصرة، ثم تحمل في سفن أخرى تمخر في دجلة والفرات إلى حدود الروم.

ولما كانت علافات الروم بالساسانيين غير مستقرة، والحرب بين الانبراطوريتين متوالية صارت هذه التجارة معرضة للتوقف والإنقطاع طوال أيام الحروب، وهي كثيرة، فترتفع أسعارها هناك، كما إن الساسانيين كانوا يزيدون في أسعار البيع وفي ضربية المرور، فتزيد هذه في سعر التكليف، ولهذا فكر "يوسطنيان" في التحرر من تحكم الساسانيين في مورد مهم من موارد رزقهم، وذلك باستيراد بضائع عن طريق البحر الأحمر، وهو بعيد عن رقابة الساسانيين.

والخطة التي اختطها "يوسظيان" لتحرير التجارة البيزنطية من سيطرة الساسانينن عليها، هي الاتصال بالأسواق البيزنطية المصدرة، ونقل المشتريات إلى الانبراطورية بالبحر الأحمر الذي كان يسيطر الروم على أعاليه. لقد كان ميناء "أيلة" في أيدي البيزنطيين، وكان هذا الميناء موضعاً لتفريغ السفن الموسقة بالبضائع المرسلة من الهند إلى فلسطين وبلاد الشام، كما كان ميناء "القلزم" "Clysma" في أيديهم كذلك، تقصده السفن التي تريد إرسال حمولتها إلى موانئ البحر المتوسط. أما جزيرة "أيوتابة" "Iotabe" وهي جزيرة "تاران" "تيران"، فقد كانت مركزاً مهماً لجباية الضرائب من السفن القادمة من الهند، وكانت في أيدي بعض سادات القبائل، فأمر "يوسطنيان" بإقامة موظفي الجباية البيزنطيين بها، ليقوموا بالجباية. وأما ما بعد هذه المنطقة حتى مضيق المندب والمحيط الهندي فلم يكن للبيزنطيين عليه نفوذ.

ولتحقيق هذه الخطة، كان عليه وجوب السيطرة على البحر الأحمر والدخول منه إلى المحيط الهندي، للوصول إلى الهند وجزيرة "سيلان". ولا يمكن تحقيق هذه الخطة إلا بعملين: عمل عسكري يعتمد على القوة، وعمل سياسي يعتمد على التقرب إلى الحبشة الذين كانوا قد استولوا على اليمن، فصار مدخل البحر الأحمر "مضيق باب المندب" بذلك في أيديهم. ثم بالتودد إلى سادات القبائل العربية النازلة في العربية وفي بادية الشام، لضمهم إلى صفوف البيزنطيين، ولتحريضهم على الفرس، وبذلك يلحق البيزنطيون ضررا بالغاً بالفرس ويكون في استطاعتهم نقل التجارة نحو الغرب عن جزيرة العرب والبحر الأحمر إلى أسواقهم بكل حرية وأمان.

أما العمل العسكري، فلم في وسع البيزنطيين القيام به في ذلك الوقت، لعدم وجود قوات برية كبيرة كافية. لتتمكن من اجتياز العربية الغربية للوصول إلى اليمن، حيث الحبش هناك، أخوان البيزنطيين في الدين. وقد علموا من التجارب السابقة، أن الجوع والعطش يفتكان بالجيش فتكاً، وان القبائل لا يمكن الاطمئنان إليها والوثوق بها أبداً، لذلك تركوا هذا المشروع. فلم يبق أمامهم غير تنفيذه من ناحية البحر، وقد وجدوا إن هذا التنفيذ غير ممكن أيضاً، لأن أسطولهم في البحر الأحمر لم يكن قوياً، ولم يكن في استطاعته السيطرة عليه سيطرة تامة. فتركوه، ولو إلى حين، مفضّلين عليه العمل السياسي.

أما العمل السياسي، فقد تم بالاتصال بالحبش، وقد كان ملكهم على النصرانية، لذلك كان من الممكن جلبه إلى البيزنطيين بالتودد إليه باسم الاخوّة في الدين. كما تم بالتقرب إلى سادات القبائل المتنصرين، والتودد إليهم باسم الدين أيضاً. وتم بإرسال المبشرين إلى جزيرة العرب، وبتشجيعهم على المعيشة بين الأعراب وفي البوادي لتنصير،سادات القبائل، وللتأثير عليهم بذلك. وبإقامة الكنائس وإرسال المال وعمال البناء لبنائها بأسلوب يؤثر في عقول الوثنيين، فيجعلها تميل إلى النصرانية، ولتكون هذه المعابد معاهد تثقيف تثقف بالثقافة البيزنطية كما تفعل الدول الكبرى في هذه الأيام.

وأرسل "يوسطنيان"-كما سبق إن بينا ذلك-رسولاً عنه يدعي "يوليانوس" "جوليانس" "Julianus" إلى النجاشي والى "السميفع أشوع" "Esimphanus" حاكم اليمن في ذلك العهد، ليتودد اليهما، وليطلب منهما باسم "العقيدة المشتركة" التي تجمعهم إن يكوّنا مع الروم جبهة واحدة في محاربة الساسانيين، وان يقوما مع من ينضم إليهم من قبائل العرب بمهاجمتهم، وحمل السفير إلى "السميفع أشوع" رجاء آخر، هو موافقته على تعيين رئيس عربي اسمه "Kaisos" أي "قيس" عاملاً "فيلارخ" "Phylarch" على قبيلة عربية تدعى "معديني" "Maddeni"، أي قبيلة "معد"، ليشترك معه ومع عدد كبير من أفراد هذه القبيلة بمهاجمة الساسانيين، وقد رجع السفر فرحاً مستبشراً بنجاح مهمته، معتمداً على الوعود التي أخذها من العاهلين. غير أنهما لم يفعلا شيئاً، ولم ينفذا شيئاً ما مما تعهدا به للسفير، فلم يغزوا للفرس، ولم يعين "للسميفع فوع" "قيساً" "فيلارخاً" عاملا على قبيلة معدّ.

وورد أيضاً إن القيصر جدّد في أيام "ابراموس" "Abramos" الذي نصب نفسه في مكان "Esimiphaeus"، طلبه ورجائه في محاربة الفرس، فوافق على ذلك وأغار عليهم، غير انه تراجع بسرعة.

ويظهر إن اتصال البيزنطيين ب "ابراموس" "Abramos" كان بعد القضاء على "السميفع أشوع" الذي لم يتمكن من مهاجمة الفرس إذْ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق بعيدة تمرّ بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من رجاله على القتال. فلما تمكن "ابراموس" من التحكم في شؤون اليمن ومن تنصيب نفسه حاكماً عاماً على اليمن وصارت الأمور بيديه تماماً، فكر البيزنطيون في الاستفادة منه بتحريضه على الساسانيين، وذلك باسم الأخوة في الدين.

وقد تحرش "ابراموس" بالفرس، غير انه لم يستمر في تحرشه بهم. فما لبث إن كف قواته عنهم. ولم يذكر المؤرخ "بروكوبيوس" كيف هاجم "ابراموز" الساسانيين، ومن أين هاجمهم ومتى هاجمهم. لذلك أبقانا في جهل بأخبار هذا الهجوم.

و "ابراموس" هو "أبرهة" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي عن اليمن. أما ما أشار إليه "بروكوبيوس" من تحرشه بالفرس ومن تركه لهم بعد قليل، فقد قصد به حملته على "مكة" على الغالب، وهي حملة قصد بها "أبرهة" على ما يظهر الاتصال بالبيزنطيين عن طريق البر، وإخضاع العربية الغربية بذلك على حكمه وهو من المؤيدين البيزنطيين. وبذلك تؤمن حرية الملاحة في البحر الأحمر ة ويكون في إمكان السفن البيزنطية السير به بكل حرية. ولعله كان يقصد بعد ذلك مهاجمة الفرس من البادية بتحريض القبائل المعادية للساسانيين عليهم، وبتأليف حلف من قبائل يؤثر عليها فيهاجم بها الفرس.

اما "Kaisos" "Caisus"، فكان كما وصفه المؤرخ "بروكربيوس" شجاعاً ذا شخصية قوية مؤثرة حازماً من أسرة سادت قبيلة "معدِّ". وقتل أحد ذوي قرابة "للسميفع أشوع" "Esimaphaios" "Esimiphaeus"، فتعادى بذلك معه، حتى اضطر إلى ترك دياره والهرب إلى مناطق صحراوية نائية. فأراد القيصر الشفاعة له لدى "Esimaphaios"، والرجاء منه الموافقة على أقامته رئيساً "Phyarch" على قبيلته قبيلة معدّ.

ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع، لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة عريقة، لها عند قومها مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة. ولشخصيته ومكانة أسرته أرسل رسوله إلى حاكم اليمن لإقناعه بالموافقة على أقامته رئيساً على قومه. وبهذا يكسب القيصر رئيساً قوياً وحليفاً شجاعاً يفيده في خططه السياسية الرامية إلى بسط نفوذ الروم على العرب، ومكافحة الساسانيين.

ونحن لا نعرف ن أمر "قيس" هذا في روايات الأخباريين شيئاً غير أن هناك رواية لابن إسحاق جاء فيها أن أبرهة عين محمد بن خزاعى عاملا له على مضر، وأن "قيساً" كان يرافق أخاه محمداً حين كان في أرض كنانة. فلما قتل "محمد"، فَرّا إلى "ابرهة". وقد ورد نسب "محمد" على هذه الصورة: "محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب بن مرّة بن هلال بن فالح ابن ذكوان السلمي" في بعض الروايات، وذكر أنه كان في جيش أبرهة مع الفيل.

فهل قيس هذا هو قيس الذي ذكره "بروكوبيوس" ?. اتصل مع أخيه محمد بأبرهة، وصار من المقربين لديه? أو هو رجل آخر لا علاقة له ب "قيس" الذي يذكره "ابن إسحاق"? وقد زار والد "نونوسوس" "Nonnosos" "قيساً" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "535م" وزاره "نونوسوس" نفسه في إثناء حكمه. وأرسل "قيس" ابنه "معاوية" إلى "يوسطنيان"، ثم أعلم أخاه ثم ابنه الأمارة. وعينه القيصر عاملاً "Phylarch" على فلسطين.

وكانت للقيصر "يوسطنيان" صداقة مع رئيس آخر اسمه "أبو كرب" "Abochorabus"، يقع ملكه في أعالي الحجاز وفي المناطق الجنوبية من فلسطين. عرف هذا الرئيس بالحزم والعزم فخافه الأعداء، واحترمه الأتباع، واتسع لذلك ملكه، وتوسع سلطانه حتى شمل مناطق واسعة، ودخلت في تبعيته قبائل عديدة أخرى على القانون الطبيعي في البادية الذي يحتم دخول القبائل طوعاً وكرهاً في تبعية الرئيس القوي.

أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات تخيل كثيرة، عرفت عند الروم ب "فوينيكون" "Phoinikon" "واحة النخيل"، أو "غاية النخيل". وهي أرض بعيدة. لاتبلَغ الا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، اذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعن هذا "الشيخ" عاملاً "فيلارخا" على عرب فلسطين.

وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسنة بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" "Amorkesos" وكان "Amorkesos" في الأصل من عرب المناطق الخاضعة للفرس، ثم هجر دياره لسبب لا نعرفه إلى الأرضين الخاضعة لنفوذ الرومان، وأخذ يغزو الأعراب، حتى هابته القوافل، فتوسع نفوذه، وامتد إلى العربية الصخرية، واستولى على. جزيرة "تاران" "Iotaba" وترك رجاله فيها يجبون له الجباية من السفن القادمة من الهند، حتى حصل على ثروة كبيرة، وعزم في سنة "473 م" على إرسال الأسقف "بطرس" أسقف الأعراب التابعين له إلى القسطنطينية، ليتصل بالقيصر، وليتوسط لديه هناك أن يوافق على تعيينه عاملاً "Phylarch" على الأعراب المقيمين في العربية الحجرية %)175( ابن المنذر، حليف الفرس. بمعنى أنه تعرض لجماعة كانت في جانب الساسانين. فهل الغزاة التي أشار إليها المؤرخ "بروكوبيوس" هي هذه الغزاة? و "Maddenoi" هي قبيلة "معداية" "Ma'addaye" التي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" "John of Ephesus" مع "طياية" "طيايا"" "طيايه" "Tayaye" "Taiyaya" في كتابه الشي وجهه إلى أسقف "بيت أرشام" "Beth Aresham"، ويظهر من هذا الكتاب أنها كانت مقيمة في فلسطين.

وقد تحدثتُ سابقاً عن ورود اسم قبيلة "سدّ" في نص النمارة الذي يرجع عهده إلى سنة "328 م" حيث ورد أن "امرئ القيس بن عمرو" ملك العرب ملك على "معدّ" وعلى قبائل أخرى ذكرها النصى، منها أسد ونزار ومذحج. ويربط الأخباريون في العادة بين ملوك الحيرة وقبيلة معدّ، وظالما ذكروا إن ملوك الحيرة غزوا معدّ، مما يدل على وجود صلة تأريخية متينة بين الحيرة وهذه القبيلة المتبدية التي كانت تمعن في سكنها مع البادية.

ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه قد كان للتبابعة شأن في تنصيب سادات على معدّ. فهي تذكر انهم هم الذين كانوا يعينون أولئك السادهّ، فينصبونهم "ملوكاً" على معدّ. وذلك بسبب تنازع سادات معد فيما بينهم وتحاسدهم وعدم تسليم بعضهم لبعض بالزعامة. ولهذا كانوا يلجأوون إلى التبابعة لتنصيب "ملوك" عليهم. يضاف إلى ذلك أن معدّ اً كانت قبائل متبدية: منتشرة في ارضين واسعة تتصل باليمن، وقد. كان أهل اليمن المتحضرون أرقى منهم، وجيوشهم أقوى وأنظم نسبياً من محاربي معدّ ومقاتليهم الذين كانوا يقاتلون قتال بدو، لا يعرفون تنظيماً ولا تشكيلاً ولا توزيعاً للعمل. وكل ما عندهم هو كرٌَّ وفرٌّ، إذا وجدوا خصمهم أشطر منهم وأقدر على القتال هربوا منه.

وقد منيت الانبراطورية البيزنطية بانتكاسات عديدة بعد وفاة "يوسطنبان"، فاشتدّ الاضطهاد للمذاهب المخالفة للمذهب الارثودكسي، وعادت الفوضى إلى الحكومة بعد أن سعى القيصر الراحل في القضاء عليها، وتجددت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين، وعاد الناس يقاسون الشدائد بعد فترة من الراحة لم تدم طويلا. وبعد حروب ممتتالية دخل الساسانيون بلاد الشام. وفي سنة "614 م"، احتل اتباع ديانة زرادشت عاصمة النصرانية القدس، فأصيبت المدينة بخسائر كبيرة في أبنيتها التأريخية وفي ثروتها الفينة التي لا تقدر بثمن. ثم أصيبت. الانبراطورية بنكبة عظيمة جداً هي استيلاء الفرس على مصر، وبلوغ جيوش الساسانيين في هذه الأثناء للساحل المقابل للقسطنطينية عاصمة الانبراطورية.

لقد وقعت هذه الأحداث ونزلت هذه الهزائم بالروم في وقت كان أمر الله قد نزل فيه على الرسول بلزوم إبلاغ رسالته للناس. والرسول إذ ذاك بمكة، يدعو أهلها إلى دين الله. فلما جاء الخبر بظهور فارس على الروم، فرح المشركون، وكانوا يحبون إن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان. وكان المسلمون محبون إن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. قلقي المشركون أصحاب النبي، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن اميون. وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وأنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله" )الم غُلبت الروم. في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله؛ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم(. وفرح المسلمون بنزول هذه الآيات المقوية للعزيمة وأيقنوا إن النصر لا بد آت، وانهم سينتصرون على أهل مكة أيضاً ويغلبونهم بأذن الله. وخرج أبو بكرً إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا. فلا تفرحوا ولا يقرّنّ الله أعيكنم، فوالله ليَظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا، صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبيّ بن خلف. فقال: كذبت يا أبا فضل. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله. فقال أناحبك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين. ثم جاء أبو بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرت إنما البِضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايد.ه في الخطر ومادَّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقي أبياً، فقال: لعلك ندمت? فقال لا. نقال: أزايدك في الخطر وأمادك الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين. قال قد فعلت".

لقد وقعت هذه الهزائم الحربية الكبيرة في عهد القيصر "هرقل" "Heraclius" "610-641 م". ففي عهده، اقتطعت بلاد الشام ومصر من جسم الانبراطورية، وهي أعضاء رئيسية في ذلك الجسم. غير إن طالع هذا القيصر لم يلبث إن تحسن بعد سنين من النحسى، فاستعاد تلك الأملاك في المعارك التي نشبت بين سنة 622 وسنة 628 م. في هذه الفترة نال هرقل أعظم نصر له في ثلاث معارك كبيرة. ولكن نصره الأكبر جاءه يوم قتل "كسرى أبرويز" صاحب هذه الفتوحات بيد ابنه "شيرويه"، فورد طائر السعد على القيصر بهذا الخبر المفرح، ثم تحققت البشرى بالصلح الذي عقد بين القيصر وبين "شيرويه". وفيه نزل الفرس عن كل ما غنموه، ورضوا بالرجوع إلى حدودهم القديمة قبل الفتح. فعادت الشام وفلسطين ومصر إلى، البيزنطيين، وأعيد الصليب المقدس إلى موضعه في القدس في موكب حافل عظيم.

وسُر المسلمون وهم بالمدينة بانتصار الروم على الفرس، وزاد أملهم في قرب مجيء اليوم الذي ينتصر فيه المسلمون على المشركين، وقويت عزيمتهم في التغلب على قريش. "وأسلم عند ذاك ناس كثير". وتضعضت معنويات قريش، وغلب "أبو بكر" أبيّاً" على الرهان، وكسبه، أخذه من ورئته، لأنه كان قد توفي من جرح أصيب به، فلم يدرك زمن طرد من تعصب له من بلاد. الشام وخسارته الإبل التي تراهن عليها.

وشاء ربك ألا يكون النصر في هذه المرة لا للروم ولا للفرس، بل للمسلمين. وشاء ألا يبقى الروم في بلاد الشام إلا قليلاً، إلا سين، إذْ تهاوت مدن بلاد الشام ثم مصر فشمال إفريقية، الواحدة بعد الأخرى، في أيدي أناس لم يخطر ببال الروم أبداً انهم سيكونون شيئاً ذا خطر في هذا العالم، أعني بهم أبناء مكة ويثرب ومن تبعهم من، أهل جزيرة العرب. تهاوت بسرعّة عجيبة لا تكاد تصدق، وبطريقة تشبه المعجزات. وقد بدأ هذا الانهيار بكتاب يذكر أهل السَير والأخبار إن الرسول أرسله إلى "هرقل عظيم الروم"، يدعوه فيه إلى الإسلام، فإن أبى وبقي على دينه فعليه تبعته، فلما لم يسلم، جاءه الإنذار، قوات صغيرة لا تكاد تكون شيئاً بالنسبة إلى جيوش الروم الضخمة، أخذت تُمَهد الطريق لنشر الأيمان في بلاد رفض حكامها الدخول فيه. طهرت الأرض الموصلة إلى الحدود من المخالفين، ثم أخذت تتحرش ببلاد الشام، ولم يأخذ الروم ذلك التحرش مأخذاً جدّياً، اذ تصوّروه غزواً من غزو العرب المألوف يمكن القضاء عليه بتحريك عرب بلاد الشام من الغساسنة ومن لّفّ لفهم عليهم، أو بإرشاء رؤسائهم بالهدايا والمال وتنصبهم ملوكاً على عرب بلاد الشام في موضع الغساسنة كما كانوا يفعلون مع القبائل القوية الكبيرة التي كانت تتحرش بالحدود، وينتهي بذلك الغزو وتصفو الأمور.

ولم يعلم البيزنطيون أن المسلمين يختلفون عن الجاهليين، يختلفون عنهم في أن لهم عقيدة ورسالة، وأن من يسقط منهم يسقط شهيداً في سبيل إعلاء كلمة ربّه، وله الجنة، وأن من يعيش منهم وينجو فلن يركن إلى الدعة والحياة الهادئة والرجوع إلى البادية بل لا بد له من أحد أمرين: إما نصر حاسم، وإما موت شريف في سبيل الله ورسوله. وبقوا في جهلهم هذا إلى أن نبهتهم الضربات العنيفة التي وقعت بينهم وبين العرب في "أجنادين" "Gabatha" وفي "اليرموك" "Hieromax" بان المعارك التي وقعت ليست غزواً من الغزو المألوف، بل خطة مهيأة لطرد الروم الذين لا يؤمنون برسالة الرسول من كل بلاد الشام وما ورائها من أرضين، وعندئذ جمعوا جموعهم، وألفوا قلوب "العرب المستعربة، أي العرب النصارى القاطنين في بلاد الشام، بالمال وباسم الدين، وجعلوهم معهم وتحت قيادتهم في جيوشهم الضخمة لمقابلة المسلمين الذين لم يعرفوا الحروب الكبيرة، ذات المعدد الضخم من المحاربين، والأسلحة المتنوعة الحديثة، بالنسبة إلى أسلحتهم المكوّنة من سيوف وسهام ورماح وحجارة وخناجر. وهنا وقعت غلطة فنية حربية أخرى من الروم، اذ قابلوا المسلمين بجيوش ضخمه، يسيرها قوّاد كبار تعودوا الحرب بأساليبها النظامية وبالطرق المدرسية الموروثة عن الرومان،وتزوّدوا بالخبرة الفنية العالية التي كسبوها من حروبهم مع الفرس ومع الأوربيين، فظنوا إن الحرب مع المسلمين شيئاً بسيطاً، بل ابسط من البسيط، حتى أن كبار القادة وجدوا أن من المهانة الاهتمام بأمر أولئك البدو الغزاة، فتركوا الأمر لمن دونهم في الدرجات يديرونها مع العرب، الذين أظهروا ذكاءاً فطريّا عظيماً في هذه الحروب، بتجنبهم الالتحام بالجيوش، اذ لا قبل لهم بمقاتلتها، وباتخاذهم خطة المناوشات والكرّ والفرّ بقوات غير كبيرة العدد، وبذلك تتوفر لهم السرعة في العمل ومباغتة الجيوش الضخمة من ورائها ومن مجنباتها، وبغزو خاطف كالبرق يلقي الفزع في القلوب. وبذلك أفسدوا على الروم خطتهم بالهجوم على العربْ، بجيوش نظامية كبيرةُ مدرّبة على القتال يكون في حكم المحال بالنسبة للعرب الوقوف أمامها لو أنهم حاربوهم حربهم، ووقفوا أمامهم وجهاً لوجه. وبركون العرب إلى هذه الخطة المبتكرة، وبمعاملتهم من خضع لهم واستسلم لأمرهم معاملة حسنة، وبتحريض "العرب المستعربة"، "العرب المتنصّرة"، وسكان، بلاد الشام من غير الروم، بل ومن الروم على الانضمام إليهم، غلبوا البيزنطيين، وحصلوا ما حصلوا عليه من أرضين.

وعند ظهور الإسلام كانت اليمن في حكم الساسانيين كما رأينا، غير أن حكمهم لم يكن في الواقع حكماً تاماً فعلياً.، بل كان حكماء شكلياً اسمياً، محصوراً في صنعاء وما والاها. أما الأطراف والمدن الأخرى. فكان الحكم فيها لسادات اليمن من حضر ومن أهل وبر. وهو حكم نسمّيه حكم "أصحاب الجاه والنفوذ". وقد شاء بعض منهم أن يظهر نفسه بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب "ملك" وحملوه افتخاراً واعتزازاً، ولم يكن أولئك الملوك ملوكاً بالمعنى المفهوم، إنما كانوا سادات ارض وقبائل، جَمَّلوا أنفسهم بالقاب الملك.

فقد نعتت كتب التواريخ والسير سادات حمير في أيام الرسول: الحارث بن عبد كلال، وشريح بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، و "النعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر"، و "زرعة ذو يزن" "زرعة بن ذي يزن" ب "ملوك حمير"، وذكرت أنهم أرسلوا إلى الرسول رسولاً يحل إليه كتاباً منهم يخبرونه فيه بإسلامهم، وقد وصل إليه مَقفله من تبوك، ولقيه بالمدينة، فكتبّ الرسول إليهم جوابه، شرح لهم فيه ما لهم وما عليهم، وما يجب عليه مراعاة من إحكام. ويذكر "ابن سعد" أن هذا الرسول هو "مالك بئ مُرارة الرهاوي" "مالك بن مرة الرهاوي"، وقد وصل المدينة في شهر رمضان سنة تسع، وذلك بعد رجوعه من أرض الروم.

ودَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول أرسله إلى "الحارث" و "مسروح" و "نعيم" أبناء "عبد كلال" من حمير. حمله إليهم "عياش ابن أبي ربيعة المخزومي". وأوصاه بوصايا ليوصي بها أبناء "عبد كلال" إن أسلموا. منها أنهم إذا رطنوا "فقل ترجموا"، حتى يفقه كلامهم. وإذا أسلموا، فليأخذ "قضبهم الثلاثة التي إذا حضروا بها سجدوا. وهي من الأئل قضيب ملمع ببياض وصفرة، وقضيب ذو عجر كأنه خبزران، والأسود البهيم كأنه من ساسم. ثم أخرجها فحرّقها بسوقهم. فذهب إليهم ووجدهم في دار. ذات ستور عظام على أبواب دور ثلاثة. فكشف الستر ودخل الباب الأوسط، وانتهى إلى قوم في قاعة الدار. ففعل بمثل ما أمره به الرسول.

ويظهر من قوله: "فاذا رطنوا فقل ترجموا"، أنهم لم يكونوا يحسنون عربية أهل مكة. وأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بلهجاتهم الخاصة بهم. وأن معنى تحريق القضب الثلاثة، هدم ما كان لهم من عزة وسلطان وتكبر على الرعية، لأن الإسلام قد أمر باجتثات ذلك. وبان يكون الحكم للرسول وحده. ولما كانت تلك القضب رمزاً للحكم والسلطان، وقد جعل الإسلام الحكم للرسول وحده، هذا أمر الرسول بكسر تلك القضب، وفي كسرها أشعار لهم بأن حكمهم القديم قد زال عنهم، وأن الحكم الآن للرسول.

ويظهر من نص الكتاب الذي وجهه الرسول إلى "زرعة بن ذي يزن"، وفيه: "إما بعد، فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين... الخ"، أن "زرعة" هذا كان رأس حمير، والمطاع فيها، وهذا أرسل إليه رسولاً خاصاً به هو "مالك بن مرة الرهاوي"، واستلم جواباً خاصاً من الرسول كتب باسمه، ولم يذكر اسمه في الجواب الذي أرسله إلى الباقين بصورة مشتركة.

وذكر "ابن سعد" أن رسول الله كتب كتاباً إلى "بني عمرو" من حمير، ولم يذكر من هم "بنو عمرو"، وأشار إلى أن في الكتاب: "وكتب خالد ابن سعيد بن العاصي"، ما يدل على أنه كان كاتب ذلك الكتاب. ويشير "ابن سعد" أيضاً إلى إن الرسول أرسل "جرير بن عبد الله البجلي" إلى "ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع" والى "ذي عمرو"، يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلفت "ضريبة بنت ابرهة بن الصباح" امرأة "ذي الكلاع". وتوفي رسول الله، وجرير عندهم، فأخبره "ذو عمر" بوفاته.

ويشير نسب "ذو الكلاع" المذكور. إلى انه من الأسرة التي كانت تحكم اليمن قبيل غزو الحبش لها. فهو من الأسر الشريفة الحميرية في اليمن. وقد عرف ب "ذي الكلاع الأصغر" عند أهل الأخبار تمييزاً له عن "ذي الكلاع الأكبر" الذي هو في عرفهم "يزيد بن النعمان الحميري" من ولد "شهال بن وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن ماللت بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبأ الأصغر".

وأما صاحبنا "ذو الكلاع" الأصغر التي راسله الرسول، وأسلم فهو أبو"شراحيل سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر". قال أهل الأخبار" والتكلع الخلف "وبه سُمىِّ فو الكلاع الأصغر، لأن حمير تكلَّعوا على يد. أي تجمعوا، إلا قبيلتين" هوازن وحراز، فانهما تكلعتا على ذي الكلاع الأكبر" يزيد بن النعمان".

وذكر نسب "ذو الكلاع الأصغر" على هذا الشكل: "سميع بن ناكور ابن عمرو بن يعفر بن يزيد بن النعمان الحميري". و "يزيد" هذا هو "ذو الكلاع الأكبر". وذكر إن "أبا شراحيل" هو الرئيس في قومه المطاع المتبوع، أسلم في حياة النبي، فكتب إليه النبي على يد جرير بن عبد الله البجلي كتاباً في التعاون عل الأسود ومسيلمة وطليحة. وكان القائم بأمر معاوية في حرب صفير. وقتل قبل انقضاء الحرب، فقرح معاوية بموته، وذلك انه بلغه إن "ذا الكلاع" ثبت عنده إن عليّاً بريء من دم عثمان، وان معاوية لبسَّ عليهم ذلك، فأراد التشتيت عليه فعاجلته منيته بصفين وذلك سنة سبع وثلاثين.

ويكون "ذو الكلاع" الأصغر، قد تزوج بنتاً من بنات أبرهة هي "ضريبة".

ونسب إلى النابغة قوله: أتانا بالنجاشة مجلـبـوهـا  وكندة تحت راية ذي الكلاع 

يريد تميماً وأسداً وطيّاً اجلبوا الجيش على بني عامر مع أبي يكسوم وذو الكلاع كان معه أيضاً.

وذكر إن رسول الله كتب إلى "معد يكرب بن أبرهة" إن له ما أسلم عليه من أرض خولان. ولم يشر "ابن سعد" إلى بقية اسم أبرهة أو إلى شهرته، ذلك لا ندري إذا كان قصد "أبرهة" المعروف، أم شخصاً آخر اسمه "أبرهة". ولكننا نعرف اسم قبل عرف ب "معد يكرب" اسم والده "أبو مرة الفياض" ذو يزن، كان متزوجاً من "ريحانة" ابنة "ذي جدن"، فولدت له "سعد يكرب" المذكور. ثم انتزعها منه "الأشرم"، ونشأ. "معد يكرب" مع أمه "ريحانة" في حجر "أبرهة"، فلعلّه نسب إليه، لذلك قال له "ابن سعد" "معد يكرب بن أبرهة".

وكان للفرس وللجيل الجديد الذي ظهر في اليمن من تزاوجهم باليمانيين، وهو الجيل الذي عرف ب "الأبناء" نفوذ كبير في اليمن، وقد تحدثت عنه في الجزء السابق من هذا الكتاب. والى هذا الجيل أرسل الرسول "وبر بنُ يُحنس"، يدعوه إلى الإسلام، فنزل على بنات "النعمان بن بزرج" فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، والى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبه. وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه.

وقد كان الفرس الذين أقاموا باليمن مثل سائر الفرس على المجوسية، ولما دخل أهل اليمن في الإسلام دخل بعض هؤلاء فيه. وأقام بعض آخر على دينه، وفرض الرسول على من بقي على دينه جزية. وقد نفر منهم بعض سادات اليمن من الأسر القديمة، بسبب انهم غرباء عن اليمن، جاؤوا إلى اليمن فحكموها، ولهذا انضم بعض منهم إلى "الأسود" في ردّته. لأن "الأسود العنسي"، كان كارهاً الأبناء، حاقداً عليهم. يرى انهم عصابة دخيلة، استأثرت بحكم اليمن. وقد شاءت الأقدار إن تكون نهايته بأيديهم. إذْ كان قاتله منهم فكأن قلبه كان يعلم بما سيفعلونه به، ولهذا كرههم.

وكانت الأزد من القبائل المعروفة في اليمن، وقد جاء وفد منهم إلى الرسول على رأسه "صرد بن عبد الله" في بضعة عشر، فأسلم، وأمره إن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، وكان أول ما فعله انه حاصر "جرش"، وكانت قد تحصنت وضوت إليها خثعم، فلما وجد إن من العسر عليه فتحها إ القوة آوى إلى جبل "كشر"، فظن أهل جرش، انه إنما ولى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً. ثم أسلم من نجا منهم. وحمى الرسول لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس، وللراحلة، وللمثيرة تثير الحرث، فمن رعاها من الناس سوى ذلك فماله سحت.

وكتب الرسول كتاباً إلى "خالد بن ضباد الأردي" إن له ما أسلم عليه من أرضه، وكان كاتب كتابه "أبيَّ". وكتب مثل ذلك لجنادة الأزدي وقومه، وكان كاتب هذا الكتاب "أبيَّ" كذلك. وكتب الرسول إلى "أبي ظبيان الأزدي" من "غامد" يدعوه ويدعو قومه إلى الإسلام. فأجابه في نفر من قومه بمكة. وكانت لأبي ظبيان صحبة، وأدرك عمر بن الخطاب.

وذكر إن "ضماد بن ثعلبة" الأزدي، كان صديقاً للرسول في الجاهلية، وكان يتطبب ويرقي من هذه الرياح، ويطلب العلم، فقدم مكة قبل الهجرة، واجتمع بالرسول وكلّمه، ثم أسلم. وهو من "أزد شنوءة".

ونجد "ابن سعد" يدوّن صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه لبارق من الأزد. نظم فيه حقوقهم مثل إن لاُ تجذّ ثمارهم وان لا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق. وغير ذلك. وكتب الكتاب "أبيَّ بن كعب"، وشهد عليه أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان.

ويجاور الأزد من الشرق "خثعم" و "مذحج" و "مراد" و "همدان" و "بلحارث"، ويجاورهم في غربهم "بنو كنانة" و "بنو عك". وأما من الجنوب، فتتصل ديارهم بديار "همدان" و "حمير".

وتجمع بعد وفاة النبي قوم من الأزد وبجيلة وخثعم، عليهم حميضة بن النعمان وذلك ب "شنوءة"، وعلى أهل الطائف "عثمان بن ربيعة"، فبعث عليهم "عثمان بن أبي العاص"، عامل النبي على الطائف بعثاً التقى بهم بشنوءة، فهزموا تلك الجُمّاع، وتفرقوا عن ""حميضة"، وهرب وفسدت ثورة هؤلاء المرتدين.

وتمرد قوم د من "خثعم" على "أبي يكر" حينما بلغهم نبأ وفاة الرسول وخرجوا غضباً إلى "ذي الخلصة" يريدون إعادته، فأمر "أبو بكر" "جرير ابن عبد الله" إن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله، وان يستنفر "مقويهم"، فيقاتل بهم خثعم، فنفذ أمره فتتبعهم وقتلهم وعاد إلى الإسلام من تاب. وكان الرسول قد بعث سنة تسع للهجرة "قطبة بن عامر بن حدية" إلى خثعم بناحية "تبالة"، فتغلب عليهم.

وبقيت "همدان" قبيلة قوية من قبائل اليمن، وقد أسلمت كلها في يوم واحد، أسلمت يوم مقدم "علي بن أبي طالب" إلى اليمن على رأس سرية أمر الرسول بإرسالها إلى هناك. وقد فرح الرسول بإسلامها، وتتابع أهل اليمن على الإسلام.

وقد كانت همدان بطون عديدة، من بطونها "بنو ناعط"، ومن رجالهم "حمرة ذو المشعار بن أيفع"، وكان شريفاً في الجاهلية، والظاهر انه كان صاحب موضع "المشعار". وهو "أبو ثور". وقد وفد على الرسول، ووفد معه "مالك بن نمط" و "مالك بن أيفع"، و "ظمام بن مالك السلماني"، و "عميرة بن مالك الخارفي"، فلقوا رسول الله بعد مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم المعدنية، برحال المَبسْ على المهرية والأرحبية. ويذكر أهل الأخبار، إن الوفد لما وصل المدينة، ارتجز "مالك بن نمط" رحزاً، ثم خطب بين يدي الرسول، ذاكراً له إن نصيه، أي أخياراً أشرافاً من همدان، يريد رجال الوفد، قدمت إلى الرسول، وهي "من كل حاضر وباد" أي من أهل الحضر ومن أهل البادية، ومن أهل مخلاف خارف ويام وشاكًر، ومن أهل الإبل والخيل، قدموا إليه، بعد إن عافوا الأصنام واعتنقوا الإسلام. فأثنى الرسول عليهم، وشكره سم وكتب لهم كتاباً، وجهه "لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل مع وافدها، ذي المشعار: مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه"، ثم بين لهم ما عليهم وما لهم.

وورد إن "قيس بن مالك بن سد بن لأي الأرحبي" قدم على رسول الله وهو بمكة، فعرض رسول الله عليه الإسلام فأسلم، ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فكتب له عهداً على قومه "همدان". وذكر إن رجلاً مرّ بالرسول، وهو من "أرحب" من "همدان"، اسمه "عبد الله بن قيس بن أم غزال"، فعرض عليه الرسول الإسلام، فأسلم، فلما عاد إلى قومه قتله رجل من "بني زُبَيْد". وجاء وفد آخر من "همدان" إلى الرسول فأسلم على يديه، وكان فيه "حمزة بن مالك" من "ذي مشعار"، وكان على الوفد مقطعات الحبرة مكففة بالديباج، فكتب الرسول لهم كتاباً، وأوصاهم بقومهم من بقيه بطؤن همدان.

وورد إن الرسول كتب ل "قيس بن مالك بن سعد الأرحبي"، عهداً ثبته فيه على قومه "همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها إن يسمعوا له ويطيعوا". وذكر إن الأحمور: قدم، وآل ذي مران، وآل ذي لعوة، وأذواء همدان. وقيل: حمورها: أهل القرى. وأرى إن المراد بالأحمور هم بقايا حمير الناطقون بالحميرية وهم سكان القرى والمدن. ذكروا وخصوا بالذكر، لأنهم اختلفوا عن غيرهم ممن كان يتكلم بلهجات أخرى، ولهذا ميزوا عن "عربها"، أي عرب همدان، وهم الأعراب، وعن الخلائط وهمم الذين يكونون أخلاط الناس وعن الموالي. وذهب بعض الباحثين، إلى إن "عربها" بالغين، أي "غربها" ويراد بهم: أرحب، ونهم، وشاكر ووداعة، و يام، و موهبة، و دالان، و خارف، وعذر، وحجور".

وأما "بنو زُبَيْد"، فكان على رأسهم "عمرو بن معد يكرب الزبيدي"، وكان قد قدم على الرسول في أناس من قومه، ليعرض عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من كان معه. وقد نعت بالشجاعة فدعي ب "فارس العرب"، وهو لقب يلقب به الشجعان الفرسان. وأقام في قومه من بني زُبَيْد. وعليهم "فروة بن مسيك المُرادي"، الذي كان قد استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها: فلما توفي رسول الله ارتد عمرو بن معديكرب. ووثب "قيس بن عبد يغوث" على "فروة بن مسيك"، وهو على مواد ة فأجلاه ونزل منزله.

وكان "عمرو بن معد يكرب" قد لقيَ "قيس برْ مكشوح المرادي" حين انتهى إليه أمر رسول الله، فعرض عليه إن يذهب معه إلى رسول الله حتى يعلم علمه، فإن كان نبيّاً، فإنه لا يخفى أمره عليهم، وإن كان غير ذلك علم علمه أيضاً وتركه، فلم يأخذ "قيس" برأيه وسفهّ فكرته. ثم أوعد "قّيس" "عمرو بن معد يكرب" يوم سمع بذهابه إلى الرسول وباعتناقه الإسلام. وقال: "خالفني وترك رأيي".

وكان "فروة بن مسيك المرادي" من "بني مُراد" وقد عدّه "ابن حبيب" في جملة الجرارين، أي الذين قادوا ألفاً. وقد كان مفارقاً لملوك كندة، ومعانداً لهم. وقد شهد يوم الرزم، وهو يوم كان بين مراد قوم فروة وبن همدان، انتصرت فيه همدان على مراد. وقد نسبوا شعراً لفروة ذكروا انه قاله يعتذر فيه عن الهزيمة التي أصابت مراداً في ذلك اليوم، وكان الذي قّاد همدان فيه "مراد الأجدع بن مالك".

ولما وصل "فروة" المدينة، نزل على "سعد بن عبادة"، وقد أكرمه الرسول، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه "خالد بن سعيد بن العاص" على الصدقات 6.

والى بني الحارث بن كعب أرسل الرسول خالد بن الوليد يدعنهم إلى الإسلام أو البقاء على دينهم وهو النصرانية مع دفع الجزية. فأسلم أكثرهم، وذهب وفد منهم فيه "قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة"، و "يزيد بن عبد المدان"، و يزيد بن المحجل"، و "عبد الله بن قريظ الزيادي"، و "شدّاد بن عبد الله القناني"، و "عمرو بن عبد الله الضبابيّ"، فقابل الرسول، وكان السواد غالباً على لونهم، فقال الرسول، لما رآهم: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال من الهند?. قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث ابن كعب. وأمر رسول الله "قيس بن الحصن" على "بني الحارث بن كعب". كما زار الرسول "عبدة بن مسهر الحارثي" في المدينة، وأسلم على يديه.

وكتب الرسول لبني الضباب من "بني الحارث بن كعب" إن لهم ساربة ورافعها، لا يُحاقّهم فبها أحد ما داموا مسلمين، وكتب كتابهم هذا المغيرة. وكتب لبني قنان بن وعلة من بني الحارث كتاباً إن لهم محبساً وانهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، كتبه له المغيرة أيضاً. وأمر الرسول كاتبه: الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، إن يكتب لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، إن له ما أسلم عليه من أرضها وأشيائها، أي نخلها ما دام يقوم بما يفرضه الإسلام عليه من واجبات. وكتب له "علي بن أبي طالب" إن لبني زياد بن الحارث جمّاء وأذنبة. وأمر رسول الله المغيرة بن شعبة إن يكتب ليزيد بن المحجل الحارثي، إن له ولقومه نمرهّ ومساقيها ووادي الرحمان من بين غابتها. وانه على قومه من "بني مالك" و "عقبة" لا يغزون ولا يحشرون.

وأصر الرسول إن يكتب كتاباً ل "قيس بن الحصين ذي الغصة" أمانة لبني أبيه بني الحارث ولبني نهد حلفاء بني الحارث، يؤمنهم على أموالهم ما داموا مسلمين. وكتب كتاباً يشهد بإسلام "بني قنان بن يزيد" الحارثيين، ويؤمنهم فيه أيضاً إن لهمِ مذْوداً وسواقيه. وكتب مثل ذلك لعاصم، بن الحارث الحارثي، إن له نجمة من راكس لا يُحاقه فيها أحدا.

وكان "عوز بن سُرير الغافقي" في جملة من وفد من "غافق" على الرسول، كما كان فيهم "جليحة بن شجار بن صُحار الغافقي".

وقد آلم ولا شك خروج الحبش من اليمن البيزنطيين كثيراً، وأصيبوا بخروجهم منها بخسارة من الوجهة العسكرية والاقتصادية، غير إن مما خفف من هذه المصيبة إن الفرس لم يكن لديهم آنذاك أسطول قوي يستطيع الهيمنة على مضيق المندب، مدجل البحر الأحمر، بل ولا سفن كافية يكون في وسعها حماية سواحل اليمن والعربية الجنوبية. لذلك لم يهدد دخولهم اليمن السواحلَ الإفريقية المقابلة لسواحل جزيرة العرب وهي مهمة بالنسبة للروم، ثم انهم عوّضوا عن خسارتهم الكبيرة الفادحة التي نزلت بهم باحتلال الفرس لبلاد الشام، بطردهم الفرس وإجلائهم عن كل الأرضين التي استولوا عليها وبإعادتهم "الصليب المقدس" إلى مكانه. فرفعوا بذلك من معنوياتهم في الشرق الأوسط وفي إفريقية.

وقد سُرَّ اليهود من خروج الحبش من اليمن ومن استيلاء الفرس عليها. إذه صاروا في حكم حكومة لا تحقد عليهم، حكومة لا يهمها أمر اليهود لعدم وجود علاقة لها بها. بل ربما ساعدتها لأنها تناهض الروم، على عكس النصرانية التي كانت قد وجدت في الحبشة نصيراً ومساعداً، لذلك، أتباعها وانحسروا تدريجياً، وبقيت متمركزة بمدينة نجران.

ولنجران وضع خاص. فقد تمتعت باستقلال ذاتي في الغالب. وقد تحرشتُ بتأريخها في مواضع متعددة من هذا الكتاب وبحسب المناسبات. ولما استولى الفرس على اليمن لم تدخل في طاعتهم ولم تخضع لحكم "عاملهم"، بل أخذت تدير شؤونها بنفسها وبمجلس تنفيذي حصر أمور البلد في أيدي سادات ثلاثة اختصر أحدهم بالحكم المدني، واختص ثانيهم بالنظر في أمور الدين. واختص الثالث في شؤون الأمن والدفاع عن المدينة. وقد عرفوا بالعاقب والسيد والأسقف. وقد قدموا على الرسول وباهلوه ؛. وكتبِ لهم كتاب الصلح وذلك سنة عشر للهجرة. واشترط عليهم في جملة. ما اشترطه فيه، إن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. وكتب الكتاب: المغيرة.

وذكر إن الوفد الذي خرج إلى الرسول من نجران كان مؤلفاً من أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى. فيهم" العاقب، وهو عبد المسيح، رجل من كندة، وأبو الحارث بن علقمة، رجل من بني ربيعة، والسيد وأوس إبنا الحارث، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وخالد، وعمرو، وعبيد الله، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم، والعاقب، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحبه مدارسهم، والسيد، وهو صاحب رحلهم. فتقدمهم "كرز" أخو "أبو الحارث"، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، ثم كلّموا الرسول، وصالحهم على شروط، ثم عادوا إلى ديارهم، ثم عاد السيد والعاقب إلى المدينة فأسلما، وبقي الآخرون على دينهم إلى زمن "عمر" فأجلاهم، لأنهم أصابوا "الربا" وكثر بينهم. واشترى عقاراتهم وأموالهم، فتفرقوا، فنزل بعضهم الشام ونزل بعضهم "النجرانية" بناحية الكوفة.

وكان الحكم في نجران ل "بني الأفعى"، ثم تحول إلى "بني الحارث بن كعب"، فلما ظهر الإسلام كان حُكامها من بني الحارث بن كعب. أما بنو الأفعى فكانوا كثرة فيها. غير إن الحكم لم يكن في أيديهم.

ولما توفي رسول الله، كان عامله "عمرو بن حزم" بنجران. ولما قام "ذو الخمار عبهلة بن كعب" وهو " الأسود"، بعامة مذحج على الإسلام في حياة الرسول وكان كاهناً شعباذاً، يري الناس الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، أخرج "عمرو برت حزم" من نجران، واستولى عليها ثم سار "عبهلة" إلى صنعاء فأخذها، وأخذ يدعو الناس إليه، حتى قضى عليه. وأرسل الرسول قبل وفاته بقليل "وبر بن يُحنس" إلى "فيروز" و "جُشيش الديلمي" و "داذويه اللاصطخري"، و "جرير بن عبد الله" إلى "ذي الكلاع" و "ذي ظليم"، و "الاقرع بن عبد الله الحميري" إلى "ذي زود" و "ذي مران" وذلك للقضاء على "الأسود" وعلى من استجاب إليه، فقتل. قتله: "فيروز للديلمي" و "قيس بن مكشوح المرادي"، وعاد من ارتد واتبعه إلى الإسلام، ولم يكن الرسول قد فارق الدنيا بعد.

وكان النبيّ حين وفاته قد نصب عمالاً على عمالات تمتد من مكة إلى اليمن، فكان على مكة وأرضها "عتاب بن أُسيدْ" و "الطاهر بن أبي هالة"، عتاب على بني كنانة والطاهر على عك. وعلى "الطائف" وأرضها "عثمان بن أبي العاص" و "مالك بن عوف النصريّ". "عثمان" على أهل المدر ومالك كل أهل الوبر أعجاز هوازن. وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سفيان بن حرب. عمرو بن حزم على الصلاة، وأبو سفيان بن حرب على الصدقات، وعلى ما بين "رمع" و "زبيد" إلى حد "نجران" خالد بن سعيد بن العاص. وعلى همدان كلها "عامر بن شهر"، وعلى "صنعاء" فيروز الديلمي يسانده داذويه وقيس بن المكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين مع عك الطاهر بن أبي هالة، ومعاذ بن جبل يعلم القوم، يتنقل في عمل عامل. بقي الحال على هذا المنوال حتى نزا بهم الأسود الكذّاب.

وورد في ش رواية أخرى، إن رسول الله وجه "خالد بن سعيد بن العاص" أميراً إلى صنعاء وأرضها، وذكر انه ولى "المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي" صنعاء، فقبض وهو عليها. وقال آخرون إنما ولى "المهاجر" "أبو يكر"، وولى "خالد بن سعيد" مخاليف أعلى اليمن. وذكر أيضاً، إن رسول الله ولى "المهاجر" كندة والصدف، فلما قبض رسول الله، كتب أبو بكر إلى "زياد بن لبيد البياضي" من الأنصار بولاية كندة والصدف إلى ما كان يتولى من حضرموت. وولى المهاجر "صنعاء". والذي عليه الإجماع إن رسول الله ولى "زياد بن لبيد" حضرموت.

ولما ارتد "قيس بن عبد يغوث المكشوح" ردته الثانية، وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش، وكتب إلى "ذي الكلاع" وأصحابه" "إن الأبناء نزُّاع في بلادكم، وثقلاء فيكم، وأن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن اقتل رؤوسهم، وأخرجهم من بلادناً، كتب "أبو بكر" إلى "عمير ذي مران" والى "سعيد ذو زود" والى "سميفع ذي الكلاع" والى "حوشب ذي ظلم"، والى "شهر ذي يناف"، يأمرهم بالتمسك بالإسلام، وبمقاومة "قيس" والمرتدين. فكاتب "قيس" "تلك الفالة السيارة اللحجية، وهم يصعدون في البلاد ويصوّبون، محاربين لجميع من خالفهم" "وأمرهم إن يتعجلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحداً، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن"، فاستجابوا له، ودنوا من صنعاء. وعمد إلى الحيلة لقتل "فيروز"، و "داذويه"، و "جشيش". وتمكن من "داذويه"، فقتله. فأحسرّ "فيروز" و "جشيش" بالمكيدة، فهربا إلى "خولان"، وهم أخوال "فيروز"، و امتنع "فيروز" بأخواله. فثار "قيس" بصنعاء، وجمع "فيروز" من تمكن جمعه من الأبناء، وكتب إلى "بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" والى "عك" يستنصرهم ويستمدهم على "قيس". فساروا إليه ووثبت "عك" وعليهم "مسروق"، وسار "فيروز" بهم نحو "قيس"، فهرب في قومه والتحق بفلول "العنسي" التي تذبذبت بعد مقتله، وسار فيما بين صنعاء ونجران. وانضم إلى "عمرو بن معديكرب". وكان "عمرو" قد فارق قومه "سعد العشيرة" في "بني زبيد" وأحلافها وانضم إلى "العنسي".

ولما أرسل "أبو يكر" مدداً إلى من أرسله إلى اليمن، انضم إليه قوم من "مهرة" وسعد زيد والأزد وناجية وعبد القيس وحُدبان من بني مالك، وقوم من العنبر والنخع، وحمير، واختلف "قيس" مع "عمرو بن معديكرب"، وإنفلّ من كان معهما، وأخذا أسرين إلى أبي بكر، فعفى عنهما. وانتهت بذلك ردة هذين المرتدين.

ومن "بني خُشَين" "أبو ثعلبة الخشني"،. وقد وفد على الرسول وأسلم ووفد عليه نفر من "خشين" فنزلوا عليه وأسلموا وبايعوه ورجعوا إلى قومهم.

وكان من جملة وفود أهل اليمن إلى الرسول، وفد "بهراء"، جاؤوا إلى المدينة فأسلموا، وقد نزلوا على "المقداد بن عمرو".

ومن قبائل اليمن قبائل "مذحج"، وتقع منازلها جنوب منازل "خثعم" وفي شمال ديار "قهد". ومن بطونها "الرهاويون"، وهم حيّ من مذحج، قدم وفد منهم على الرسول سنة "عشر" للهجرة فأسلموا. وقدم رجل منهم اسمه "عمرو بن سبيع" على الرسول فأسلم، فعقد له رسول الله لواءً.

وأرسل "النخع" رجلين منهم إلى النبيّ" "ارطاة بن شراحيل بن كعب" من "بني حارثة بن مالك بن النخع" و "الجهيش" واسمه "الأرقم" من "بني بكر بن عوف بن النخع" فأسلما، وعقد لأرطاة لواء على قومه، وجاء وفد آخر من وفد النخع من اليمن سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، وكان فيهم "زرارة بن عمرو"، وقيل هو "زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء"، وكان نصرانياً، فأسلموا، وبايعوا الرسول، وكانوا قد بايعوا "معاذ بن جبل" باليمن.

وقسم "جرير بن عبد الله البجلي" سنة عشر المدينةَ على رأس وفد من قومه "بحيلة"، فأسلموا وبايعوا الرسول. وقدم وفد آخر منهم فيه "قيس بن عزرة الأحمسي" فأسلموا وعادوا إلى ديارهم وجاء وفد "خثعم" وفيه "عثعث بن زحر" و "أنس بن مدرك"، فأسلموا، وكتب النبي لهم كتاباً. وقد دَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه ل "خثعم" "من حاضر بيشة وباديتها"، وأن الذي كتبه له وشهد عليه "جرير بن عبد الله" ومن حضر. ودَوّنَ "ابن سعد" صورة كتاب آخر، أمر الرسول بكتابته ل "مطرف بن الكاهن الباهلي". جاء فيه: "هذا كتاب من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشة من باهلة". ويظهر منه أن "مطرفا" المذكور وقومه من باهلة كانوا يقيمون اذ ذاك ب "بيشة". ودَوّن "ابن سعد" صورة كتاب آخر كتبه الرسول إلى "نهشل بن مالك الوائلي" من "باهلة. ولم يذكر الكتاب مواضع منازلهم.

وكان من رجال "جُعْفى" الذين وفدوا على الرسول" "قيس بن سلمة ابن شراحيل"، و "سلمة بن يزيد"، فأسلما، وأستأذنا الرسول بالعودة إلى منازلها. فلما كانا في الطريق، لقيا رجلاً من أصحاب رسول الله، معه إبل منه ابل الصدقة، فطردا الإبل، واوثقا الراعي. ومن "جعفى"، "ابو سبرة"، وهو "يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفى" وابناه "سبرة" و "عزيز"، قدم بهما أبوهما على الرسول، وأسلموا.

وأما "تهامة"، فكان بها عَك والأشعرون. وكانوا قد ارتدوا بعد سماعهم خبر وفاة الرسول، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وعادوا إلى الإسلام ولما توفي الرسول، كان أول منتقض بعد النبي بتهامة عَك والأشعرون، وذلك انهم حين بلغهم موت النبي، تجمعوا وأقاموا على الاعلاب طريق الساحل. فسار عليهم "الطاهر بن أبي هالة" ومعه "مسروق المكيّ"، فهزمهم وقتلهم كل قتلةَ، وعرفت الجموع من عكّ ومن تأشب إليهم" الأخابث، وُسميّ الطريق الذي تجمعوا فيه "طريق الأخابث"، وجاء وفد من الأشعريين، فيه "أبو موسى الأشعري"، ومعه رجلان من "عكّ" قدم في سفن في البحر، ثم نزلوا الساحل وذهبوا "برّاً إلى المدينة، فرأوا الرسول وبايعوه.

وأرسلت "جيشان" نفراً إلى المدينة فيهم "أبو وهب الجيشاني"، فأسلموا. وكان الحكم في حضرموت إلى الاقيال كذلك. وفي أيام الرسول قدم عليه "وائل بن حجر" راغباً في الإسلام، وكانت له مكانة كبيرة في بلده، وقد نعته كتاب الرسول الذي كتبه إليه ب "قيل حضرموت"، وقد كان لكندة والسكاسك والسكون والصدف اثر كبير في تأريخ حضرموت في هذا العهد الذي نتحدث عنه.

وذكر "ابن سعد"، إن الرسول كتب إلى أقيال حضرموت، وعظمائهم، كتب إلى "زرعة" و "فهد" و "البسّي" و "البحري" و "عبد كلال" و"ربيعة" و "حجر".ْ وكانت كندة هي القبيلة المتنفذة بحضرموت، كان "الاشعث بن قيس بن معديكرب الكندي" من رؤساء هذه القبيلة البارزين، وقد مدح الأعشى "قيس ابن معديكرب" بقوله: وجلنداء في عُمان مـقـيمـاً  ثم قيساً في حضرموت المنيف 

وكان "الأشعث بن قيس" على رأس وفد كندة الذي وفد على الرسول سنة عشر، فأسلم مع قومه على يديه. وقد كان رجال الوفد قد رجًّلوا جمعهم واكتحلوا، ولبسوا جباب الحبرة قد كفَوّها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فأمرهم الرسول بتك ذلك. فألقوه.

وذكر "أبو عبيدة"، إن "الأشعث بن قيس" لم يكن كندياً، وإنما صار في كندة بالولاء. وزعم إن والد "قيس" وهو "معمد يكرب" كان علجاً من أهل فارس إسكافاً اسمه "سيبخت بن ذكر"، قطع البحر من توج إلى حضرموت. وللفرزدق شعر في ذلك قاله في حق "عبد الرحمن" حين خالف عبد الملك بن مروان. كما زعم إن "وردة بنت معد يكرب" عمة الأشعث كانت عند رجل من اليهود، فماتت ولم تخلف ولداً، فأتى الأشعث "عمر بن الخطاب" يطلب ميراثها، فقال له عمر" لا ميراث لأهل ملتين. وقد عرف ملوك كندة الذين راسلهم الرسول ب "بني معاوية"، وهم الذين عرفوا ب "بني معاوية الأكرمين"، في شعر مدحوا به.

وكان مخوص "مخوس" ومشرح وجمد "حمدة" وأبضعة بنو معد يكرب ابن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من الرؤساء الملقبين بلقب ملك، لأن كل واحد منهم قد اختص بواد ملكه، ولقب نفسه بلقب ملك. وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من بني عمرو بن معاوية وقد لعنهم النبيّ. وعرفوا ب "بني وليعة" ملوك حضرموت وقد جاؤوا إلى الرسول مع وفد كندة فأسلموا.

ووفد رئيس آخر من رؤساء حضرموت على الرسول اسمه "وائل بن حجر"، ويظهر انه كان ذا منزلة كبيرة عند قومه، فلما وصل المدينة أمر الرسول "معاوية بن أبي سفيان" باستقباله وبإنزاله منزلاً خاصاً ب "الحرة"، وأمر بأن ينادى ليجتمع الناس: الصلاة جامعة، سروراً بقدومه، ولما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له الرسول كتاباً دعاه فيه ب "قيل حضرموت"، وذكر فيه انه جعل له في يديه من الأرضين والحصون. ولما أمر الرسول معاوية بأن ينزل "وائلاً" بالحرة، مشى معاوية معه ووائل راكب، فقال معاوية: الق إليّ نعليك أتوقّى بهما من الحرّ، فقال له: لا يبلغ أهل اليمن إن سوقة لبس نعل ملك، ولما قال له: فأردفني، قال: لستَ من أرداف الملوك، ولكن إن شئتَ قصرت عليك ناقتي فسرتَ في ظلها، فأتى معاوية النبي، فأنبأه بقوله، فقال رسول الله: إن قيه لعُبية من عُبيّةَ الجاهلية.

وكان "الأشعث الكندي" وغيره من "كندة" نازعوا "وائل بن حجر" على وادٍ بحضرموت فادعوه عند رسول الله، فكتب به رسول الله، لوائل ابن حجر. بعد إن شهد له أقيال حمير وأقيال حضرموت. فكتب له بذلك، وأقره على ما في يده من الأرضين.

ومن قرى حضرموت" تريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار وكان الرسول قد استعمل "المهاجر بن أبي أمية" على كندة والصدف و "زياد بن لبيد البياضي" من "بني بياضة" على حضرموت، و "عكاشة ابن محصن" على "السكاسك" و "السكون". ولما توفي الرسول، خرج "بنو عمرو بن معاوية"، إلى محاجرهم، ونزل "الأشعث بن قيس الكندي" محجراً، و "السمط بن الأسود" محجراً، وطابقت "معاوية" كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة، إلا ما كان من "شرحبيل بن السمط" وابنه، فإنهما خالفوهم في رأيهم، فهجم المسلمون على المحاجر، وقتلوا الملوك الأربعة.

وساروا على "الأشعث" ومن انضم إليه من "كندة"، والتقوا بمحجر الزرقان فهزمت كندة وعلهم الأشعث: فالتجأت إلى حصن النجر، ومعهم من استغووا من السكاسلك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، فلحقتهم جيوش المسلمين، ومنعت المسد عنهم، وأخضعت من بقرى "بني هند" إلى "برهوت"، وأهل الساحل، وأهل "محا"، فخاف من بالحصن على نفسه، واستسلم الأشعث وانتهت فتنته. وأخذ إلى المدينة، فحقن "أبو بكر" دمه، وزوّجه أخته، ثم سار إلى الشام والعراق غازياً ومات بالكوفة.

وكان "شرحبيل بن السمط" الكندي مقاوماً للأشعث بن قيس الكندي في الرئاسة، وانتقل العداء إلى الأولاد.

وينسب "الصدف" إلى الصدف بن مالك بن مرخ بن معاوية بن كندة"، فهم إذن من كندة.

وذكر إن من سادات حضرموت في هذا العهد" "ربيعة بن ذي مرحب الحضرمي". وقد كتب إليه الرسول كتاباً أقره فيه وأقر أعمامه وأخوته وكل "آل ذي مرحب" على أرضهم وأموالهم ونخلهم ورقيقهم وآبارهم ونخلهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم وان "أموالهم وأنفسهم وزافر حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس" هو لهم. وكتب الكتاب للرسول معاوية بن أبي سفيان.

وكان يتنازع على رئاسة مهرة رجلان منهم عند ظهور الإسلام، أحدهما "شجريت" وهو من "بني شخراة"، وكان بمكان من أرض مهرة يقال له: "جَيْروت" إلى "نضدون". وأما الأخر فبالنّجد. وقد انقادت مهرة جميعاً لصاحب هذا الجمع، عليهم "المصبح" أحد بني محارب، والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه" وقد قتل "المصبح" في أثناء ردة مهرة، أما شخريت الذي كان قد أسلم ثم ارتد، فقد سلم على نفسه بعودته إلى الإسلام، وأرسل مع الأخماس إلى "أبي بكر".

ويذكر أهل الأخبار إن بعض رجال "مهرة" وفدوا على الرسول، منهم "مَهْرى بن الأبيض"، وقد كتب له الرسول كتاباً، و "زهير بنِ قرضم ابن العُجيل بن قباث بن قمومي"، وقد اسلم، وكتب له الرسول كتاباً حين هم بالانصراف إلى قومه.

ومن مواضع "مهرة" "رياض الروضة"، بأقضى أرض اليمن من مهرة، و "جيروت" و "ظهور الشحر" و "الصبرات" و "ينعب" و "ذات الخيم".

وأما عمان، فكان المتنفذ والحاكم فيها "الجلندى بن المستكبر"، وكان قد نصب نفسه ملكاً عليها، ويفعل في ذلك فعل الملوك، فيُعشرُ للتجار في سوق "دبا" و "سوق صحار" وكانت سوق دبا من الأسواق المقصودة المشهورة، يأتي إليها البائعون والمشترون من جزيرة العرب ومن خارجها، فيأتيها تجار من السند والهند والصين.

وورد في باب الرسل الذين أرسلهم رسول الله إلى الملوك، انه أرسل "عمرو بن العاص" إلى"جيفر بن جلندى" و"عباد بن جلندى" "عبيد" "جيفر بن جلندى بن عامر ابن جلندى" "عبدا" الأزديين صاحبي عمان. مما يدل على انهما كانا هما الحاكمين على عمان في هذا الوقت. وتعني لفظة "جلنداء" الواردة في شعر الأعشى في مدح "قيس بن معد يكرب" "الجلندى" صاحب عمان. وتذكر الروايات إن "جيفر"، كان هو الملك منهما: وكان أسن من أخيه.

وكان يُسامي "الجلندى" "ذو التاج" "لقيط بن مالك الأزدي"، وقد أرتد وادعى يمثل ما ادعى من تنبأ: وغلب على عمان، والتجأ "جيفر" و "عباد" إلى الجبال. فأرسل "أبو بكر" إليهما مدداً، فتغلبا عليه وعلى من التف حوله. ويظهر إن لم لقيطاً" كان ينافس "آل الجلندى بن المستكبر" على السلطان، وقد اعتصم "آل الجلندى" بالإسلام. وانتصروا بفضل المدد الذي وصل إليهم عليه. وقد قتل "لقيط" وسُبي أهل "دبا".

وكلمة "الجلندي" على ما يظهر من روايات الأخباريين ليست اسماً لشخص، وإنما هي لقب، وقد تعني "لقباً" أو "قيلاء" أو "كاهناً" في لهجات أهل عمان. ويؤيد ذلك ما ورد من انه "ادعى به من كان نبيّاً".

وارتدت طوائف من أهل "عمان"، ولحقوا بالشحر، وارتد جمع من "مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة"، فجهز عليهم "أبو بكر" "عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي" و "حذيفة بن حصن البارقي" من الأزد، فتغلبا عليهم جميعاً، وعادوا عن ردتهم إلى الإسلام.

ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لرجل من "مهرة" اسمه "مهري بن الأبيض". كتبه له: "محمد بن مسلمة الأنصاري".

وغالب أهل عمان من الأزد. وهم من "القحطانيين على رأي أهل الأنساب، من نسل "أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ". وقد عرفوا ب "أزد عمان"، تمييزاً لهم عن أزد شنوءة وأزد السراة وعن أزد غسان. وذكر إن أصل كلمة "أزد" هي "أسد"، وان "أسد" "أفصح من"أزد" وان الأزد نزلت عمان بعد سيل العرم، فغلبت على من كان بها من ناس. وإما أزد "شنوءة" فقد اتجهوا نحو الشمال، فذهب قوم منهم إلى العراق، ذكر انهم سموا "شنوءة" لشنآن، أي تباغض وقع بينهم أو لتباعدهم عن بلدهم. وإذا أخذنا بهذا التفسير، قلنا إنه يعني إن هذه الجماعة من الأزد، كانت مستبدية أعرابية، عاشت متباغضة يقاتل بعضها بعضاً، وهذا ما دفع فلولها على الارتحال عن مواضعها الأصلية وعلى الانتشار والتفكك والذهاب إلى أماكن بعيدة عن مواطنها شأن الأعراب المتقاتلين المتخاذلين.

ثم نراهم يذكرون إن أول من لحق بعمان من الأزد: "مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله ابن مالك" وكان سبب خروجه عن قومه إلى عمان: إن كان له جار وكان لجاره كلبة، وكان بنو أخيه "عمرو بن فهم بن غانم يسرحون ويروحون على طريق بيت ذلك الرجل، وكانت الكلبة تعوي عليهم وتفرق غنمهم، فرماها أحدهم بسهم فقتلها. فشكا جار مالك إليه ما فعل بنو أخيه، فغضب مالك وقال: لا أقيم في بلد ينال فيه هذا من جاري. ثم خرج مراغماً لأخيه عمرو ابن فهم. ثم لحقت به قبائل أخرى من الأزد".

ويذكر الأخباريون إن "عمان" نسبة إلى رجل اسمه "عمان بن قحطان": وكان أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وذكر أيضاً إن "عمان" اسم وادٍ، كان ينزل الأزد عليه حين كانوا بمأرب، وان الفرس كانوا يسمون "عماناً" "مزون". وذكر إن العرب كانت تسمي "عمان" المزون. وذكر إن "أردشير بابكان" جعل الأزد ملاحين بشحر عمان قبل الإسلام بستمائة سنة. وقيل إن المزون، قرية من قرى عمان يسكنها اليهود والملاحون ليس بها غيرهم. ونزل بعمان ناس من غير الأزد. منهم جمع من "بني تميم"، ومنهم "آل جذيمة بن حازم"، وقوم من "بني النبيت" من الأنصار، ومنازلهم في قرية يقال لها "ضنك" من أعمال "السر"، و "بنو قطن" من أهل يثرب. كذلك، ومنازلهم "عبرى" و "السليف" و "تنعم" من أرض السر، وقوم من "بني الحارث بن كعب"، وآخرون من "قضاعة"، وفروع من "عبس".

وكان في جملة من وفد من أزد عمان على الرسول، "أسد بن يبرح الطاحي، خرج في وفد، فبايعوا الرسول، وطلبوا منه إن يرسل إليهم رجلا يقيم أمرهم، فأمر رسول الله "مخربة العبدي"، واسمه "مدرك بن خُوط" بأن يذهب اليهم، ويعلمهم القرآن والإحكام. وجاء بعده وفد آخر فيه "سلمة ابن عياذ "عباد" الأزدي".

ومن عمان "صحار"، وقد اشتهرت بسوقها. و "قسات"، وهي فرضة عمان على للبحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند. و "دبا" "حما" و"مهرة". ويعقد سوق صحار في أول يوم من رجب، ولا يختفر فيها بخفير، ثم يرتحلون إلى سوق دبا، فيعشرهم "آل الجلندى".

ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه إلى وفد "ثُمالة" و "الحُدّان". جاء فيه "هذا كتاب من رسول الله لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حاذت صُحار"، ثم ورد بعدها ما وضع عليهم الرسول من، حقوق. وقد كتب الصحيفة "ثابت بن قيس بن شماس"، وشهد عليها: سد بن عيادة ومحمد بن مسلمة.

وأما البحرين، فجلّ سكانها من "بني عبد القيس" وبكر بن وائل وتميم. وهم بين أهل شرك أو نصرانية وبين شراذم من يهود ومجوس. أما الوالي عليها في أيام ظهور الرسول، فكان "المنذر بن ساوى".. وهو من بني عبد الله ابن زيد" من "بني تميم". وكانوا ملوك المشقر بهجر، وكانت ملوك الفرس قد استعملتهم عليها. و "عبد الله بن زيد" هذا هو "الأسبذي"، نسبة إلى قرية ب "هجر" يقال لها "الأسبذ"، ويقال انه نسب إلى "الأسبذيين"، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين.

و "المشقر" حصن آخر من حصون البحرين المعروفة، وهو من الحصون العادية لذلك نسب بعض أهل الأخبار بناءه إلى "سليمان بن داوود" على عادتهم في إرجاع نسب الأبنية العادية إليه في الغالب عند عجزهم عن معرفة أصل الأبنية. وذكر بعض آخر انه من بناء "طسم". وقد كان لعبد القيس، ولهم حصن أخر يليه اسمه "الصفا" قبل مدينة "هجر". وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له "العين". ويذكر أهل الأخبار إن "بني عبد القيس" لما جاؤوا بها "إياداً"، فأخرجوهم عنها قهراً، وأخذوا مكانهم. وان "كسرى" حبس "تميماً" بهذا الحصن، وفيه فتك "المكعبر" والي "كسرى"، ببني تميم. وعرف الموضع لذلك ب "فج بني تميم".

وقد ورد اسم هذا الحصن في شعر "لبيد بن ربيعة العامري"، إذْ قال: وأعوصن بالدوميّ من رأس حصنه  وانزلن بالأسباب رب المشـقـر

وقد ذكر شارح الديوان إن الشاعر "لبيد" قصد بالدوميّ ملك دومة الجندل. وان المشقر حصن بالبحرين. "قال أبو عمرو" وكان ربَهّ رجلاً من الفرس". وجاء في هامش التحقيق إن "المشقر" قصر بالبحرين بناه معاوية بن الحارث بن معاوية الملك الكندي، وكانت منازلهم ضرية، فانتقل أبوه الحارث إلى الغمر ظ وبنى ابنه المشقر، وقال ابن الأعرابي: المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة، وهي مدينة هجر".

وتقع ديار "عبد القيس" إلى الشمال من ديار "أزد عمان"، وهي تشرف على الخليج، وتمتد نحو الشمال حتى تصل إلى منازل قبائل "بكر بن وائل"، وقد خالطتها قبائل أخرى. وسكنت إلى الغرب من ديار "عبد القيس" قبائل "تميم"، التي تمتد ديارها موازية لديار "بني عبد القيس" الواقعة إلى شرقها حتى تصل إلى ديار "بكر بن وائل" وديار "أسد" التي تؤلف الحدود الشمالية الغربية لها. وأما القبائل النازلة إلى الغرب من ديار تميم، فهي: أسد وهوازن و "غني" و "باهلة"، وأما القبائل النازلة إلى الجنوب من بلاد تميم، فهي "أزد عمان" و "عبد مناة" و "ضَبةّ".

ويخبر من دراسة الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن هجرة القبائل، إن "يبني عبد القيس"، لما جاؤوا إلى البحرين، كانت البلاد إذ ذاك لإياد، فجلت إياد من البحرين ونزحت نحو العراق، فكان ما كان لها من مواقف هناك مع الفرس.

وسبب غدر "المكعبر" ببني تميم، هو وثوبهم على قافلة كانت محملة بالطرف والأموال أرسلها "وهرز" عامل كسرى على اليمن إلى كسرى، فاغتاط "كسرى" من ذلك، وأراد إرسال جيش عليهم، فأخبر إن بلادهم بلاد سوء، قليلة الماء، وأشر إليه إن يرسل إلى عامله بالبحرين إن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة. فلجأ العامل إلى الغدر بهم، فأمر مناديه إن ينادي لا تطلق الميرة إلا لتميم، فأقبل إليه خلق كثير، فأمرهم بدخول المشقر وأخذ الميرة، والخروج من باب آخر، فدخل قوم منها فقتلهم. ثم أجهز على الباقين، وبعث بذراريهم في سفن إلى فارس.

وذكر إن "المكعبر" واسمه "فيروز بن جشيش"، تحصهن ب "الزارة" وانضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف، وامتنعوا عن أداء الجزية، فحاصرها "العلاء" وفتحها في أول خلافة "عمر". وفتح "العلاء" "السابون" و "دارين" في الساحل المقابل من الخليج.

وتميم من القبائل الكبيرة التي كان لها شان عند ظهور الإسلام. وقد سكنت في مواضع متعددة من جزيرة العرب وفي العراق وبادية الشام. وكان من أشرافها عند ظهور الإسلام: عطارد لن حاجب بن زرارة لن عدس التميمي، والأقرع أبن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، وربيعة بن رفيع، وسرة بن عمرو. والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، ومالك بن عمرو، وحنظلة بن دارم، وفراس بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، ورباح بن الحارث. و "سفيان بن الحارث بن مصاد".

وكان "الزبرقان بن بدر" على الرباب وعوف والأبناء، وقيس بن عاصم على "مقاعس" والبطون، و "صفوان بن صفوان" على "بهدى" و "سبرة بن عمرو" على "خضم" من "بني عمرو". و "بهدى" و "خضم" قبيلتان من "بني تميم". و "وكيع بن مالك" و "مالك بن نويرة" على "بني حنظلة" "وكيع" على "بني مالك" و "مالك" على "بني يربوع". ولما وقعت "الردة"، ارتبك موقف زعماء "تميم"، وكانوا متخاصمين غير متفقين فيما بينهم، وبينهم تحاسد وتباغض، منهم من أدى الصدقة ومنهم من امتنع، وتخاصموا فيما بينهم بسبب ذلك. وزاد في ارتباكهم هذا قدوم "سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان" من الجزيرة، وكانت ورهطها في "بني تغلب" تقود أفناء "ربيعة"، ومعها "الهذيل بن عمران" في "بني تغلب" و "عقة بن هلال" في النمر، و "تاد" في إياد، و "السُليل بن قيس" في "شيبان"، وحاروا في امرهم، منهم من انضم إليها ومنهم من خالفها وقاتلها، ثم اتجهت نحو "مسيلمة" باليمامة واتفقت معه، ثم غادرته راجعة إلى قومها،.

ولما امتنع "مالك بن نويرة" عن دفع الصدقة، سار عليه "خالد بن الوليد" إلى "البطاح"، وكان قد فَرقَ قومه، وأمرهم بعدم التعرض والمقاومة، ولكنه قتل. وانتهى بذلك أمر تميمْ.

وكان "الاقرع بن حابس بن عقال" المجاشعي الدارمي في جملة المؤلفة قلوبهم. وهو من سادات تميم. وذكر انه كان على دين المجوس ولقبيلة تميم صلات بملوك الحيرة، وقد كانت "الردافة" اليها. وهي مكانة ودرجة مهمة جداً، لا تعطى إلا للقبائل المتنفذة القوية. ومع ذلك فقد وقعت بينها وبينهم خطوب ومعارك. لما في طبع القبائل من شق عصا الطاعة عند شعورها بوجود وهن في الحكم وبأن في إمكانها الانفراد بنفسها في الحكم. كما كانت لها صلات متينة برجال مكة التجار، ولها معهم أعمال وتجارة وعهود وحبال. لحماية قوافل قريش ولتأمن وصولها سالمة إلى الأماكن التي كانت تقصدها.

ونجد تميماً تحارب "بكر بن وائل" ومن يشد أزرها ويعاونها من "الاساورة" وذلك يوم "الصليب". وفد انتصر "بنو عمرو" وهم من تميم على "بني بكر"، وقتل "طريف" "رأس الاساورة". وقد كانت "بكر بن وائل" من القبائل المؤيدة للساسانيين. وكان الفرس يقومونهم ويجهزونهم، ويشرف على تجهيزهم عاملهم على "عين التمر" وتظهر صلات "تميم" الطيبة بقريش من أخبار أهل الأخبار عن تجارة قريش وعن الطرق التي كان يسلكها تجارهم لوصولهم إلى الاسواق، مثل سوق دومة الجندل والمشقر والأسواق الأخرى. لقد كانت. الطرق المؤدية إلى تلك الأسواق تمر بأرضين هي لأحياء من تميم. ولم تكن هذه الأحياء تتعرض لتجار مكة أو للتجار المتحالفين معهم والذين يتاجرون باسمهم، بأي سَوء. على العكس كانت تحترمهم وتقدم لهم المعونة، لوجود حبال وعهود عقدا ساداتهم مع سادات قريش. ونظراً إلى ما كان من حلف بين "كلب" و "تميم"، فقد صار في وسع تاجر مكة ومن هو في حلفه أو يتاجر بحماية تجار مكة، المرور في منازل "كلب" بأمن وسلام.

ومن ديار تميم "الحزن"، وهو د "بني يربوع". وهو مرتع من مراتع العرب، فيه رياض وقيعان. وقيل هو صقع واسع نجدي بين الكوفة وفيد. وقيل: هو قف غليظ، ومربع من مرابع العرب، بعيد عن المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر. فليس فيها دمن ولا ارواث. وعرف بأنه بلاد بني يربوع. وهناك حزن آخر ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعداً في بلاد نجد. وفيه غلظ وارتفاع. وقد ورد ذكر "الحزن" في شعر للأعشى، حيث يقول: ما روضة من رياض الحزن، معشبة  خضراء جاد عليها مسُبل هـطـل

وذكر انه موضع كانت ترعى فيه إبل الملوك، وهو من ارض "بني أسد".

وكانت قوافل قريش إذا قصدت "دومة الجندل" ،وسلكت السبل التي تمر ب "الحزن"، فإنها تكون آمنة مطمئنة، لأنها تمر ببلاد مضر. ولا يتحرش مضريّ بمضريّ. وكانت إذا عادت وأرادت سلوك مواضع الماء، مرّت بديار كلب، فتكون عندئذ آمنة مطمئنة، لأن لكلب حلفاً مع "تميم" و "تميم" من مضر ولها صلات وعلاقات بمكة. وإذا مرت بحزن أسد، فأنها تكون آمنة كذلك، لأن "بني أسد" من مضر. وإذا دخلت ديار "طيء"، صارت آمنة أيضاً، لأن لطيء حلفاً مع بني أسد.

ويظهر انه قد كانت لتميم صلات بقريش وبمكة تعود إلى أيام سابقة على الإسلام. إذ نجد في روايات أهل الأخبار إن نفراً منهم كانوا يذهبون إلى مكة ومنهم من كان يذهب إليها للاتجار. فقد ذكر إن تميمتاً كان متجره بمكة، وقد اختلف مع "حبرب"، فاعتدى عليه "حرب". فذهب التميمي إلى "بني هاشم" واستجار بهم، فأجاره "الزبير بن عبد المطلب"، رئيس "بني هاشم"،" وذكر إن نفراً من "بني دارم" كانوا في جوار رجل من "بني هاشم". بل يظهر انه قد كان لهذه القبيلة علاقة بمكة نفسها وبسوق عكاظ. وهو سوق مهم تقصده قريش، وكانت تتحكم في شؤونه. فلتميم صلة ب "الإفاضة"، ولها صلة بالحكومة في سوق عكاظ، وقد. ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من حُكام تميم حكموا بعكاظ. وكانت هي وقريش وكنانة، تدير مراسم الحج وتحافظ على شعائره. مما يدل على إنها كانت ذات صلة قديمة بمكة، ولاسيما بعض أحياء منها، مثل "بنو دارم"، الذين ظهروا على اكثر أحياء تميم. ولعل ابتعادها عن مكة وارتحال أحيائها إلى مواطن بعيدة عن مكة، قد باعد فيما بينها وبين قريش، وقلل من صلاتها بهم.

وتتجلى هذه العلافة في تزوجّ قريش من "تميم"، مع ما عرف عن قريش من الامتناع من التزوج من غير قريش. وقد روى أهل الأخبار أسماء جماعة من أشراف مكة، كانت أمهاتهم من "تميم". ونجد في مكة رجالاً من تميم تحالفوا مع رجال من مكة. فصاروا من حلفائهم.

وقيام "تميم" بمهمة "الحكومة" في سوق عكاظ، وب "الإجازة"، يدل على أهمية مركز هذه القبيلة بالنسبة لقريش. وما كانت قريش تعطي "الإجازة" لتميم، لولا ما كان لها من نفوذ ومن علاقات طيبة بقريش. وقد افتخر "بنو تميم"، بالحكومة في "عكاظ" وبالإجازة في الجاهلية وفي الإسلام.

وكان "بنو عبد القيس" من قبائل البحرين المتنفذة. وكانت غالبيتهم على النصرانية، ومنهم كان "الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلي"، الذي قدم في وفد عبد القيس إلى الرسول، فأسلم على يديه. وقد رفض الدخول فيما دخل فيه قومه من الردة عن الإسلام والعودة إلى النصرانية وتأييد "الغرور": المنذر ابن النعمان بن المنذر. وكان في جملة الوفد الذي قسم على الرسول عام الفتح: "عبد الله بن عوف الأشج" و "منقذ بن حيّان"، وهو ابن اخت الأشج، فأسلما وعادا إلى ديارهما.

ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول وجهه إلى "الأكبر بن عبد القيس". ولم يشر إلى المراد من "الأكبر بن عبد القيس".ومما جاء فيه إن "العلاء بن الحضرمي" "أمين رسول الله على بَرّها وبحرها وحاضرها وسراياها وما خرج منها، وأهل البحرين خفراؤه من الضيم وأعوانه على الظالم وأنصاره في الملاحم".

وكان الرسول قد أرسل "العلاء بن الحضرمي" سنة ثمان قبل فتح مكة إلى "المنذر بن ساوي العبدي"، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، فهلك بعد وفاة الرسول بشهر، وارتد بعده أهل البحرين. واجتمعت "ربيعة" بالبحرين وارتدت، وملكوا عليهم "المنذر بن النعمان بن المنذر الغرور"، وكان يعاونه "الغرور بن سويد" أخي النعمان بن المنذر، ويسمى "المنذر بن سويد بن المنذر"، وكان رأس أهل الردة "الحطم بن ضُبيَعْة" أخو بني قيس بن ثعلبة، فجمع من اتبعه من بكر بن وائل، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة، وبعث بعثاً إلى "دارين" وبعث على "جواثي" فحصرهم. وكان قد منى "سويد بن المنذر" بأن يجعله كالنعمان بالحيرة، غير انه فشل وغلب المسلمون أهل الردة، وقتل "الحطم".

وكان "المنذر بن النعمان" يسمى "الغرور"، فلما ظهر المسلمون، قال: لست بالغرور ولكني المغرور، ولحق هو وفُلّ "ربيعة" بالخط، فأتاها "العلاء" ففتحها وقتل المنذر ومن معه. وذكر انه نجا فدخل إلى "المشقر"، ثم لحق بسليمة فقتل معه. وذكر انه قتل "يوم جواثا"، وذكر انه استأمن ثم هرب فلحق فقتل. وقيل انه اسلم.

والمنذر بن ساوى هو رجل عربي من "بني تميم" من "بني دارم" على رأي اكثر أهل الأخبار. وقد ذهب بعضهم إلى انه من "بني عبد القيس". ولكن أكثرهم على انه "المنذر بن ساوى بن الاخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله ابن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي". وكان هو المتولي على البحرين في أيام الرسول.

ونجد في طبقات ابن سعد صورة كتاب أرسله الرسول إلى "المنذر بن ساوى"، يذكر فيه إن رسُل رسول الله قد "حمدوك، وانك مهما تصلح أصلح إليك وأثبتك على عملك وتنصح لله ولرسوله"، كما نجد للرسول كتاباً آخر، يخبر "المنذر" فيه انه قد بعث إليه "قدامة" و "أبا هريرة"، و "فادقع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك". وأرسل كتاباً مثله إلى "العلاء بن الحضرمي" يخبره فيه، انه بعث إلى المنذر بن ساوى من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها. وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور". وكاتب الكتابين أبيّ. وكتب المنذر كتاباً إلى الرسول، جاء فيه: "إني قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه".

وفي طبقات ابن سعد، كتاب من الرسول، ذكر انه أرسله "إلى الهلال صاحب البحرين"، فيه دعوة لهلال إلى الإسلام والى عبادة الله وحده والدخول في الجماعة فان ذلك خير له. ويظهر إن هلالاً هذا كان أحد سادات البحرين في هذا الوقت، وانه كان قد تأخر عن "الجماعة" أي قومه في الدخول في الإسلام، فكتب الرسول له ذلك الكتاب.

وأما "هجر"، فكان عليها عند ظهور الإسلام مرزبان يدعى "سيبخت" وإليه ذهب أيضاً العلاء بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأسلم معه جميع العرب وبعض العجم. وأما أهل الأرض هناك من اليهود والنصارى والمجوس، فقد صالحوا العلاء على الجزية. وهجًرْ سوق من أسواق الجاهلية، يؤمها "بنو محارب" من "عبد القيس". ويظهر من كتاب أمر رسول الله بتدوينه إليه. انه لما أسلم وصدق أرسل إلى رسول الله رسولاً يخبرهً بذلك اسمه "الأقرع"، فكتب إليه الرسول كتاباً حمله إليه الأقرع صاحبه، ويذكر رسوله الله فيه انه علم بما جاء في كتاب "سيبخت" إليه، وانه يحثه ويدعوه إلى القيام بشعائر الإسلام.

وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى إن هجراً كانت قاعدة البحرين، وقال بعض آخر إنها اسم لجميع أرض البحرين. وقد اشتهرت بالتمر، فقيل في المثل" كمُبضع التمر إلى هجر، كما عرفت بأوبئتها، وقد روي إن الخليفة عمر قال: "عجبت لتاجر هجر وراكب البحر"، كأنه أراد ذلك لكثرة وبائها، فعجب من تاجر يذهب لذلك إليها، كما عجب من راكب البحر، لأنه سواء في الخطر. ويظهر إنها كانت كثيرة المياه ذات مستنقعات، لذلك تفشت بها الأوبئة. وذكر الأخباريون إنها عرفت ب "هجر"، نسبة إلى "هجر بنت المكفف"، وكانت من العماليق، أو من العرب المتعربة؛ وكان زوجها: محلم ابن عبد الله صاحب النهر الذي بالبحرين، ويقال له: نهر محلم وهناك عين ماء عرفت بعين هجر وبعين محلم.

وذكر أهل الأخبار إن "ملك هجر"، ولم يشيروا إلى اسمه، كان قد سوّد "زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الخوية"، ووفّده على النبي، وانه كان في جيش "سعد بن أبي وقاص" الذي أرسله إلى العراق، فجعله "سعد" من "أمراء التعبية". ولعلهم قصدوا بذلك المرزبان "سيبخت"، الذي ذهب إليه "العلاء بن الحضرمي" بأمر الرسول ليدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يديه.

ويعرف الساحل المقابل لجزيرة "أوال" من جزر البحرين، ب "السيف" سيف البحر. والسيف في اللغة ساحل البحر. ويليه "الستار": "ستار البحرين".

و "كاظمة" جوّ على سيف البحر، وفيها ركايا كثيرة وماؤها شروب.

وعرفت ب "كاظمة البحور". وقد أكثر الشعراء من ذكرها. وهي موضع مجهول في الوقت الحاضر، يظن إن مكانه على ساحل الجون المقابل لموضع "الجهرة". ويعرف ذلك الموضع ب "دوحة كاظمة".

وكان على الأبلة وما والاها "قيس بن مسعود بن خالد"، فلما علم بما فعله كسرى بملك الحيرة، تفاوض سراً مع بكر، واتفق معها على مساعدتها. فلما انتهت معركة "ذي قار" لم يجرا كسرى إن يلحق به أذى ما هو في أرضه، فعمد إلى الحيلة للانتقام منه، بأن كتب إليه يطلب منه المجيء لرؤيته. فلما ذهب إليه، قبض عليه وحبسه في قصره بالأنبار أو بساباط. وقد عَدّه أهل الأخبار في المعدودين من "أجواد الجاهلية". ذكروا انه كانت له مائة ناقةُ مُعّدة للأضياف إذا نقصت أتمها. وقد مدحه لذلك الشعراء. وعدّ من "ذوي الآكال". وذكر إن كسرى كان قد أطعمه "الأبلة" وثمانين قرية من قراها.

وكان على اليمامة "هوذة بن علي الحنفي"، وكان ملكاً على دين النصرانية، واليه أرسل رسول الله "سليط بن عمرو" "سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري" يدعوه إلى الإسلام. فأرسل "هوذة" وفداً إلى الرسول ليقول له: "إن جعل الأمر له من بعده أسلم، وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ولا كرامة". ثم مات بعد قليل. وذكر انه كان شاعر قومه وخطيبهم، وكانت له مكانة عند العرب.

وذكر انه كان من "قُرّان" من مواضع اليمامة، وأهلها أفصح بنو حنيفة. وانه كان من وجهاء قومه. وقد نسب على هذه الصورة: "هوذة بن عليّ بن ثمامة بن عمرو الحنفي" من بكر بن وائل. وورد إن تميماً كانت قد قتلت والد "هوذة"، وان هوذة كان يكره بني تميم كرهاً شديداً حتى إن كسرى حين سأله عنهم أجابه: "بيني وبينهم حساء الموت، فهم الذين قتلوا أبي". وورد إن كسرى سأل هوذة عن عيشه وعن ماله، فقال: "أعيش عيشة رغيدة، وأغزو المغازي، واحصل على الغنائم". ولكن الظاهر انه لم يكن كفؤاً لبني تميم. وان ملكه لم يتجاوز حدود اليمامة.

وزعم أهل الأخبار إن "كسرى" تَوَجَّهَ إلى اليمامة، أو انه سمع بجوده وكرمه، فاستدعاه إليه، ولما وجد فيه عقلاً وسياسة" ورجاحة رأي توّجه بتاج من تيجانه، ولذا لقب هوذة ب "صاحب التاج"، وأقطعه أموالاً ب "هجر"، وكان نصرانياً. وقيل إن كسرى دعا بعقد من الدُرّ فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة، فمن ثم سُميّ هوذة ذا التاج. وذكر إن سبب استدعاء كسرى له، انه أكرم رجال العير التي حملت الطاف وهدايا وأموال "وهرز" التي أرسلها من اليمن إلى "كسرى"، وكانوا قد انتهُبوا حتى لم يبق عندهم شيء، فصاروا إلى "هوذة"، فأكرم مثواهم وآواهم وكساهم: وزَوّدهم وحماهم، وسار معهم إليه، فأكرمه كسرى على النحو المذكور. وقيل إنه لم يكن صاحب تاج، وإنما كان يضع على رأسه إِكليلا رصعه بأحجار ثمينة كأنه التاج تشبها بالملوك.

ويروي أحل الأخبار إن الشاعر الأعشى قال في حق هوذة: له أكاليل بالياقوت فصّـلـهـا  صوّاغها لا ترى عيبا ولا طبعا 

وذكر انه كان أول معدّيّ لبس التاج، ولم يلبس التاج معديّ غيره.

ويظهر من روايات أهل الأخبار عن يوم الصفقة وعن يوم المشقر، إن نفوذ "هوذة" لم يكن واسعاً بعيداً، بل كان محدوداً بحدود قبيلته، وانه لم يكن في مستوى ملوك الحيرة أو آل غسان، بل كان سيد قومه إِذْ ذاك، حتى انه لما طمع في الجعالة التي كان الفرس يعطونها لمن يتولى خفارة قوافلهم الآتية من اليمن إلى العراق أو الذاهبة من العراق إلى اليمن، ووافق الفرس على إن يعطوه ما أراد، وسار مع القافلة خفيراً لها من "هجر" حتى "نطاع"، وبلغ "بنو سد" ما صنعه "هوذة"، خرجوا عليه وأخذوا ما كان مع الأساورة والقافلة وما معه، وأسروه، حتى اشترى منهم نفسه بثلاثمائة بعير، وقدُ عيرّ في ذلك، وتغنى شاعر "بني سد" بذلك اليوم، الذي سيق فيه هوذة، وهو مقرون اليدين إلى النحر، فلما استلم بنو سعد الإبل المذكورة جاؤوا به إلى اليمامة فأطلقوه.

ويذكر أهل الأخبار إن هوذة سار مع من تبقى من الأساورة وبقية فلول القافلة إلى "كسرى"، ليخبره بما حدث له، وبما فعلت به بنو تميم، ودخل على ملك الفرس فأكرمه، وأمر باسقائه بكأس من ذهب، ثم أعطاه إياه وكساه قباءاً له ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ وقلنسوة قيمتها ثلاثون ألف درهم وحباه ثم عاد إلى بلاده. ولو كان هوذة قد جاء كسرى بخبر انتصار وانقاذ للقافلة جاز لنا أخذ هذا الوصف على محمل الصدق، أما وأن الرواية هي في موضوع هزيمة واندحار، فإن من الصعب،علينا التصديق بها، ولا سيما وان ملوك الفرس كانوا أصحاب غطرسة وكانوا إذا جاءهم أحد بخبر هزيمة قابلوه بالازدراء والتبكيت وبإنزال اللعنات عليه في الغالب. وليس في هذا الموقف ما يدعو إلى اسقاء هوذة بكأس من ذهب.

ويذكر أهل الأخبار إن اليمامة من نجد، وقاعدتها "حجر"، وكانت تسمى "جدا" في الأصل، كما عرفت ب "جو". وذكروا إنها سميت "يمامة" نسبة إلى "اليمامة بنت سهم بن طسم"، وكانت منازل طسم وجديس في هذا المكان. وقد تناولتها الأيدي حتى صارت في أيدي "بني حنيفة" عند ظهور الإسلام في قصص من قصص أهل الأخبار.

واليمامة من الأماكن الخصبة في جزيرة العرب. وبها "وادي حنيفة". وبه مياه ومواضع كانت عامرة ثم خربت، وهي اليوم خراب أو آثار. وقد اشتهرت قراها ومزارعها، وكانت من أهم الأرضين الخاضعة لمملكة كندة. ويظهر إن سيلاً جارفاً أو سيولاً عارمة اكتسحت في الإسلام بعض قراها، فهجرت إذ ترى في هذا اليوم آثار أسس بيوت مبنية من اللبن ومن الطين، يظهر إنها اكتسحت بالسيول وجاءت الرمال فغطتها بغطاء لتستر بقاياها عن رؤية النور. وقد ذكر أهل الأخبار إن اليمامة كانت من "أحسن بلاد الله أرضاً وأكثرها خيراً وشجراً ونخيلاً". وبها مياه كثيرة. وقد عرف أهلها بالنشاط وبالتحضر، وذلك بسبب وجود الماء بها، إذْ أغرى سحر الماء الناس على الإقامة عند مواضع المياه، فنشأت مستوطنات كثيرة. ولا زال أهل اليمامة يعدّون من أنشط سكان المملكة العربية السعودية.

وحدود اليمامة من الشرق البحرين ومن الغرب تنتهي إلى الحجاز، وأما من الشمال فتتصل بواد متصل بالعذيب والضرية والنباج وسائر حدود البصرة وجنوبها بلاد اليمن. هذا على تعريف "ابن رسته". وتبعد "جو" وهي الخضارم من حجر يوماً وليلة. ومن مواضع اليمامة "منفوحة"، وهي قرية مشهورة، كان يسكنها الأعشى، وبها قبره. وهي لبني قيس بن ثعلبة بن عكابة. ومن مواضع اليمامة الأخرى "المعلاة" من قرى "الخرج".

ومن أبرز قبائل اليمامة في أيام الرسول، "بنو حنيفة". و "حنيفة" لقب "أثال بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل". ويذكر أهل، الأخبار، إن "الأحوى بن عوف" المعروف بجذيمة، لقى أثالاً فضربه فحنفه، فلقب حنيفة. وضربه أثال فحذمه جذيمة. فقال جذيمة: فإن تك خنصري بانت فإني  بها حنفَّت حاملتـي أثـال

وقد وفد وفد منهم، فيه "مسيلمة بن حبيب" الذي عرف ب "الكذّاب" لادعائه النبوة، وكان قد طلب من الرسول إن يشركه معه في الأمر. وادعى النبوة، ثم قتل. وكان يسجع السجعات مضاهاة للقرآن. وممن كان في هذا الوفد: "رحال بن عنفوة"، وقد شهد لمسيلمة إن رسول الله أشركه في الأمر فافتن الناس به، و "سلمي بن حنظلة السحيمي" و "طلق بن علي بن قيس" و "حمران بن جابر بن شمر" و "علي بن سنان" و "الأقعس بن مسلمة" و "زيد بن عبد عمرو"، وعلى الوفد "سلمي بن حنظلة".

ويذكر إن "سجاحاً"، وهي "سجاح بنت أوس بن العنبر بن يربوع" التميمية التي تكهنت وادعت النبوة، أتت "مسيلمة الكذّاب"، وهو ب "حجر"، فتزوجته، وجعلت دينها ودينه واحداً. وكان قد اتبعها قوم من "بني تميم" وقوم من أخوالها من "بني تغلب".

ومن "بني حنيفة"، "عُمير" و "قُرين" ابنا "سلمي". وكان "عمير" أوفى العرب، قبل أخاه "قرينا" بقتيل قتله من جيرانه. ومنهم "مجاعة بن مرارة بن سلمي"، وكان رسول الله قد أقطعه "الغورة" و "غرابة" و "الحبل"، ثم أقطعه "أبو بكر" "الخضرمة" ثم أقطعه "عمر" "الرياء"، ثم أقطعه "عثمان" قطيعة أخرى.

ومن رجال اليمامة "محكم بن الطفيل بن سبيع" الذي يقال له "محكم اليمامة"، وقد ارتد وقتل مع من قتل من المرتدين.

ومن قبائل اليمامة: بنو باهلة بن أعصر، وبنو نمير وأحياء من تميم. واستقرت بطون من بكر وعنزة وضبيعة في القسم الشرقي من اليمامة حتى البحرين، واتصلت منازل بطون منها بالعراق. كما كان بها "بنو هزان"، وهم من قطنة اليمامة القدامى: إذْ في أهل الأخبار يرجعون تأريخهم بها إلى أيام طسم، أي إلى أيام العرب العاربة أو العرب البائدة الأولى. والظاهر إن أهل الأخبار قد حاروا في أمر "هزان". فجعلوهم من العرب البائدة ودعاهم الهمداني ب "هزان الأولى"، وجعلوهم من اليمن ونسبوهم إلى "قحطان" وجعلوهم من "معدّ". وهم الذين بقوا في ديارهم اليمامة إلى الإسلام وفي الإسلام. ويظهر من روايات أهل الأخبار، انهم قصدوا قبائل مختلفة لا قبيلة واحدة هي "هزان" التي طلت باقية ولها بقية في اليمامة حتى اليوم. ولكننا نستبعد كون القبائل الثلاث قبيلة واحدة في الأصل. بدليل إن أهل الأخبار يذكرون إن هزان اليمانية الأصل كانت تقيم في اليمامة، وان هزان "معدّ" هم من أهل اليمامة أيضاً، أي إن مواطن القبيلتين واحدة، بل إن منهم من يرجع مواطن هزان الأولى إلى اليمامة كذلك. وهذا ما يحملنا علي القول إن الهزانيين كلهم من قبيلة واحدة، بقيت فروعها في مواطنها القديمة اليمامة حتى اليوم. ولا قيمة لما يرويه أهل الأنساب من سرد نسب كل قبيلة من القبائل الثلاث إلى العرب البائدة أو إلى العرب العاربة أو إلى العرب المستعربة.

والظاهر إن "بني حنيفة" ضغطوا على الهزانيين، فاغتصبوا معظم أرضهم باليمامة، فقل بذلك شأنهم، وصاروا دون "بني حنيفه" في القوة. ومن "بني هزان" تزوج الأعشى، ثم أكرهوه على تطليقها، فطلقها حين ضربوه، وأصروا عليه بلزوم تخليه عنها ففعل، فقال في ذلك شعراً، رواه الرواة. ومنهم نفر أسروا "الحارث بن ظالم المرّيّ"، ولم يكرنوا يعرفونه، وظنوه صعلوكاً، ثم باعوه إلى نفر من القيسيين بزق خمر وشاة، وقيل من بني سعد. ومنهم كان قاتل حيان برت عتبة بن جعفر بن كلاب. وهو المعروف بصاحب الرداع.

ومن مواطن "هزان" العلاة، وهو جبل من جبال اليمامة، وبرك، ونعام، وشهوان، وماوان، والمجازة. ويلاحظ إن أخلاطاً من قبائل أخرى جاورت "بني هزان"، وسكنت معهم. منهم "بنو جرم" و "بنو جشم"، و "الحارث بن لؤي بن غالب بن فهر" من قريش، و "ربيعة" وهم من اليمن.

وأما منازل طيء عند ظهور الإسلام فجبلا طيء: أجأ وسلمى. غير إن هناك بطوناً من طيء كانت قد انتشرت في أماكن أخرى، فنزلت في العراق وفي بلاد الشام وفي أماكن أخرى في جزيرة العرب.

وطيء من القبائل التي كان لها شأن كبير قبل الإسلام. ولعلّها كانت من أشهرها وأعرفها قبيل الميلاد وفي القرون الأولى للميلاد. بدليل إطلاق السريان كلمة "طيايا" على كل العرب، من أي قبيلة كانوا. أي إنها استعملت عندهم بمعنى "عرب"، وأصلها من اسم القبيلة التي نتحدث عنها وهي قبيلة "طيء".

ولم تكن طيء متصافية فيما بينها متحابة، فوقعت بين عشائرها حروب، حتى تداخل "الحارث بن جبلة" الغساني فيما بينها، فأصلح حالها، فلما ترك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة وغوث بموضع تحاربت فيه، قتل فيه قائد بني جديلة، وهو أسبع بن عمرو بن لأم، وأخذ رجل من سنبس أذنيه فخصف بهما نعليه، فعظم ما صنعت الغوث على أوس بن خالد بن لأم، وعزم على لقاء الغوث بنفسه، وحلف ألا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى، وتجبى له أهلها، وكان لم يشهد الحروب المتقدمة، لا هو ولا أحد من رؤساء طيء، كحاتم، وزيد الخيل، وغيرهم من الرؤساء. فلما اقبلت جديلة وعلى رأسها أوس بن حارثة بن لأم، وبلغ الغوث جمع أوسٍ لها، أوقدت ناراً على ذروة أجأ، وذلك في أول يوم توقد فيه النار، فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، ومنهم زيد الخنيل، وحاتم، وتلاحمت بجديلة في يوم اليحاميم ويعرف أيضاً بقارات حوق، الذي انتهى بهزيمة منكرة حلت بجدية، فلم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب، وحالفتهم وأقامت معهم.

وكان سيد طيء في أيام الرسول، "زيد الخيل بن مهلهل الطائي". وهو ممن قدم على الرسول في وفد طيء. وقد قطع له الرسول فيداً وأرضين معه، وكتب له بذلك، ولكنه توفي في موضع يقال له "فردة". من بلاد نجد من حمى علقت به أثناء أقامته بيثرب، فلم يبلغ مكانه. وقد مدحه الرسول وأثنى عليه. و "زيد الخيل" الذي سمّاه الرسول "زيد الخير"، هو من "بني نبهان" من "طيء". وكأن في الوفد رجال آخرون منهم: "وزر بن جابر ابن سدوس" من "بني نبهان"، و "قبيصة بن الأسود بن عامر" من "جرم طيء"، و "مالك بن عبد الله بن خيبري" من "بني معن"، و "قعُين ابن خليف بن جديلة".

ومن "طيء" الرجل الذي ضرب بجدوه المثل، والذي لا زال الناس يذكرون اسمه على انه المثل الأعلى في الكرم، وهو "حاتم الطائي". مقري الضيوف ومغيث الفقراء. فمدحه لجوده الشعراء" عبيد بن الابرص والنابغة الذبياني وبشر ابن أبي حازم وغيرهم. وكان مضربه ملجأ للمحتاجين ولمن يسلك الطريق يريد "الحيرة". ونظراً لجوده وكرمه هابته العرب وصارت له دالة ومكانة عند ملوك الحيرة وعند آل غسان. وذكر انه "إذا أسر اطلق. ومرّ في سفره على عنزة وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير، ولم يحضره فكاكه فاشتراه من العنزيين، وأقام مكانه في القدّ حتى أدي فداؤه.

وقد توفي "حاتم الطائي" قبل الإسلام، وانتقلت رئاسة طيء منه إلى ابنه "عدي بن حاتم طيء"، وكان نصرانياً يسير في قومه بالمرباع، وكان بمثابة الملك فهم، فلما جاءت خيل الرسول سنة تسعٍ بلاد طيء، قرر اللحوق بأهل دينه من النصارى بالشام، ثم ترك الشام ولحق بالمدينة فأسلم وأكرمه الرسول. وعينه الرسول على صدقة طيء وأسد.

وذكر إن "عمرو بن المسبح بن كعب بن عمرو بن عصر بن غنم"، الذي كان أرمى العرب، وهو الذي ذكره "امرؤ القيس" في شعاره وأشار إليه، هو من "طيء"، كان قد أدرك الرسول، ووفد عليه.

وقد وقع بين طيء نزاع أدى إلى وقوع حروب وأيام بينها، ومن بينها يوم عرف ب "يوم اليحاميم". وقد كان "الحارث بن جبلة الغساني" قد اصلح بين قبائلها، فلما هلك عادت إلى حروبها. فالتقت جديلة والغوث، فقيل "أسبع ابن عمرو بن لأم"، وهو من جديلة وقائدها، قتل في موضع يقال له "غرثان"، وأخذ رجل من "سنبس" أذنيه فخصف بهما نعليه، فغضبت "بنو جديلة"، واقسم "أوس بن خالد بن لأم" على الانتقام من "الغوث" ومنهم "بنو سنبس"، وأخذ في حشد قومه "جديلة"، وبلغ الغوث ذلك، فأوقدت النار على "اجأ"، فأقبلت قبائل الغوث، وعلى رأسها ساداتها ومنهم "زيد الخيل" و "حاتم الطائي"، ووقع القتال بين جديلة والغوث في موضع يقال له "قارات حوق"، فانهزمت جديلة، وقتل فيها ابرح القتل، حتى لم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب وحالفوا كلباً وأقاموا معهم. وعرف هذا اليوم ب "يوم اليحاميم".

وكتب الرسول كتباً إلى جماعة من "طيء". منهم "بنو معاوية بن جرول و "عامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي"، وجماعة من "بتي جوين"، و "لبني معن" الطائيين.

وتقع إلى الشرق من ديار "طيء" منازل "أسد". والى الشمال من ديار أسد منازل "بكر"، وإما إلى الجنوب من منازل "أسد" فديار "هوازن" و "غطفان". وتتاخم ديار أسد من الشرق قبائل "عبد القيس" و "تميم".

ولما أخذت الوفود تترى على المدينة لمبايعة الرسول والدخول في الإسلام، كان وفد "أسد" في جملة الوفود التي بايعت الرسول ودخلت في الإسلام، وذلك سنة تسع للهجرة. وكان فيه "حضرمي بن عامر" و "ضرار بن الأزور" و "وابصة ابن معبد" و"قتادة بن القايف" و "سلمة بن حبيش" و "طلحة بن خويلد" و "نقادة بن عبد الله بن خلف"، ومعهم قوم من "بني الزنية" وهم من "مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن اسد".

وكتب رسول الله كتاباً إلى "بني أسد" كتبه له "خالد بن سعيد"، ورد فيه: "الا يقربن مياه طيء وأرضهم فانه لا تحل لهم مياههم ولا يلجن أرضهم من اولجوا. وأمر عليهم "قضاعي بن عمرو" وهو من "بني عذر"، بأن جعله عاملا عليهم. وكتب الرسول إلى "حصين بن نضلة الأسدي" "إن له اراما وكسة، لا يحاقه فيها احد".

ومن ديار "بني أسد بن خزيمة"، "قطن"، وهو جبل بناحية "فيد" به ماء. وأمر الرسول "ابا سلمة بن عبد الأسد المخزومي" بغزوه، لما بلغه إن "طليحة" و "سلمة" ابني "خويلد" قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب الرسول، فذهب إلى "قطن"، ثم عاد، ومعه إبلٌ وشاء.

وتقع إلى الشمال الغربي من ديار "طيء"، ديار "بكر"، وهى "بكر ابن وائل". وهي قبائل ضخمة ذات فروع عديدة، سكنت في مواضع عديدة أخرى غير هذه المواضع.

وذكر في خبر فتوح السواد، إن "المثنى بن حارثة الشيباني" كان يغير على السواد، فبلغ "أبا بكر" خبره، فسأل عنه، فقال له قيس بن عاصم بن سنان المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، وأثنى عليه. ثم إن المثنى قدم على "أبي بكر"، فقال له: يا خليفة رسول الله، استعملني على من اسلم من قومي اقاتل هذه الأعاجم من أهل فارس، فكتب له أبو بكر في ذلك عهداً، فسار حتى نزل "خفان" ودعا فيه إلى الإسلام فأسلموا. ثم إن ابا بكر أمر "خالد بن الوليد" بالمسير إلى العراق، وكتب إلى "المثنى بن حارثة" يأمره بالسمع والطاعة له وتلقيه. وكان "مذعور بن عدي العجلي"، قد كتب إلى أبي بكر يعلمه حاله وحال قومه ويسأله توليته قتال الفرس، فكتب إليه يأمره إن ينضم إلى خالد ويسمع له بالطاعة.

و "خفان" مأسدة وموضع أشبّ الغياض كثير الأسد، أو اجمة قرب "الكوفة".

ونجد في موارد أخرى إن "المثنى بن حارثة الشيباني" و "سويد بن قطبة العجلي"، وكلاهما من "بكر بن وائل" كانا يغيران على الدهاقين، فيأخذان ما قدرا عليه. فإذا ُطلبا أمعنا في البَرّ فلا يتبعهما أحد، وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة، و "سويد" من ناحية "الأبلة". فكتب إلى "أبي بكر"، يعلمه ضراوته بفارس ويعرفه وهنهم، ويسأله إن يمدّه بجيش، فكتب إليه "أبو بكر" يخبره انه مرسل إليه "خالد بن الوليد" وان يكون في طاعته، فكره "المثنى" ورود خالد عليه، وكان ظن إن أبا بكر سيوليه الأمر، ولكنه لم يتمكن إن يفعل شيئاً فانضم إلى خالد.

ومن "بني عجل" "فرات بن حيان للعجلي"، كان دليل "أبي سفيان" إلى الشام. وذلك إن قريشاً خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام حين وقعة "بدر"، فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج بهم دليلهم "فرات"، في السنة الثالثة من الهجرة، ومعه أبو سفيان وصفوان بن امية، وحويطب بن عبد العُزّى، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهم مال كثير، فيه فضة كثيرة، وهي اعظم تجارتهم، فلما بلغوا موضع "القردة"، وكان "فرات" قد سلك بهم على ذات عرق، اعترض "زيد بن حارثة" القافلة، وكان الرسول قد أرسله للتحرش بها، يوم بلغه أمر القافلة، فهرب أعيانها واستولى زيد على العير، وجاء بها إلى الرسول. وأسر فرات، فأسلم.

ويذكر أهل الأخبار إن قبائل مضر كانت تنزع إلى العراق، وكان أهل اليمن ينزعون إلى الشام. وانه لم يكن أحد من العرب اجرأ على فارس من ربيعة وقد قيل لها لذلك: ربيعة الأسد، وكانت العرب في جاهليتها تسمى: فارسُ الأسد.

وقد قدم وفد من "بكر بن وائل" على الرسول، فيه "بشير بن الخصاصية" و "عبد الله بن مرثد"، و "حسان بن حوط، "خوط"، فأسلموا وعادوا إلى ديارهم وذهب "حريث بن حسان الشيباني" في وفد من "بكر بن وائل" إلى الرسول، فأسلم على يديه. وذكر إن "عبد الله بن اسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس"، قدم مع الوفد المذكور، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة واستقر بالمدينة.

وذكر إن رسول الله كتب كتاباً إلى "بكر بن وائل"، فما وجدوا رجلاً يقرؤه حتى جاءهم رجل من "بني صبيعة بن ربيعة" فقرأه. وكان الذي أتاهم بكتاب رسول الل: "ظبيان بن مرثد السدوسي".

وخرج "خالد" إلى العراق، فمرّ ب "فيد" و "الثعلبية" وأماكن أخرى منها "العذيب" و "خفان"، ثم سار قاصداً "الحيرة" وهي اهم موضع للعرب في العراق. فخرج إليه ساداتها في هذا الوقت" "عبد المسيح بن عمرو ابن قيس بن حيّان بن بقيلة"، وهو من الأزد، وصاحب القصر الذي يقال له: "قصر بني بقيلة" بالحيرة. وهو من "بني سبين". وكان من المعمرين. و "هانىء بن قبيصة بن مسعود الشيباني"، ويقال "فروة بن اياس". وكان "اياس" عامل كسري ابرويز على الحيرة، بعد النعمان بن المنذر، و "عدي ابن عدي بن زيد العبادي"، وأخوه "عمرو بن عدي"، و "عمرو بن عبد المسيح" و"حيرى بن أكّال"، وهم نقباء أهل الحيرة. فصالحوه على دفع الجزية وعلى إن يكونوا عيوناً للمسلمين على أهل فارس.

وفيد موضع مهم بطريق مكة في نصفها من الكوفة، به حصن عليه باب حديد، وعليه سور دائر. كان الناس يودعون فيه فواصل ازوادهم وما ثقل من أمتعتهم إلى حين رجوعهم. وذكر إن فيداً فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية. فلما قدم "زيد الخيل" الفارس المشهور على رسول الله اقطعه فيداً. وذكر أهل الأخبار، إن فيداً، إنما سميت فيد بفيد بن حسام أول من نزلها. والظاهر إنها من المواضع القديمة وقد ورد اسمها في الشعر الجاهلي والإسلامي.

و "العذيب"، اذ ذاك مسلحة كانت للفرس على طريق البادية، ومن القادسية التي تبعد عن الكوفة "15" ميلاّ إلى العذيب "6" اميال، ويؤدي الطريق من العذيب إلى البرية. وكان لبني تميم. وذكر أهل الأخبار إن "محلم بن سويط الضبي" أخا بني صباع، قاد الرباب كلها. وهو الرئيس الأول: أول من سار في ارض مضر برئاسة، وغزا العراق وبه كسرى حتى بلغ العذيب. فجعلت الإبل تتهيب خرير الماء. ويظهر من شعر لبعض الضبين إن العذيب كان احساءاً، يخرج الماء فيه من باطن الأرض ويندفع مكوّناً خريراً"، لذلك هابته الإبل، فكانت تتخوف من الشرب منه. وبعد العذيب، نهاية حدّ نجد في الشمال.

ويذكر "ابن رسته" إن "البطانية"، هو "قبر العبادي"، وسمّاه بعضهم "بطان". وذكر "اليعقوبي" إن هذا الموضع من ديار "بني أسد". وكان للثعلبية شأن يذكر، فقد ذكر إنها كانت موضعاً معروفاً، بل ذكر إنها مدينة عامرة عليها سور وفيها حمامات وسوق، وهي على ثلث الطريق القادم من بغداد إلى مكة. وقد صار لها شاًن في صدر الإسلام فما بعد، لأنها تقع على طريق التجارة والحاج. وهي على جادة مكة من الكوفة، ومن منازل أسد ابن خزيمة.

وكان أهل الحرة قد تحصنوا بقصورهم: في القصر الأبيض، وهو قصر "النعمان بن المنذر" وقصر ابن بقيلة، قصر العدسيين، والعدسيون من "كلب" نسبوا إلى امهم، وهي كلبية أيضاًء. وذكر انه كان في طرف الحيرة، لبني عمار بن عبد المسيح بن قيس بن حرملة بن علقمة بن عدس الكلبي، نسبوا إلى جدتهم "عدسة بنت مالك بن عوف الكلبي"، وهي "أم الرماح" و "المشط" ابني عامر المذمم.

وعدة قصور الحيرة ثلاثة على ما ورد في بعض الروايات. وهي عدة الحيرة وملاجئها أيام الخطر، فإذا سقطت، سقطت الحيرة، لأنها هي المكونة لها. وقد صالحت "خالد بن الوليد" لما وجدته إن ليس في استطاعتها الصمود أمام المسلمين. ولم يكن لها على ما يظهر من روايات أهل الأخبار سور.

ومن مواضع الحيرة، "ربيعة بني مازن"، لقوم من الأزد من بني عمرو ابن مازن من الأزد، وهم من غسان. و "دير هند"، لأم "عمرو بن هند بن ماء السماء"، و "ربيعة بني عدي بن الذميل" من لخم.

وقد هدمت قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر واستخدمت حجارتها وأنقاضها لبناء المسجد الجامع بالكوفة ولأبنية اخرى، وقد عوض أصحاب القصور عنها. وفقاً لما جاء في "قراطيس هدم قصور الحيرة". وقد هدم بعض الخلفاء العباسيين قصور الحيرة وأزالوا بذلك من معالمها. منهم? الخليفة "أبو جعفر المنصور"، فقد هدم "الزوراء"، وهي دار بناها النعمان بن المنذر على ما يذكره أهل الأخبار.

وذكر "اليعقوبي" إن الحيرة "هي منازل آل بقيلة وغيرهم"، وان عليةّ أهل الحيرة نصارى، منهم من قبائل العرب من بني تميم ومن "سليم" ومن "طيء" وغيرهم. وان "الخورنق" بالقرب منها مما يلي المشرق، وبينه وبين الحيرة ثلاثة أميال، والسدير في برية.

وكان الفرس يستعينون بعرب الحيرة في أمر الترجمة فيما بينهم وبين العرب. ومن هؤلاء أسرة "عدي بن زيد العبادي" على نحو ما ذكرت. وترجمان كان يترجم ل "رستم" اسمه "عبود". وكان عربياً من أهل الحيرة. كما استخدم المسلمون تراجمة، ليترجموا ما كان يدور بينهم وبين الفرس من حوار، أو بينهم وبن من يقبضون عليه من أسرى الفرس، من هؤلاء رجل اسمه "هلال الهجري". واستخدموا كتبة لكتابة الكتب والأخبار، ذكروا منهم "زياد بن أبي سفيان.

لا وقد استعان الفرس ببعض "آل لخم" لمحاربة العرب ولاشغالهم، في معارك صغيرة، من هؤلاء "قابوس بن قابوس بن المنذر"، وقد كلفه "الآزاذبة مرد بن الآزاذبة" بالذهاب إلى "القادسية" لأشغال المسلمين، وأن يكون للفرس كما كان آباؤه قبله من النضر والعون، فنزل القادسية، وكاتب بكر بن وائل، بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به، فلما بلغ خبره المسلمون حاصروه.

والقادسية موضع مهم جداً من الوجهة العسكرية، وقد قال عنه الخليفة "عمر" في كتابه الذي وجهه إلى "سعد" بأنه "باب فارس" وأجمع أبوابهم لمادتهم. وقد وضعوا ما بعده الحصون والقناطر والأنهار لحماية مواقعهم من وقوعها في أيدي من قد يأتي إليهم من البادية. وأهله من العرب، وكان الفرس قد أقاموا فيه مسالح عبثت بجنود من فارس، للدفاع عن خطوطهم الأمامية، ولمشاغلة الغزاة إلى حين وصول المدد الكبير.

وممن ساعد الفرس ودافع عنهم "النعمان بن قبيصة" ظ وهو ابن "حية الطائي" ابن عم "قبيصة بن اياس بن حيةّ الطائي" صاحب الحيرة، وكان مرابطاً في قصر "بني مقاتل"، وكان منظرة له. وقد قتله "سعد بن عبد الله بن سنان الأسدي" لما سمعه يستخف بقريش وبالقريشيين. فلما سأل عن "سعد بن أبي وقاص"، وقيل له انه من قريش، قال: "إما إذا كان قرشياً فليس بشيء، والته لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيراً، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير".

ونجد في "فتوح الشام" للواقدي، خبراً مفاده إن "سعد بن أبي وقاص" لما وجهه الخليفة "عمر" إلى العراق قدم ارض "الرحبة"، فاتصلت الأخبار ب "اليعمور بن ميسرة العبسي"، فكتب إلى كسرى يخبره بمجيئه إلى هذا المكان، وان "سداً" لما ارتحل من "الرحبة" إلى "الحيرة البيضاء" في ثلاثين ألفاً من بجيلة والنخع وشيبان وربيعة واخلاط العرب، وجد هناك جيش "النعمان بن المنذر"، وقد ضرب خيامه والسرادقات إلى ظاهرها، وهو في ثمانين ألفاً من جميع عرب العراق، فكتب "النعمان" إلى "كسرى" بمجيئهم وحَثَّ عربه على الصمود وعلى مقاومة سعد قائلاً لهم: "إن هؤلاء عرب وأنتم عرب وهلاك كل شيء من جنسه" "وليس لأصحاب محمد فخر يفتخرون به علينا، ولكن نحن لنا الفخر عليهم. وهم يزعمون إن الله بعث فيهم نبياً وأنزل عليهم كتاباً يقال له القرآن،، ونحن لنا الإنجيل وعيسى بن مريم، وجميع الحوارين، ولنا المدبح، ولنا القسوس والرهبان والشمامسة، وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث، فاثبتوا عند اللقاء وكونوا عند ظن الملك كسرى بكم". ويذكر رواة هذا الخبر إن عم "النعمان بن المنذر"، وكان صاحب حرسه، دخل إليه وقال له" إن أعداءنا قد أنفذوا إلينا رسولاّ، فأمر بإدخاله عليه، وكان الرسول "سعد بن أبي عبيد القاري"، فلما وقف بين يدي النعمان صاح به الحجاب والغلمان: قَبّل الأرض للملك فلم يلتفت إليهم، وقال: إن الله أمرنا إن لا يسجد بعضنا لبعض. ولعمري إن هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل إن يبعث الله نبيه محمداً، فلما بعث جعل تحيته السلام، وكذا كانت الأنبياء من قبله. وأما السلام، فهو من أسماء الله تعالى، وأما تحيتكم هذه، فهي تحية جبابرة الملوك. فقال النعمان" لسنا من الجبابرة، بل نحن أجلّ منكم، لأنكم توحدون في دينكم وتقولون إن الله واحد وتوحدون ولده عيسى بن مريم". ويذكرون إن "سعداً" جادل "النعمان" في طبيعة "المسيح"، فأعجب بكلامه. ثم كلمه في الإسلام أو دفع الجزية، فغضب "النعمان"، وقال له: "لا ويح قومك، فليس عندنا جواب إلا السيف".

وتقدمت جيوش المسلمين حتى التحمت بجيش "النعمان" بظاهر الحيرة، وان "القعقاع بن عمرو التميمي" أو "بشر بن ربيعة التميمي"، أحدهما التقى بالنعمان في كبكبة من الخيل والازدهارات على رأسه، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة ففرقها، وعلى الكتيبة فَمزَّقها وعلى النعمان بطعنة في صدره فقتل. فلما نظرت جيوش الحيرة إلى الملك النعمان مجندلا ولوا الأدبار يريدون القادسية نحو جيش الفرس. وأخذ المسلمون أسرى وغنائم، واحتوى "سعد" على قصر الخورنق والسدير، وترك جميع ما أخذه بالحيرة. وتحرك نحو القادسية. وكانت أخبار هزيمة النعمان قد وصلت الفرس وهم بالقادسية، وقد وصلت إليهم الفلول المنهزمة من جيش النعمان، فوقع التشويش في عسكر الفرس، وخارت قواهم، مما أدى إلى انتصار المسلمين عليهم في هذا المكان.

ولا نجد هذا الخبر في أيّ مورد آخر من موارد أهل الأخبار، فقد نصت جميع الموارد الأخرى على إن النعمان كان قد لقي مصرعه على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على مملكة الحيرة. فلعل "النعمان" هذا هو أحد أبناء "آل لخم"، واستعان به الفرس للدفاع عن الحيرة ومنوّه في مقابل مساعدته لهم بالملك، كما استعانوا ب "قابوس بن قابوس". وقد يكون خبره من صنع أهل الأخبار، اقتحموا اسمه إقحاماً، وما فطنوا إلى انه كان قد توفي قبل هذا الوقت بسنين، على كل ففي الخبر كلام منمق وحوار وجدل ينبئك لونه إن فيه تكلفاً وصنعة، وان الخبر قد وضع وضعه أناس، لغايات لا مجال للبحث عنها في هذا المكان. وسار "خالد" من "الحيرة" إلى الأنبار، فحاصرها، وكان أصحاب النعمان وصنائعه يعطون أرزاقهم منها، ثم صالحهم، ثم أتى "خالد" سد مواقع أخرى "عين التمر".

وكان على رأس العرب الذين عاونوا الفرس وانحازوا إليهم" "عقة بن أبي عقة" و "هلال بن عقة بن قيس بن البشر" الثمري، على النمر بن قاسط بعين التمر، و "عمرو بن الصعق" و "بجير" أحد بني عتبة بن سعد بن زهر، والهذيل بن عمران، وسهم رجال من قبائلهم. ولكنهم لم يتمكنوا من الوقوف أمام "خالد بن الوليد"، إذْ انهزم جندهم، وأسرَ "عقة" و "عمرو بن الصق"، وكان "عقة" خفير القوم، وسقط حصن عين التمر في الإسلام. وورد في خبر آخر إن "خالد" قتل "هلال بن عقة" "هلال بن عقبة"، وصلبه. وكان من "النصر بن قاسط"، وكان خفيراً بعين التمرْ.

وتعرف "عين التمر" ب "شفاثا" "شفاثى" وب "عين شفته"، وقد اشتهرت بالقسب والتمر، وكانت تصدرهما إلى البادية والى أماكن أخرى، ويقصدها الأعراب للأمتيار. وبها حصن يتحصن به وعين ماء. ولما اقترب المسلمون منها، كان بها "مهران بن بهرام جوبين" في جمع عظيم من الفرس للدفاع عنها ومعه جمع عظيم من النمر وتغلب وأياد ومن لآفهّم، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وفر الفرس. وكان بعين التمر مسلحة لأهل فارس.

وقد وجد "خالد" في كنيسة "عين التمر" جماعة سباهم، ووجد أولاداً كانوا يتعلمون الكتابة في الكنيسة، وقد اشتهر وعرف عدد من هؤلاء الذين سبوا، واشتهر أولادهم أيضاً. وقد كان من هؤلاء من كان من "بني النمر ابن قاسط" النازلين بعين التمر.

وكانت قُريّات السواد وهي: بانقيا وباروسما وألّيس خليط من العرب ومن النبط وسواد العراق، وقد صالح أهلها "خالد بن الوليد" حينما ظهر أمامها، صالحوه على الجزية، وكان الذي صالحه عليها "ابن صلوبا السوادي" المعروف ب "بصبرى بن صلوبا"، ومنزله بشاطئ الفرات. وقد ورد في كتاب الصلح الذي أعطاه "خالد بن الوليد" له، "وقد أعطيتَ عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتك-بانقيا وباروسما-ألف درهم".

وذكر "البلاذري" إن الخليفة "عمر" وَجًّهَ "أبا عبيدة الثقفي" إلى العراق، فلما وصل إلى هناك، وهزم "جابان" بالعذيب، ثم هزم الفرس في معارك أخرى، حتى بلغ "باروسما"، صالحه "ابن الأنذر زعر" "ابن الأندر زعر" عن كل رأس على أربعة دراهم. ولم يشر إلى الصلة التي كانت بين "ابن صلوبا" و "ابن الأنذر". انه كان ينزل بها. وان اليهود كانوا يدفنون موتاهم بها. ويذكرون إنها ارض بالنجف دون الكوفة، وان سكانها كانوا على النصرانية عند ظهور الإسلام. وان الساسانيين كانوا هم الذين يدافعون عنها ويتولون أمر إدارتها، أما شؤونها المحلية فكان أمرها بيد ساداتها ورؤسائها.

وكانت عشائر "إياد" من العشائر التي نزحت إلى العراق قبل الإسلام بوقت طويل. نزل بعضهم ب"عين أباّغ" ج نزل بعض منهم بسنداد. فأمروا هناك، وكثروا، واتخذوا بسنداد بيتاً ذا شرفات تعبَدّوا له. ثم انتشروا، وغلبوا على ما يلي الحيرة. وصار لهم "الخورنق" و "السدير". فلهم "أقساس مالك". وهو مالك بن تيسر بن زهر بن إياد. ولهم دير الأعور، ودير السواء، ودير قرة، ودير الجماجم. وإنماُ سميّ دير الجماجم لأنه كان بين إياد وبهراء القين حرب، فقتل فيها من إياد خلق، فلما انقضت الحرب، دفنوا قتلاهم عند الدير. فكان الناس بعد ذلك يحفرون فتظهر جماجم. فسمي دير الجماجم. وقيل غير ذلك، مما لا مجال لذكره في هذا الموضع.

وكانت إياد تغير على السواد وتفسد. فجعل "سابور" ذو الأكتاب مسالح بالأنبار وعين التمر وغير. هاتين الناحيتين. لحماية الحدود منهم. ثم إن إياداً أغارت على السواد في ملك كسرى أنوشروان، فوجه اليهم جيوشاً كثيفة. فخرجوا هاربين، واتبعوا، فغرق منهم بشر، وأتى فُلُّهم "بني تغلب"، فأقاموا معهم على النصرانية، فأساءت "بني تغلب" جوارهم، فصار قوم منهم إلى الحيرة، ودخل منهم في جند ملوك الحيرة، ولحقُ جلّهم بغساّن بالشام. فلما جاء الإسلام دخل بعضهم بلاد الروم، ودخل منهم قوم في خثعم وفي تنوخ وفي قبائل أخرى.

ويقال إن مواطن إياد قبل نزوحها إلى العراق، كانت بالبحرين، واجتمعت عبد القيس والأزد على إياد، فاخرجوا عن الدار فأتت العراق.

وقد وصف "ابن قتيبة" إياداً على هذا النحو: "وكانت إياد أكثر نزار عدداً وأحسنهم وجوهاً وأمدهم وأشدهم، وأمنعهم. وكانوا لقاحاً لا يؤدون خرجاً. وهم أول معدّي خرج من تهامة، ونزلوا السواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق". فاصطدموا بالساسانيين لأنهم أغاروا على أموال فأخذوها، فهزموهم إلى الجزيرة، ووجه إليهم "كسرى" ستين ألفاً فكتب إليهم "لقيط" ينبههم. وانتصر عليهم كسرى، وانقسموا ثلاث فرق. فرقة لحقت بالشام، وفرقة أقامت بالجزيرة، وفرقة رجعت إلى السواد.

ولما سار "خالد" من "عين التمر" أتى "صندوداء" وبها قوم من كندة وإياد والعجم. وتركها واتجه نحو جمع من "تغلب" كانوا ب "المضيح"و "الحصيد" مرتدين صليهم، "ربيعة بن بجير"، فأتاهم فقاتلوه فهزمهم. ثم أغار "خالد" على "قراقر"، وهو ماء لكلب، ثم فوَّز منه إلى "سوى"، وهو ماء لكلب أيضاً. ومعهم فجه قوم من "بهراء"، فقتل "حرقوص بن النعمان البهراني"؛ من "قضاعة". وكان المسلمون لما انتهوا إلى "سوى" وجدوا "حرقوصاً" وجماعة معه يشربون ويتغنون فهجموا عليهم وقَتلوا "حرقوصاً". وخرج خالد من "سوى" إلى "الكواثل"، ثم أتى "قرقيسيا" وانحاز إلى البرّ، وأتى "أركه "أرك"، فأغار على أهلها، وفتحها، وسار منها نحو "دومة الجندل".

وذكر "ابن سعد" إن الرسول كتب إلى "نفاثة بن فروة بن الدئلي ملك السماوة"، ولم يشير إلى موضع ملكه من بادية السماوة ومقداره في البادية.

وكانت "دومة الجندل" عند ظهور الإسلام في ملك "أكيدر بن عبد الملك الكنِدي السكوني". والسكون من كندة، فهو كنديَ النسب أيضاً. وكان يتنقل في البادية فيصل إلى الحيرة والى أرض الغساسنة، ويقال إنه ملك "دومة الحيرة" ونزل بها قبل جلائه عن "دومة الجندل" أو بعده على رأي أهل الأخبار. وكان مثل أكثر رؤساء القبائل في العراق وفي البادية وبلاد الشام على النصرانية، وله عقود ومعاهدات مع القبائل العربية الشمالية الضاربة في البادية، تأتي إلى مقره في الموسم أيام افتتاح السوق لتمتار ولبيع ما تحمله من تجارات.

وكان لأكيدر بن عبد الملك أخ اسمه "بشر بن عبد الملك"، يذكر أهل الأخبار انه ذهب إلى الحيرة، وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج "الصّهباء بنت حرب" أخت أبي سفيان.

وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى دومة الجندل ليفتحها، فسار خالد على رأس خيل إلى "دومة"، فلما بلغها وجد الأكيدر خارج حصنه يصطاد مع نفر من قومه فيهم أخ له يقال له: حسان، فهجم رجال خالد على الأكيدر وأسروه، وقتل حسان، وأخذ خالد قباء "أكيدر" وكان من ديباج مخوص بالذهب، وبعث به إلى الرسول ليقف عليه المسلمون، فلما رأوه عجبوا منه وجعلوا "يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله" أتعجبون من هذا. فوالذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا". وقد زاد عجبهم حين وصل خالد ومعه أسيره "أكيدر"، فحقن له دمه، وصالحه الرسول على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته.

ويذكر الرواة إن الرسول استقبل خالداً ومعه أسيره "الأكيدر" في المدينة، فعرض الرسول الإسلام على الأكيدر، فقبله وحقن الرسول دمه وكتب له كتاباً، وعاد إلى "دومة". فلما قبض النبي منع الصدقة وارتد إلى النصرانية ديانته الأولى. وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء على مقربة من "عين التمر" سمّاه "دومة" أو "عومة الجندل" على اسم موضعه، وسكن هناك. ثم عاد إلى "دومة الجندل"، وتحصهن بها، فأمر "أبو بكر" خالد بن الوليد بالتوجه إليهم فسار إليه وقتله. أما أخوه "حريث بن عبد الملك" فقد أسلم، وحقن دمه. وقد تزوج "يزيد بن معاوية" إبنة له.

وتذكر رواية أخرى إن "الأكيدر" بعد إن نقض الصلح وعاد إلى نصرانيته، أجلاه "عمر" من "دومة" فيمن أجلى من مخالفي الإسلام إلى الحيرة، فأقام في موضع قرب "عين التمر"، ابتناه فسمّاه "دومة" وقيل "دوماء" باسم حصنه. وهي رواية. لا تتفق مع المشهور بين أهل الأخبار من إن خالداً قتل "الأكيدر" في السنة الثانية عشرة أو السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وذلك في أيام "أبي بكر" بعد إن أمره ا الخليفة بالتوجه إليه. وهي رواية أقوى من الرواية المتقدمة في نظر المؤرخين.

ويظهر إن أهل "دومة الجندل" كانوا قد سمعوا بخبر مسير "خالد إليهم، فأرسلوا إلى حلفائهم وأحزابهم من بهراء وكلب وغسان وقبائل تنوخ والضجاعم ليساعدوهم في الوقوف أمامه. فأتاهم "وديعة" في "كلب" وبهراء، وسانده "رومانس بن وبرة بن رومانس" الكلبي، وجاءهم "ابن الحدرجان" في الضجاعم، و "جبلة بات الأيهم" في طوائف من غسان وتنوخ. وكذلك "الجودي بن ربيعة الغساني". وكان من المتزعمين في "دومة"، وقد احتمى أهل "دومة" بحصنهم وخلف أسوار المدينة، والتفت حول السور من الخارج نصارى العرب الذين جاؤوا لمساعدة أهلها. وقد تمكن "خالد" يساعده "عياض" من التغلب على أهل المدينة وحلفائهم، وقتل رؤساءهم، ودخل المدينة منتصراً، فغنم جيشه غنائم كثيرة وقُتِلَ من أهلها خلق كثير. وسبي ابنة "الجوديّ". وكان الأكيدر في جملة القتلى.

وكان الرسول قد غزا "دومة الجندل" بنفسه، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الخامسة من الهجرة، وبلغها، ولم يلق كيداً. كان سبب غزوه لها، إن رسول الله أراد إن يدنو إلى أراضي الشام، لأن ذلك مما يفزع الروم، ثم أن أهل دومة الجندل كانوا يظلمون من يمر بهم وبنزل عندهم، ومن يحل بسوقهم للبيع والشراء، وقد كان الناس يذهبون إليها ويعودون إلى المدينة، فقرر غزوها، فلما وصل الرسول كان أهلها قد فَرّوا وتركوا قريتهم، فنزل بها ولم يجد احداً، فرجع عنها، وذلك قبل غزو خالد لهما.

وورد في سبب غزو الرسول لها، إن جمعاً من قضاعة ومن غسان تجمعوا، وهمّوا بغزو الحجاز. فسار في ألفٍ انتخبهم، فلما انتهى إلى موضعهم ألفاهم قد تفرقوا أو هربوا، لم يلق كيداً.

وفي هذه الغزوة وادع رسول الله "عيينة بن حصن" على إن يرعى ب "تغلمين" وما والاه إلى "المراض".

ويفهم من حديث بعض أهل الأخبار عن "دومة الجندل"، إنها كانت قرية عادية، إلا إن الدهر كان قد لعب بها، فخربت وقلّ عدد من كان بها، إلى إن نزل بها "أكيدر"، فأعاد إليها رواءها، وغرس الزيتون بها، فتوافد إليها الأعراب. ويذكر هؤلاء إن "أكيدر"، كان ينزل مع اخوته قبل مجيئه إلى "دومة" "دومةَ الحيرة"، ولما جاء يزور أخواله من "كلب" و نزل بخرائب "دومة الجندل" أعجبته فنزل بها، وأمر باعادة بناء ما تهدم من حائطها وببعث الحياة بها حتى صارت قرية عامرة يقصدها الأعراب للبيع والشراء. وصار "اكيدر" يتردد بينها وبين "دومة الحيرة".

ويحمي "دومة" سور قديم، بني قبل "اكيدر" في زمان لا يحيط علم أهل الأخبار به. يقولون انه بُني من "الجندل"، وانه هو الذي جعل الناس يسمون الموضع ب "دومة الجندل". ويذكرون انه كان في دخل السور حصن منبع يقال له "مارد"، وهو حصن "اكيدر بن عبد الملك بن الحي بن أعيا ابن الحارث بن معاوية بن خلاده بن ابامه بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن اشرس بن شور بن عفير، وهو كندة" فهو سكوني كندي.

وحصن "مارد"، حصن شهير له ذكر بين أعراب الشمال بُني قبل أيام "اكيدر". قال عنه بعض أهل الأخبار انه حصن عادي، أي من الحصون الجاهلية القديمة. وقد رأينا فيما سلف إن "دومة" من المواضع المعروفة التي يعود عهدها إلى ما قبل الميلاد. وذكر أهل الأخبار، إن سكانها كانوا أصحاب نخل وزرع، يسقون على النواضح، وحولها عيون قليلة وزرعهم الشعير. وإنها. "دوماء الجندل" أيضاً.

وكان اكثر سكان "دومة الجندل" من "بني كنانة" من "كلب". ويعدّها بعض أهل الأخيار من "القريّات" ويقصدون بمصطلح "القريات": دومة وسكاكة وذو القارة. وتحيط بدومة مستوطنات وقرى تحتمي بسلطان حاكم "دومة". وكان "اكيدر" يلقب نفسه بلقب "ملك" على عادة ذلك الوقت في تلقيب سادات المواضع أنفسهم بهذا اللقب، وان كان لا يعني في الواقع اكثر مما يعنيه مصطلح "شيخ" في الوقت الحاضر.

وكان أهل "دومة" على النصرانية، شأنهم في ذلك شأن اكثر أهل القرى في العراق وفي بادية الشام وبلاد الشام. وكان أهل "اكيدر" على هذه الديانة أيضاً. إذ ورد إن الرسول أرسل "عبد الرحمن بن عوف" على رأس جيش إلى دومة، فذهب إليها ودخلها، وأسلم "الأصبغ"، وتزوج عبد الرحمن ابنته "تماضر"، اذ كان الرسول قد كتب إليه إن يتزوج ابنة ملكها، أي ملك "دومة"، وهو "الأصبغ". فيظهر من هذا الخبر، إن "الأصبغ" كان يلقب نفسه بلقب "ملك" أيضاً، وأنه كان يحكم "دومة" في أيام الرسول. في نفس الوقت الذي كان فيه "الأكيدر" يحكم "دومة"، ويلقب نفسه بلقب "ملك".

وذكر بعض الأخباريين إن أهل دومة الجندل كانوا من عُباد الكوفة ويقصدون بذلك انهم كانوا نصارى، فقد كانت عادتهم إطلاق لفظة "عباد" على النصارى العرب، عرب الحيرة بصورة خاصة. وقصدوا بالكوفة، الحيرة، لأن الكوفة لم تكن موجودة في الجاهلية، اذ بنيت في أيام الخليفة "عمر".

ويظهر من أهل الأخبار إن "اكيدر السكوني" لم يتمكن من تثبيت ملكه على "دومة الجندل" بصورة دائمة، اذ كان ينافسه زعماء كلب الأقوياء. فقد ذكر "محمد بن حبيب" إن ملكها كان بين "اكيدر العبادي ثم السكوني وبين قنافة الكلبي. فكان العباديون إذا غلبوا عليها وليها اكيدر، واذا غلب الغسانيون ولوها قنافة. وكانت غلبتهم إن الملكين كانا يتحاجيان فأيما ملك غلب صاحبه بإخراج ما يلقى عليه، تركه والسوق فصنع فيها ما شاء. ولم يبع بها أحد شيئاً إلا باذله حتى يبيع الملك كلما أراد بيعه مع ما يصل إليه من عشورها". ويؤيد هذا الخبر ما ذكرته من وجود ملك آخر على دومة، هو "الأصبغ" الكلبي المتقدم الذكر.

وهناك خبر آخر يفيد إن "الجودي بن ربيعة"، كان مثل "الاكيدر" رئيساً على "دوفة"، وان الإثنين كانا رئيسين عليها. وورد انه كان من غسان وأن اسمه "عدي بن عمرو. بن أبي عمرو الغساني"، وأن "عبد الرحمن ابن أبي بكر"، "كان يختلف إلى الشام في تجارة قريش في الجاهلية، فرأى هناك امرأة يقال لها: ابنة الجودي من غسان، فكان يهذى بها، ويذكرها كثيراً في شعره"، "وأصيبت حين غزو الروم ليلى ابنة الجودي، فبعثوا بها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر لذكره إياها".0 فه إذن على هذه الرواية من غسان.

ويظهر من غربلة روايات الأخباريين إن هنالك موضعاً آخر عرف ب "دومة" و "دوماء". يقع في العراق على مقربة من "عين التمر"، ذكر الأخباريون إن اسمه "دومة" و "دوما" و "دومة الجندل". ونسبوا كما ذكرت قبل قليل بناءه إلى "الاكيدر". وهو موضع لا نعرف من أمر تأريخه شيئاً يذكر.

وذكر إن "حارثة بن قطن"، و "حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل"، وهما من "كلب" قدما إلى رسول الله وأسلما، فكتب رسول الله لحارثة كتاباً "لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن"، ثم بين ما على المذكورين من حقوق وواجبات، وما عليهم من إحكام فرضها الإسلام على المسلمين.

وترك "خالد" "دومة الجندل"، ثم أتى "قم"، فصالحه "بنو مشجعة بن التيم بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، وكتب لهم اماناً. ثم أتى "تدمر"، فأمنهم، ثم أتى "القريتين"، ثم "حوارين" من "سنير"، ثم أتى "مرج راهط"، فأغار على "غسان".

وكان "حاضر" "قنسرين" لتنوخ، من أول ما تنخوا بالشام، نزلوه وهم في خيم الشعر. ثم ابتنوا به المنازل. فسعاهم "أبو عبيدة" إلى الإسلام، فأسلم بعضهم وأقام على النصرانية "بنو سليح". وكان بهذا الحاضرقوم من "طيء"، نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين. فلما ورد "أبو عبيدة" عليهم اسلم بعضهم وصالح كثير منهم على الجزية، ثم اسلموا بعد ذلك.

وقضاعة قبائل عديدة، منها "بنو جرم بن ربان" و "بنو سليح" و "تزيد" ابنا "عمران بن الحاف بن قضاعة" و "كلب بن وبرة"، وهو قبيل عظيم. منهم "الأسبع"، ومن قبائل قضاعة "عذرة بن زيد اللآت" و "العبيد بن زيد اللآت"، و "بنو كنانة"، و "بنو جناب بن هبل"، و "بنو عليم بن جناب"، و "بنو مصاد"، و "بنو حصن"، و "بنو معقل". ومن "بني جناب" "بحدل بن أتيف"، ج، "يزيد بن معاوية" لأمه. ومن رجالهم "ابن الجَلاّح"، وكان قائداً للحارث بن أبي شمر. الجفني، واسمه "النعمان". وهو الذي أغار على "بني فزارة" و "بني ذبيان"، مَاستباحهم وسبي "عقرب" بنت النابغة، ومَنّ عليها، فمدحه "النابغة".

وقد انتشرت بطون "كلب" في ارضين واسعة، شملت دومة الجندل وبادية السماوة والأقسام الشرقية من بلاد الشام. ولما أخرج الروم عن ديار الشام، لعبت بطون كلب دوراً بارزاً في السياسة، إذ أيدت الاموين، وتزوجّ "معاوية" "ميسون" أم "يزيد" وهي كلبية، فصارت كلب في جانب الامويين.

ومن قبائل "قضاعة"، "بنو عامر الاجدار". ومن رجال "بني وبرة" غير كلب، "بنو القيس بن جسر"، و "بنو مصاد بن مذعور" و "بنو زهير بن عمرر بن فهم". ومن قبائل "جرم بن ربان": "بنو اعجب" و "بنو طرود" و "بنو شميس". ومن بطون "جرم": "بنو خشين"، ومن رجالهم "رأس الحجر"، وقد رأس في الجاهلية وأخذ المرباع. ومن رجال "جرم"، "عصام بن شهبر"، حاجب النعمان. وكان النعمان إذا أراد إن يبعث بألف فارس بعث بعصام.

وقد ذهب وفد من "جرم" إلى المدينة، فيه "الاصقع بن شريح بن صريم" و "هوذة بن عمرو"، فأسلما، وكتب الرسول لهما كتاباً. وذهب وفد آخر، اخبر الرسول بإسلام حواء من جرم، كان عليه "سلمة بن قيس الجرميّ" ومعه ابنه "أبو زيد عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي".

وقد ساعد الغساسنة الروم في حروبهم مع المسلمين، وكان على رأسهم "جبلة ابن الايهم الغساني"، الذي حارب مع مقدمهّ جيش الروم في مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام وغيرهم يوم اليرموك. ثم انحاز "جبلة" إلى المسلبين، وأظهر الإسلام، ثم عاد، ففرّ إلى بلاد الروم، واستقر بها، وبها مات. وقد استمر "المستعربة" يناصرون الروم، فلما تراجع قوادهم نحو الشمال لضغط المسلمين عليهم، التحق بهم هؤلاء "المستعربة" من غسان وتنوخ وإياد، وقد التحموا بالمسلمين في "درب بغراس".

ويذكر الأخباريون إن "دمشق" كانت منازل ملوك غسان. وبها آثار لآل جفنة. والظاهر، انهم كانوا قد اشتروا وابتنوا بها قصوراً، عاشوا فيها، ومنها كانوا يتصلون بكبار الموظفين الحاكمين البيزنطيين. فإذا أرادوا الاتصال بقومهم الغساسنة عادوا إلى قصورهم بين قومهم. وكانت الغوطة: غوطة دمشق من المناطق التي سكن بها الغساسنة.

ويظهر من رواية يرجع سندها إلى "محمد بن بُكر الغساني" عن قومه "غسان" إن الغساسنة لم يقبلوا على الإسلام إقبال غيرهم من العرب، وانهم لم يسلموا إلا بعد فتوح الشام. ولما. ذهب ثلاثة نفر منهم إلى المدينة، وأسلموا وبايعوا الرسول، لم يستجب قومهم لهم في دعوتهم إلى الإسلام، فكتموا أمهرهم عنهم، خوفاً من بطش قومهم بهم.

وورد في أخبار الرسل الذين أرسلهم الرسول إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، إن الرسول أرسل "شجاج بن وهب" إلى "الحارث بن أبي شمر الغسانيّ" من غسان، وكان يقم إذ ذاك بغوطة دمشق في قصر منيف، ليدعوه إلى الإسلام، فلما دفع "شجاع" كتاب رسول الله إلى "الحارث" رمى به، ولم يدخل في الإسلام وبقي على النصرانية حتى توفي عام الفتح.

وكان "جبلة" مع الروم يوم "اليرموك" ومعه "المستعربة" من غَساّن وقضاعة وذلك سنة "15" للهجرة، "وكان قد انضم إلى المسلمين بعض لخم وجذام، فلما وجدوا جدّ القتال فرّوا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى وخذلوا المسلمين.

وقد كان "جبلة بن الأيهم" على رأس "العرب المتنصرة" يحارب مع الروم، لمنع المسلمين من التقدم نحو "قنسرين"، ويذكر أهل الأخبار إن محاورات جرت بينه وبين المسلمين في موضوع اشتراكه مع الروم، وعنا محاورات مع "خالد بن الوليد" صاغوها بأسلوب قصصي منمق، وذكروا انه كان جالساً "على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت. وكان ذلك بعد ارتداده عن الإسلام، فلما غلب الروم، "كان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة أثره".

ومن الغساسنة "شرحبيل بن عمرو الغسانيّ"، الذي قتل رسولَ رسول الله "الحارث بن عمير الأزدي"، الذي كان الرسول قد بعثه إلى ملك "بصرى". فما نزل "مؤتة" قتله "شرحييل". فأمر رسول الله بإرسال حملة عليه، سنة ثمان للهجرة جعل أمرها "زيد بن حارثة". ولما سمع بها "شرحبيل" جمع جمعاً من قومه وتقدم نحوهم، وكانوا قد نزلوا "معان". وبلغ المسلمين إن "هرقل" كان قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في جمع من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذلم والقين، عليهم "مالك بن رافلة" الاراشي من "بليّ"، فانحازوا إلى "مشارف"، ولما دنا العدو انحازوا إلى "مؤتة"، وقتل فيها في فيها "جعفر بن أبي طالب"، و "عبد الله بن رواحة" و "ثابت بن رواحة" و "ثابت بن أرقم"، ثم "زيد بن حارثة"، ثم تراجعوا إلى المدينة. وقتل من العرب الذين كانوا مع الروم "مالك بن رافلة" "زافلة". واعتزل بعض "حَدَس" وهم "بنو غنم" الحرب، لإشارة كاهنتهم عليهم بذلك، فأخذوا بقولها، فاعتزلوا عن "بني لخم" وصلم الحرب بعض منهم، وهم "بنو ثعلبة".

وكان بقرب "حلب" حاضر، عرف ب "حاضر حلب"، جمع أصنافاً من العرب من تنوخ، فصالحهم "أبو عبيدة" على الجزية. ويرجع هذا الحاضر إلى أيام الجاهلية، فقد كان العرب قد توغلوا إلى هذه الديار قبل ظهور الإسلام، وأقاموا في الحواضر بظواهر المدن يتعيشون من اتصالهم بأهل تلك المدن.

ولم تكن الرابطة الدينية التي ربطت بين أكثر عرب بلاد الشام والبيزنطيين، هي العامل الوحيد الذي جعل أولئك العرب ينضمون إلى صفوف الروم في الدفاع عنهم وفي مقاومة جيوش المسلمين، بل كانت هنالك عوامل أخرى، مثل المنافع المادية التي كان يجنبها سادات الأعراب من البيزنطيين، حيث كانوا ينالون هدايا ورواتب منهم في مقابل حماية الحدود والمحافظة عليها من غارات الأعراب وفي مقابل الغارات التي كان البيزنطيون يكلفونهم بها لغزو حدود العراق لازعاج أعدائهم الفرس وقت الحاجة والضرورة، ومثل التسهيلات التي كانوا ينالونها من البيزنطيين في الإتجار مع مدن الشام وفي معاملات البيع والشراء والرواتب السخيفة التي تدفع للأعراب إذا خدموا في صفوف العساكر المتطوعة، وهي رواتب سخية إذا قيست بالنسبة لحالة أهل البادية المنخفضة من الناحية المادية كثيراً بالنسبة إلى حالة سكان بلاد الشام.

وكان "الحيار": "حيار بني القعقاع" بلداً معروفاً قبل الإسلام. وبه كان مقبل "المنذر بن ماء السماء" اللخمي، ملك الحيرة. فنزله "بنو القعقاع" من "عبس بن بغيض".

وكانت البلقاء في أيدي قبائل من العرب مثل لخم وجذام وبلقين وبهراء وبليّ، وهي قبائل يطلق عليها المؤرخون اسم "المستعربة". وكانوا على النصرانية في الغالب، لذلك كان هواهم إلى جانب الروم. فكانوا معهم في غزوة "مؤتة" يقاتلون مع "هرقل" ضد المسلمين وعليهم "مالك بن رافلة" وهو من "بليّ" ثم أحد إراشة. وكان المسلمون إذْ ذاك في "معان". وهي من أعمال البلقاء يستعدون للروم. وكان صاحب هذه المدينة في أيام الرسول رجلاً من "جذام"، هو "فروة بن عمرو الجُذاميّ". وكان عاملاً للروم على من يليهم من العرب، ومنزله بمعان. فلما أرسل فروة رسولاً عنه إلى الرسول يبلغه بإسلامه، قبض الروم عليه وحبسوه، ثم ضربوا عنقه وصلبوه.

ومن "لخم" "بنو السار بن هانىء". وقد قدم وفد منهم على رسول، الله منصرفه من "تبوك"، فيه" "تميم بن أوس بن خارجة الداريّ" و "نعيم ابن أوس بن خارجة"، و "يزيد بن قيس بن خارجة"، و "الفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة"، و "جبلة بن مالك بن صفارة"، و"أبو هند" و "الطيب" إبنا "ذر". وهو "عبد الله بن رزين بن عِمّيت بن ربيعة درّ اع"، و "هانىء بن حبيب" و "عزيز" و "مُرّة" إبنا "مالك بن سواد بن جذيمة"، فأسلموا، وأهدى "هانىء بن حبيب" لرسول الله، راوية خمر وأفراساً وقباءاً مخوصاً بالذهب. فقيل الأفراس والقباء. وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان يقال لإحداهما "حبرى" والأخرى "بيت عينون"، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي. فوهبهما رسول الله له. فلم توفي الرسول وقام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له كتاباً.

ولما أمر الرسول "أسامة بن زيد بن حارثة" إن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، تجهز معه المهاجرون الأولون، ولكن وفاة الرسول لم تمكنه من السفر، فكان أول ما فعله خليفته "أبو بكر" إن أمره بتنفيذ. ما أمره به رسول الله. ولكنه لم يتقدم كثيراً، بل بلغ الموضع الذي قتل أبوه زيد بن حارثة فيه، وهو من أرض الشام فرجع، لأن الرسول أمره في حياته بالمسير إليه.

و "الداروم" قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. يجاورها عربان بني ثعلبة بن سلامان بن ثعل من بني طيء. وهم درماء وزريق.

وكانت "جذام" نازلة في "حسمى" عند ظهور الإسلام. وهي من مواطن "ثمود". و "جدام" من نسل "جذام" شقيق "عاملة" و "لخم" أبناء "عدي بن الحارث بن مرّة بن كهلان". واسم "جذام" الحقيقي في رأيهم "عمرو".وتقع أرض جذام في الأقسام الجنوبية من بلاد الشام، وتصل إلى "أيلة" ثم تمتد مع الساحل حتى تبلغ "ينبع".

ويرجع بعض النسابين نسب جذام إلى اليمن، ويرجها بعض آخر إلى مضر، وتوسط قوم فقالوا إنهم كانوا من مضر في الأصل، ثم غادروا ديار مضر، فذهبوا إلى اليمن، وعاشوا بين قبائل قحطان، فنسوا أصلهم بتقادم العهد، وعُدّوا في القحطانيين. ويظهر إن هذا الرأي هو محاولة للتوفيق بين الرأيين السابقين.. أما الذي عليه غالبية جُذام، فهو إنها من قحطان.

وقد وفد رجال من "جذام" على رسول الله، منهم "رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجُذامي" ثم أحد "بني الضبيب"، فأسلم وكتب الرسول له كتاباً. أما "فروة بن عمرو بن النافرة" الجُذامي، فقد كان كما سبق إن ذكرت عاملا الروم على ما يليهم من العرب، وكان منزله "معان" وما حولها أو على "عمان"، فلما بلغهم انه كاتب الرسول وانه أسلم أخذوه فحبسوه، ثم ضربوا عنقه. ويذكر أهل الأخبار إن "فروة" كتب إلى الرسول كتاباً أرسله مع "مسعود بن سعد"، وبعث إليه ببغلة وفرس وحمار، وأثواب لينْ، وقباء سندس مخوص بالذهب. وان الرسول كتب إلى فروة جواب كتابه. ويذكر أهل الأخبار إن الروم لما قبضوا على "فروة"، قال شعراً يذكر فيه نفسه والرسول، وقال مثل ذلك لما نقله الروم إلى موضع يقع على ماء لهم بفلسطين اسمه "عفراء"، فلما أرادوا ضرب عنقه، قال بيتاً من الشعر في إسلامه وفي إيمانه.

وقد انتشرت النصرانية بين كلب، كما انتشرت بين أكثر القبائل النازلة بديار الشام. والظاهر إنها كانت على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة "Monophysities".

وفي جوار "الحجر" وفي شرق "حرة ليلى"، أقامت بنو عذرة، وهي من قبائل قضاعة، وتنسب إلى "عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة". ولا نعلم من تأريخ هذه القبيلة في الجاهلية شيئاً يذكر. ولم يرد اسمها كثيراً في الأيام، والظاهر إن ذلك لقلّة شعرائها، فإن شعر الشعراء هو الذي خلد أسماء القبائل عند الأخباريين. ويظن إنها قبيلة "Abritai" "Abraetai" التي ذكرها "بطلميوس".

أما ديار هذه القبيلة، فكانت في وادي القرى وتبوك. ولكنها امتدت حتى بلغت قرب أيلة ويذكر الأخباريون إن هذه القبيلة هاجرت مع من هاجر من قبائل قضاعة بعد حربها مع حمير، فنزلت في هذه الديار ه. وتعاهدت مع قوم من يهود على مجاورتهم، وإلا تتحرش بهم وبنخيلهم وبساتينهم. وتجاور ديار عذرة ديار قبائل أخرى من قضاعة مثل نهد وجهينة وبليّ وكلب، كما جاورت من الشمال قبيلة غطفان.

ولعذرة حلف مع عدد من بطون سعد هذيم، مثل بني ضنة، ويعدهم النسابون بطناً من عذرة، وكذلك مع بني سلامان. وقد عرفوا بصحار. وكان لهم حلف مع جهينة، ويرجع الأخباريون عهد هذا الحلف إلى أيام حرب قضاعة، وهي الحرب المسماة ب "حرب القريض".

وهنالك جملة قبائل ذكر الأخباريون أربعاً أو خمساً قالوا إنها كانت تعرف ب "عذرة". وقد سبسب تعدد هذه الأسماء للنسابين بعض التشويش.

ويظهر من روايات الأخباريين انه كان لهذه القبيلة صلة بقريش، فزعموا إن أم "قصي" تزوجت رجلاً من "بني عذرة"، وان أخاه من أمه "رزاح ابن ربيعة بن حرام" اشترك مع قريش في الدفاع عن الكعبة وفيَ طرد خزاعة عنها. ورووا أيضاً انه كان لها صلة بالأوس والخزرج كذلك، لأن أم القبيلتين، وهي "قيلة بنت كاهل أو بنت هالك"، كانت من هذه القبيلة.

ولما قدم وفد "عذرة" على الرسول في صفر سنة تسع، وفيه "حمزة بن النعمان العذري" و "سليم" و "سعد" ابنا مالك، و "مالك بن أبي رباح"، سلَّموا على الرسول "بسلام أهل الجاهلية، وقالوا" نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام". وكان من رجال عذرة الذين وفدوا على الرسول: "زمل بن عمرو العذري".

وذكر "ابن سد" إن الرسول كتب إلى "عشرة" في "عسَيب"، وبعث به مع رجل من "بني عذرة"، فعدا عليه "ورد بن مرداس" أحد "بتي سعد هذيم"، فكسر العسيب وأسلم واستشهد مع "زيد بن حارثة" في غزوة وادي القرى أو غزوة القردة.

وكانت مواطنها عند ظهور الإسلام في منطقة مهمة جداً تقع بين الحجاز وبلاد الشام ومصر، فتمتد من منازل "كلب" في الشمال حتى منطقة المدينة. وكانت بطونها منتشرة في "وادي القرى" وحول "تبوك" وعند "أيلة" وفي طور سيناء. ولمرور طريق القوافل منها، تولى رجالها حراستها وجباية رسوم المرور منها. ولما رأى بعض المستشرقين إنها تقطن منطقة كان يسكنها "أهل مدين" وكذلك النبط، ذهبوا إلى إنها من نسل "مدين" أو من بقايا "النبط".

ومن المستشرقين من يرى إن "بني النضير" هم فرع من جُذام، دخلوا في دين يهود، ودليلهم على ذلك انتشار اليهودية بين بعض بطون جذام التي تقع منازلها على مقربة من "يثرب". وكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلاً بين جذام، وذلك باتصالها ببلاد الشام ومصر. وقد، كانت مع "المستعربة" أي النصارى العرب، تحارب المسلين مع الروم في حروب بلاد الشام.

وفي أرض جذام موضع يقال له "السلاسل"، وقعت غزوة عرفت ب "ذات السلاسل". وقد قام بها "عمرو بن العاص"، وكان الرسول قد بعثه إلى أرض "بليّ" و "عذرة" يستنفر الناس إلى الشام.

ومن جذام "رفاعة بن زيد الجذامي" ثم "الضُبيبي"، وكان قد قدم إلى الرسول فأسلم، وكتب الرسول له كتاباً، وذهب إلى قومه، ونزل الحرة: حرة الرجلاء. و "ضبيب" بطن من جُذام. ولما أغار "الهُنيد بن عوص"، وهو من "الضليع"، بطن من جُذام على "دحية بن خليفة الكلبي"، حين قدومه من بلاد الشام، وكان رسول الله بعثه إلى "قيصر" صاحب الروم ومعه تجارة له، فأصاب كل شيء كان مع "دحية" نفًرَ "رفاعةُ" وقومه ممن أسلم، إلى "الهُنيد"، فاستنقذا ما كان في يده، فرَدّوه على "دحية". وكان المعتدون يقيمون بحسمى.

ومن "جذام" "زنباع بن روج بن سلامة بن حُداد بن حديدة"، وكان عَشّاراً، مرّ به "عمر بن الخطاب" في الجاهلية تاجراً إلى الشام، فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه، فقال "عمر" فيه شعراً يتوعده ويهجوه، فبلغ ذلك "زنباعا" فهجز جيشاً لغزو مكة، فنهي عن ذلك وأشر عليه بعدم تمكنه منها، فَكَفَّ عنها.

وكانت "أيلة" في أيام الرسول، في أيدي "يوحنا بن رؤبة" "يحنة بن رؤبة". ولما سمع "يوحنا" بمجيء الرسول مع جيشي إلى "تبوك"، جاء إليه، وصالحه على الجزية، وصالحه أهل "جرباء" و "اذرح" على الجزية أيضاً. كما صالح أهل "مقنا" على ربع كروعهم وغزولهم وحلفتهم وعلى ربع ثمارهم، وكانوا يهوداً. وقد دَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه ل "يحنة بن رؤبة" "يحنة بن رَوْبةَ" وأهل ايلة "لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر... ولمن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".

وأورد "ابن سعد" نص كتاب أرسله الرسول إلى "يوحنا بن روبة" "يحنة ابن رَوْبةَ" و "سَرَوات" أهل ايلة" جاء فيه إن رسول الله قد أرسل إليه رسلاً هم" "شرحبيل" و "أبيّ" و "حرملة"، و "حريث بن زيد الطائي". و "أن حرملة" قد شفع له ولأهل ايلة لدى الرسول وأن عليه إن يكسو "زيداً" كسوة حسنة. وأنه قد أوصى رسله بهم. ويظهر من هذا الكتاب، إن حامله كان "زيداً، وجاء فيه "وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم".

وكتب الرسول كتباً إلى أهل "اذرح" و "جربا" ولأهل مقنا، وذكر إن أهل مقنا، كانوا يهوداً على ساحل البحر. وأهل جربا وافرح يهود أيضاً.

إما "كلب" التي كانت ديارها تتاخم ديار جذام، فينسبها النسابون إلى "كلب بن وبرة"، وهي من القبائل التي كانت تنزل ديار الشام عند ظهور الإسلام. غير إننا لا نعرف من تأريخها شيئاً يذكر قبل الإسلام.

وتتصل بديار كلب من الشرق أرض الحيرة وديار "بني بكر"، ومن الجنوب ديار طيء، ومن الغرب ديار "بنو بليّ" و "جذام"، ومن الشمال "بنو بهراء" وقبائل غسان.

ويرجع نسب "كلب" في عرف النَسّابين إلى قبائل "قضاعة". ومن كلب الأسبع" وهي بطون ثعلب وفهد ودب والسيد والسرحان وبرك. ومن قبائلها: ثور وكلب ورفيدة وعوذي وعرينة وقبائل أخرى يذكرها النسابون.

وينسب إلى هذه القبيلة "زهر بن جناب الكلبي"، وهو في جملة من يذكرهم الأخباريون من المعمرين. ويذكرون انه كان رئيساً من رؤساء هذه القبيلة، وانه كان شاعراً، وأنه كان في أيام "كليب وائل" و "المهلهل بن ربيعة"، ومعنى ذلك انه عاشر في القرن السادس للميلاد.

وقد ذكر الأخباريون أسماء رجال برزوا في الجاهلية، ينتمون إلى بطون هذه القبيلة، منهم "هوذة بن عمرو"، نعتوه ب "رب الحجاز"، وهذا النعت يدل على منزلة الرجل ومكانته التي كان عليها قبل الإسلام. وهو من "حَرْ دش" وقد مدحه "النابغة "لذبياني". وقد نسب الأخباريون هوذة إلى "عص" أو "عيثر بن لبيد"، وهو في زعمهم من المعمرين في الجاهلية.

وقد وفد رجل من "كلب" على الرسول اسمه "عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجَلاِّح الكلبي"، ومعه "عاصم"، من "بني وقاش" من "بني عامر"، فأسلم. ووفد "حارثة بن قطن بن زائر بن حصن بن كعب بن عليم الكَلْبي" و "حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل بن كعب بن عليم"، فأسلما. وكتب الحارثة بن قطن، كتاباً، لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب، دَوّن فيه أوامره لهم ونواهيه وشروطه إن أرادوا الدخول في الإسلام.

وأورد "ابن سعد" صورة كتاب، ذكر إن الرسول كتبه "لبني جناب" من كلب وأحلافهم ومن ظاهرهم. وقد بين فيه الأمور التي يجب عليهم مراعاتها من حقوق وإحكام. وأشهد عليه فيه: سعد بن عبادة، وعبد الله بن انيس، ودحية الكلبي 60 ولعذرة عدة بطون، منها" بنو الجلحاء، وبنو جلهمة، وبنو زقزقة، وبنو ضنة، وبنو حردش، وبنو حنّ، وبنو مدلج. ويظهر من ابيات للشاعر النابغة إن "النعمان بن حارث الغساني" لما هم بغزو "بني حنّ" في موضعهم ب "برقة صادر"، نهاه عن ذلك، غير انه لم ينته، فأصيب غزوه بهزيمة. وحنّ، هم الذين قتلوا "الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" من طيء، في الحجر. وكان الجلاس ممن اجتمعت عليه جديلة طيء.

وتبوك هي من جملة مواضع بني عذرة، وهي موضع "Thapaua" الذي ذكره "بطلميوس"، ولا نعرف من أمرها قبل الإسلام شيئاً يذكر. وقد ذكرت في الفتوح، اذ وصل الرسول إليها، وصل الرسول، وصالح أهلها على الجزية، مما يدل على إن سكانها كانوا من أهل الكتاب.

وكان غزو الرسول لها سنة تسع للهجرة، اذ بلغه إن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وانهم قد جمعوا إليهم جمعاً من لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فأراد الرسول مباغتتهم قبل إن يباغتوه، فلما وصل إليها، وجد إن الروم بعيدون عنه فرجع.

ويذكر أهل الأخبار إن "بني عذرة" نصروا قصيّاً وساعدوه، لوجود صلة له بهم. ويظهر انه قد كان عند القدامى من "بنيُ عذرة" كتاب في أخبارهم كانوا يرجعون إليه إذا احتاجوا إلى الوقوف على خبر يخص هذه القبيلة. فقد ذكر "أبو عمرو بن حريث العذري"، انه رجع إلى كتاب من كتب آبائه في أمر "وفد عذرة" الذي ذهب إلى الرسول .

وتقع ديار "غطفان" جنوب "طيء"، وشمال "هوازن" و "خيبر" والى الغرب من بليّ وديار سعد. وهم من القبائل الكبيرة التي يرجع النسابون نسبها إلى "سعد بن قيس بن مضر". فهي من القبائل المضرية في اصطلاح أهل الأنساب. وهم قبائل: منهم: ريث وبغيض وأشجع، ومن بغيض ذبيان، وهو والد عبس، وأنما أجداد قبائل كبيرة. وتقع ديار أشجع على مقربة من المدينة، وأما ديار "بغيض" فتقع عند شربة والربذة، وتجاورها "خصفة بن قيس عيلان"، وسليم الذين تقع ديارهم في جنوبهم.

ومن رجال "أشجع" "مسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف"، وقد وفد على الرسول على رأس وفد قوامه مئة رجل، وادَعوا رسول الله، ثم أسلموا.

وقد كانت بين "غطفان" وبين "بني عامر بن صعصعة" وهم بطن من هوازن حوادث وأياّم. من ذلك "يوم النفراوات"، وفيه قيل خالد بن جعفر ابن كلاب العامري زهير بن جذيمة سيد عبس. وكانت هرازن تخضع لزهير. وتقدم له الإتاوة كل سنة في سوق عكاظ. فلما استبد بهم زهير، ولم يرع لهم حرمة، ولم ينصفهم، نقموا عليه. وأقسم جعفر ليقتلنه، وقد وفى بقسمه في يوم "النفراوات".

وقد غزا الرسول قوماً من "غطفان"، هم من "بني محارب" و "بني ثعلبة"، حتى نزل نخلاً فلقي جمعاً من "غطفان"، ولم تقع بينهم حرب، وعرفت الغزوة ب "غزوة ذات الرقاع". وكانت هذه الغزوة في أول السنة الثالثة من الهجرة. وعرفت أيضاً ب "غزوة ذي أمر" ناحية "النخيل". وكان قد جمعهم رجل يقال له: "دعثور بن الحارث" من "بني محارب"، وهم من الأعراب، فلما وصل الرسول إليهم، هربوا في رؤوس الجبال، ثم أسلم "دعثور" ودعى قومه إلى الإسلام.

وقد تجمع جمع من غطفان بالجناب، وأرادوا مباغتة المسلمين، فوصلت الأنباء بذلك إلى الرسول، فأرسل سرية عليهم فلت ذلك الجمع.

وقد استجابت "غطفان" لدعوة سادات "بني النضير" أمثال: "سلام ابن أبي الحقيق"، و "حيي بن أخطب" و "كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق"، ودعوة نفر من "بني وائل"، فيهم "هوذة بن قيس الوائلي" و "أبو عمار الوائلي"، ولزعماء مكة وعلى رأسهم "أبو سفيان"، فخرجت وقائدها "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري" في بني فزارة، و "الحارث بن عوف بن أبي حارثة المُرّي" في "بنيُ مرّة" و "مسعود "مسعْر" بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة الأشجعي" فيمن تابعه من أشجع. واستجابت لهم "بنو سليم"، يقودهم "سفيان بن عبد شمس" وهو أبو "أبي الأعور السلمي"، وانضمت إليهم "بنو أسد" يقودهم "طليحة بن خويلد الأسدي"، وكوّنوا الأحزاب. وساروا باتجاه المدينة، فوجدوا المسلمين وقد حفروا خندقاً حولها، حال بينهم وبين اقتحامها، ووقعت مناوشات، انتهت برجوع الأحزاب. ونجاح المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.

ومن رجال "عبس" الذين وفدوا على الرسول "ميسرة بن مسروق" و "الحارث بن ربيع" وهو الكامل، و "قنان بن دارم"، و "بشر بن الحارث بن عبادة" و "هِدْم بن مسعدة"، و "سباع بن زيد"، و "أبو الحصن بن لقمان"، و "عبد الله بن مالك"، و "فروة بن الحصين بن فضالة". وذكر إن رسول الله سأل نفراً من "عبس" عن "خالد بن سنان"، فقالوا: لا عقا له، فقال: نبيّ ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد.

وقد كتب الرسول إلى "بني زهير بن أقيش" كتاباً، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. و "بنو أقيش" هم حيّ من "عكل". و "عكل" من "الرباب". وهم "تيم" و "عدي" و "عكل" و "مزينة" .وذكر إن الرسول كتب لبني اقيش في ركية بالبادية.

ومن ديار "هوازن"، "تربة"، وهي ناحية "العبلاء" على طريق صنعاء ونجران. وتقع في "عجز هوازن". وقد أرسل الرسولُ عليهم سرية بقيادة "عمر" وذلك سنة سبع للهجرة. وتقع ديار هوازن بغور تهامة إلى إلى بيشة والسراة وحنين وأوطاس.

وفي جنوب شرقي "حسمى" أقامت بطون "فزارة"، وتنسب إلى "فزارة بن ذبيان بن بغيض بن غيث بن غطفان". وقد اشتركت في حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وفي معارك أخرى، وتعاونت مع يهود خيبر ضد الرسول. ومن رجال "فزارة" "خارجة بن حصن"، وكان فيمن وفد على التي من وفد "بني فزارة" سنة تسع للهجرة.

ومن "بني فزارة" في أيام الرسول "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر"، أغار على لقاح رسول الله وهي ترعى بالغابة، وهي على بريد من المدينة، فوجه رسول الله جمعاً عليه، قتل "مسعدة بن حَكمةَ بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري" و "حبيب بن عيينة"، ثم لحقهم الرسول ب "ذي قرد"، فوجدهم قد مضوا. وقد نعت النبي "عيينة" ب "الأحمق المطاع في قومه". ومن بني فزارة الذين وفدوا إلى الرسول بعد رجوعه من تبوك سنة تسع للهجرة، "خارجة بن حصن" و "الحرّ بن قيس بن حصن. وذكر إن "عيينة بن حصن" كان من المؤلفة قلوبهم. شهد حنيناً والطائف. وكان أحمق مطاعاً دخل على النبي بغير إذن وأساء الأدب، فصبر النبي على جفوته وأعرابيته. وقد ارتد وآمن بطليحة،. ثم أسر، فمنّ عليه الصدّيق، ثم لم يزل مظهراً للإسلام. وكان يتبعه عشرة آلاف قناة. وكان من الجرارة. واسمه حذيفة ولقبه عيينة لشتر عينه.

ولما خرج "زيد بن حارثة" في تجارة له إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله، وكان دون "وادي القرى" لقيه ناس من "فزارة" من "بني بدر"، فضربوه وأخذوا ما كان معه، فعاد "زيد" إلى المدينة وأخبر الرسول بما حدث. فأعاده مع سرية لغزوهم، فحاصرهم، ولكنهم كانوا قد هربوا، فأسر منهم "فاطمة بنت ربيعة بن بدر" وابنتها "جارية بنت مالك بن حذيفة ابن بدر"، وقُتل "النعمان" و "عبد الله" ابنا "مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر".

وعلى السُنّة الجارية بن القبائل، تشتَّت شمل عشائر غطفان بسبب الحروب التي نشبت بينها من جهةّ، وبينها وبن بطون خصافة من جهة أخرى. ونعني بخصافة هوازن وسليماً. وقد استمر التنافس بين عشائر غطفان وعشائر خصافة إلى ظهور الإسلام، وتميز بحوادث الفتك والاغتيالات، وبرز في هذا النزاع اسم "دريد بن الصمة" وهو من هوازن، ومعاوية وصخر أخوي الخنساء وهما من سُليم.

ولما انتقل الرسول إلى جوار ربه، ارتد كثير من غطفان، وأيد بعضهم طليحة، ولم يرجعوا إلى الإسلام إلا بعد انتصاره على المرتدين.

وكان من وجوه "بني عامر بن صعصعة"، عامر بن الطفيل، وأريد بن قيس بن مالك بن جعفر، "أريد بن ربيعة بن مالك بن جعفر"، وجبار بن سلمى بن مالك، وكان هؤلاء رؤوس القوم وشياطينهم. وقد وفدوا على الرسول. ولم يسلم "عامر بن الطفيل"، بل رجع كافراً ومات على الشرك. وكان معجباً بنفسه، جريئاً على الناس، من الفرسان. طلب من الرسول إن يجعل الأمر له من بعده في مقابل إسلامه، أو إن يقتسم معه الحكم على الناس مناصفة، فيكون الرسول حكم أهل الوبر، وله حكم أهل الوبر. فما قال له الرسول: " لا، ولكني أجعل لك أعنة الخيل فإنك امرؤ فارس" قال: أوليست لي? لأملأنها خيلاً ورجالاً. ثم ولى، فلما كان في طريقه إلى منازله مرض وهلك.

وكان "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" المعروف ب "ملاعب الأسنة الكلابي"، بعث إلى رسول الله إن ينفذ إليهم قوماً يفقهّونهم ويعرضون عليهم الإسلام وشرائعه، فبعث إليهم قوماً من أصحابه. فعرض لهم "عامر بن الطفيل" يوم بئر معونة فقتلهم أجمعين. واغتمَّ "أبو براء" لاخفار عامر بن الطفيل ذمته في أصحاب رسول الله، ثم تود بعد ذلك بقليل. وكان سيد "بني عامر ابن صعصعة" في أيامه. و "بئر معونة"، أرض بين أرض "بني عامر" و "حرة بني سُليم"، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. وقد استصرخ "عامر بن الطفيل" جماعة من "بني سليم" و "عصية" و "رعلا" و "ذكران" فنفروا معه على المسلمين.

ولما أرسل "أبو بكر" "خالد بن الوليد" إلى "بني عامر بن صعصعة"، لم يقاتلوه ودفعوا الصدقة. وكان "قرة بن هبيرة" القشري امتنع من أداء الصدقة، وأمد "طليحة الأسدي"، فأخذه خالداً، فحمله إلى "أبي بكر" فحقن أبو بكر دمه.

ومن بني "عامر بن صعصعة "، بنو "رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة". ومنهم "عمرو بن مالك بن قيس" الذي وفد على الرسول فأسلم. ومنهم "بنو البكّاء". ووفد وفد من "بني البكّاء" على الرسول كان فيه "معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء" و "الفُجيع بن عبد الله بن جندح بن البكّاء" و "عبد عمر البكّائي"، وهم الأصم.

وتقع ديار "بني عامر بن صعصعة" في الأقسام الغربية من نجد وتمتد إلى الحجاز. وذكر انهم كانوا يصيفون بالطائف لطيب هوائها، فلما اشتدّ عود ثقيف وقوي أمرهم، منعوهم منها، واستقلوا بها وحدهم.

ويرجع نسب "بني سليم" إلى "قيس عيلان"، وتقع منازلها في مواطن حرار ذات مياه ومعادن عرفت ب "معدن سُليم". وكانوا يجاورون عشائر غطفان وهوازن وهلال. ولخيرات أرضهم ووقوعها في منطقة مهمة تهيمن على طرق التجارة، صارت بنو سليم من القبائل الغنية. وكانت صلاتها حسنة بيهود يثرب، كما كانت صلاتها وثيقة بقريش.. وقد تحالف عدد كبير من رجالات مكة مع بني سليم، واشتغلوا معهم في الاستفادة من المعادن والثروة في أرض سليم.

وقد قدم رجل من "بني سليم" اسمه "قيس بن نسيبة"، على الرسول فأسلم، ذكر انه كان على علم بلسان الروم وبهينمة الفرس، وبأشعار العرب، وانه كان ذا حظ بثقافة ذلك اليوم. فلما رجع إلى قومه، وكلمهم بالإسلام، اقتنعوا بحديثه فأسلم منهم عدد كبير، وذهب وفد عنهم إلى الرسول، فيه "العباس بن مرداس" و "أنس بن عياض بن رعل" و "راشد بن عبد ربه"، فأسلموا على يديه. وكان "راشد" يسدن صنما لبني سليم. وكان اسمه "غاوي"، وكان قد رأى ثعلبين يبولان على صنمه فشدّ عليه فكسره، ثم جاء مع الوفد إلى الرسول فأسلم، وسمّاه الرسولُ "راشدا" على طريقته في تغييره أمثال هذه الأسماء. وأعطاه الرسول "رهاناً"، وفيها عن ماء.

ويذكر أهل الأخبار، إن سيداً من سادات "بني شليم"، اسمه "قدْر ابن عمار"، كان قد قدم على النبي بالمدينة فأسلم، وعاهده على إن يأتيه بألف من قومه، فلما ذهب إلى قومه، وعاد ليأتي إلى للرسول برجاله، نزل به الموت، فأوصى إلى رهط من "بني سليم" بالذهاب إلى الرسول، هم "عباس ابن مرداس" و "جبار بن الحكيم" و "الأخنس بن يزيد" وأمّر كل واحد منهم على ثلاثمائة، ليقدموا على الرسول، ثم جاء من بعدهم "المنقع بن مالك ابن أمية" وهو على مائة رجل، فصار عددهم ألفاً.

وكتب الرسول إلى "سَلمة بن مالك بن أبي عامر" السلمي" من "بني حارثة"، انه أعطاه مدَفَوّاً لا يحاقّه فيه أحد. وأعطى "العباس بن مرداس" "مدَفوَاً"، لا يحاقه فيه أحد، كتبه له العلاء بن عقبة، وشهد عليه. ويظهر إن "سلمة بن مالك السلمي"، الذي ذكر "ابن سعد" إن الرسول "أعطاه ما بين ذات الحناظى إلى ذاتا الأساور"، هو "سلمي بن مالك بن أبي عامر" المتقدم.

وكان العباس بن مرداس يهاجي "ضاف بن ندبة السلمي" أحد الشعراء المعروفين. ثم تمادى الأمر إلى إن احتربا، وكثرت القتلى بينهما، ولما تماديا في هجائهما، ولم يسمعا نصيحة "الضحاك بن عبد الله السلمي"، وهو يومئذ صاحب أمر بني سليم، ولجّا في السفاهة، خلعتهما بنو سليم. ثم أتاهما "دريد ابن الصمة" و "مالك بن عوف النصري" رأس، هوازن، وأصلحا بينهما. واستراح منهما بنو سليم.

وأسلم "العباس بن مرداس" قبل فتح مكة وحضر مع النبي يوم الفتح في جمع من "بني سليم" بالقنا والدروع على الخيل. وله ولد اسمه جلهمة، روى عن النبي. ويروى إن العباس بن مرداس، شهد حُنيناً على فرسها العُبيد، فأعطاه التي أربع قلايص، فقال العباس: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع، فقال النبي: "اقطعوا عني لسانه، فأعطوه ثمانين أوقية فضة". وكان فيمن اشترك مع العباس بن مرداس من قومه في فتح مكة. "أنس بن عباس بن رعل" و "راشد بن عبد ربه"، وقد طلب العباس وقومه من الرسول، إن يجعل لهم لواءً أحمر. وشعاراً مقدماً، ففعل ذلك بهم. وكان للعباس أخ اسمه "عمرو بن مرداس"، ويعدّ مثل أخيه في جملة المؤلفة قلوبهم كذلك.

وأعطى الرسول "هوذة بن نبيشة السلمي" من "بني عصيةّ". "ما حوى الجفر كله". وكتب للأجبّ رجل من "بني سليم" "انه أعطاه فالساً"، وكتب كتابه وشهد عليه "الأرقم". وأعطى الرسول "راشد بن عبد السلمي". "غَلْوتين بسهم. وغلوة بحجر برهاط" "لا يحاقه فيها أحد". كما أعطى "حرام بن عبد عوف" من "بني سليم" "إذاماً وما كان له من شواق".

ومن "بني سليم" "نبيشة بن حبيب"، قاتل "ربيعة بن مكدّم" الكناني. وكان فارس كنانة.

ويذكر إن الردة لما وقعت بوفاة الرسول، جاءت "بنو سليم" إلى "أبي بكر"، فطلبوا منه إن يمدهم بالسلاح لمقاتلة المرتدين، فأمر لهم بسلاح، فأقبلوا يقاتلون "أبا بكر": فبعث أبو بكر خالد بن الوليد عليهم، وجعلهم في حظاَئر ثم أضرم عليهم النيران.

ومن ديار "بنيُ سليم" معدن بني سُليم، وهو منزل كثير الأهل فيه أعراب بني سليم، وماؤه من "البرك"، وهي قرى قديمة. قد غزا الرسول على رأس ثلاثة وعشرين شهراً من مُهاجره "قرقرة الكدر" "قراقرة الكدر"، ناحية معدن "بني سليم" بينه وبين المدينة ثمانية بُرُد، وذلك لما سمع إن بهذا الموضع جمعاً من "بني سليم" و "غظفان"، فلما لم يجد أحداً، اخذ ما عثر عليه من جمال تعود إليهم، كانت ترعى هناك، ورجع إلى المدينة. وغزا الرسول في السنة الثالثة من الهجرة موضعاً آخر من مواضع "بني سليم" اسمه: "بحران" من ناحية الفرع، وهي قرية من ناحية المدينة، لما بلغه إن بها جمعاً كثيراً من "بني سليم".

وكانت منازل عجز هوازن بموضع شربة. ومن رجال "هوازن" في أيام الرسول "مالك بن عوف النصري" أحد بني نصر. وهو الذي جمع جموع هوازن وثقيف وأقبل عامداً إلى النبيّ، حتى وافاه ب "حنين" فوقعت غزوة حنين. وقد جمعه نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان الا هؤلاء وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب. وفي جشم "دريد بن الصمة"، شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. وكان شيخاً كبيراً مجرباً، وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال.

وبنو سليم أيضاً قبائل، منها: بنو ذكوان، وبنو بهثة، وبنو سمّال، وبنو بهزّ، وبنو مطرود. وبنو الشريد، وبنو قنفذ، وبنو عُصيّة، وبنو ظفر. وقد نجلت هذه القبائل رجالاً عرفوا في الجاهلية والإسلام، منهم: العباس بن مرداس الشاعر الشهير، ممن شهدوا معركة حنين مع الرسول، ومجاشع بن مسعود ممن قاد الجيوش. وهو من المهاجرين، والعباس بن انس الأصم من فرسان الجاهلية، ورجال آخرون. ولسليم شقيق في عرف النسابين اسمه "مازن" 0 إما أبوهما فهو منصور.

و "جهينة" بطن مثل "بليّ" و "بهراء" و "كلب" و "تنوخ" من بطون "قضاعة"، كانت ديارها في نجد، ثم هاجرت إلى الحجاز، فسكنت على مقربة من يثرب في المنطقة التي بين البحر الأحمر ووادي القرى، عند ظهور الإسلام. وقد دخلت في الإسلام في حياة الرسول ولم تشترك مع من أشرك في الردة بعد وفاته. وينسب النسابون جهينة إلى صحار والد جهينة، ومن بطونها بنو حميس.

ومن ديار "جهينة"، موضع "بواط"، وهو من "جبال جهينة" من ناحية "رضوى" قريب من "ذي خشب" مما يلي طريق الشام. وبن "بواط" والمدينة نحو أربعة برد. ويمر به طريق إلى بلاد الشام. ولما سمع الرسول، وهو على رأس ثلاثة عشر شهراً من مهاجَره، إن قافلة لعير قريش" فيها أمية بن خلف الجمحي ومئة من رجال قريش وألف وخمسمائة بعير، تمر من هناك، خرج في مئتين لاعتراضها، ولكنها فرت ونجت، فلم تقع في الأسر.

وكان في جملة من وفد على الرسول من جهينة" "عبد العُزّى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهني" من "بني الربعة بن رشدان بن قيس بن قيس بن جهينة"، ومعه أخوه لأمه "أبو روغة". وكان لهم واد اسمه "غويّ". ومن "بني جهينة" "بنو دهمان" ومنهم "عمرو بن مرّة الجهني"، وكان سادن صنمهم، فأسلم وكسر الصنم، وقدم المدينة، وأعلن إسلامه أمام الرسول.

وقد كتب الرسول كتاباً لبني زرعة وبني الربعة من جُهينة، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. كما كتب لعَوْسَجة بن حرملة الجهني من "ذي المروة"، وقد "أعطاه ما بين بَلَكثة إلى المصنعة إلى الجفلات إلى الجد جبل القبلة لا يحاقه أحد"، وشهد على صحة الكتاب وكتبه "عقبة" كما كتب الرسول كتاباً لقوم آخرين من جُهينة، هم من "بني شنخ"، وقد "أعطاهم ما خشوا من صفينة وما حرثوا"، وكتب الكتاب وشهد عليه "العلاء بن عقبة". كما كتب الرسول كتاباً لبني الجرمز بن ربيعة، وهم من "جهينة"، كتبه المغيرة. وكتب كتاباً ل "عمرو بن معبد الجهني" و "بني الحرفة" من جهينة وبني الجرمز، أهم ما جاء فيه "وما كان من الدين مدوّنة لأحد من المسلمين قضى برأس المال وبطل الربا في الرهن. وأن الصدقة في الثمار العشر"، ويظهر من ذلك أن هذا الكتاب قد دُوّن بعد نزول الأمر بتحريم الربا.

وبلي من قبائل قضاعة كذلك، وتنسب إلى بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وتقع ديارها على مقرية من تيماء بين ديار جهينة وديار "جُذام"، وهي مثل اكثر قبائل قضاعة، لا نعرف من تأريخها في الجاهلية شيئاً يذكر. أما في أول ظهور الإسلام، فقد اشتركت مع القبائل النصرانية في جانب الروم ضد المسلمين. ومنهم "مالك بن رافلة"، قائل "زيد بن حارثة" يوم "مؤتة".

وفي سنة ثمان من الهجرة أرسل الرسول "عمرو بن العاص" إلى ارض "بلْي" و "عذرة"، فلما بلني موضع "السلاسل" خاف، فبعث إلى رسول الله يستمدّه، فأمده بجماعة من المهاجرين الأولين، فيهم "أبو عبيدة بن الجراح" و "أبو بكر" و "عمر" وقد عرفت تلك الغزوة ب "ذات السلاسل".

وقد دخل دينَ يهود فرعت من بليّ ينسب إلى "حشنة بن اكارمة"، وسكن على مقربة من تيماء مع يهود، وظل في هذا الدين وفي هذه الديار إلى إن أمر "عمر" باجلائهم عنها في الإسلام.

وقد وفد نفر من "بليّ" على الرسول، وكان "شيخ الوفد" "أبو الضباب" "أبو الضبيب" فأسلم وأسلم من كان معه، ثم عادوا إلى ديارهم.

وتقع إلى الجنوب من ديار "بليّ" ديار "مزينة"، وهي في الشرق من منازل "جهُينة" والى الغرب من ديار "سعد" والى الشمال من بلاد "خزاعة". ويرجع نسب "مُزينة" إلى "مضر". وقد وفد قوم منهم إلى الرسول فيهم "خزاعي بن عبد نهم" فبايع الرسول على قومه مزينة، وقدم معه جماعة من أعيان مزينة منهم" "بلال بن الحارث" و "النعمان بن مقرن" و "عبيد الله ابن بردة"، و "عبد الله بن درة"، و "بشر بن المحتقر". و "خزاعي" هو الذي حمل لواء مزينة يوم الفتح، وكانوا يومئذ ألف رجل، وهو أخو المغفل أبي عبد الله بن المغفل وأخو عبد الله ذي البجادين.

وأما وادي القرى، فهو واد كثرت قراه، لذلك قيل له وادي القرى وأهله عرب ويهود. وهو من المواضع المعروفة بالخصب في جزيرة العرب، وبه عيون وآبار.. لذلك اشتهر بالعمار منذ أيام ما قبل الميلاد. فنزلت به قبائل عديدة، منه قوم ثمود. وقد جلب خصب هذا الوادي أنظار من نزح إليه من اليهود، فحفروا فيه الآبار وأساحوا العيون، وزرعوا فيه النخيل والحبوب، وعقدوا بينهم حلفاً وعقداً. ودفعوا عنه قبائل بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل. وعقدوا لهم أحلافاً مع القبائل القوية، لتحميهم ولتدافع عنهم، مقابل جعل سنوي.

وقد غزا الرسول بعد فراغه من خيبر هذا الوادي، فقاتله أهله، ففتحه عنوة، وترك الرسول النخل والأرض في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.

وكانت "فدك" حكومة مستقلة كسائر الواحات والقرى في أعالي الحجاز، أهلها من اليهود، وعليهم في أيام الرسول "يوشع بن نون اليهودي"، واليه ُبعث "مُحيصة بن مسعود" لدعوته ولدعوة قومه إلى الإسلام، وبها قوم من "بنيُ مرّة". وقوم من "بني سعد بن بكر".

وكان أهل خيبر من يهود كذلك، يتحكم فيهم رؤساء منهم، ولهم حصون وآطام تحمي أموالهم ومساكنهم، فتحت في أيام الرسول بسبب معاداة أهلها للإسلام واتفاقهم مع المشركين. وكان يظاهرهم "غطفان". ومن حصونهم "حصن ناعم" و "حصن القموص"، حصن "أبي الحقيق"، و "الوطيح" و "السلالم"، وكان آخر حصون خيبر و "الشق" و "النطاة".

وكاتب الرسول "بني غاديا"، وهم قوم من يهود. وكتب كتاب رسول الله إليهم: "خالد بن سعيد". وكتب "خالد" كتاباً آخر إلى "بني عريض" وهم أيضاً قوم من يهود، حدد لهم الرسول ما افرضه عليهم، يؤدونه لحينه في كل عام.

وكان يهود "بنو قينقاع"، قد تحالفوا مع الأوس والخزرج، تحالفوا مع "عبد الله بن أبي سلول"، كما تحالفوا مع "عبادة بن الصامت"، وكانوا صاغة، ولهم سوق عرف ب "سوق بني قينقاع"، وكانوا أشجع يهود. فلما كانت وقعة "بدر"، اظهروا ميلاً إلى قريش، فحاصرهم الرسول، ثم غلبهم فأجلاهم عن ديارهم ولحقوا بأذرعات ومن منازل "بني لحيان" موضع "غُزّان"، وادٍ بين أمج وُ عسفان إلى بلدّ يقال له "ساية". وهو موضع مرتفع غزاه الرسول غزوته التي عرفت ب "غزوة بني لحيان" في سنة ست للهجرة. وكان بنو لحيان ومن لأفهم من غيرهم قد استجمعوا، فلما بلغهم إقبال الرسول إليهم هربوا، فلم يلق كيداً. واعتصموا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد. ولم تستطع السرايا إن تقبض على أحد منهم، فرجع الرسول.

وأقام "القرُطاء"، وهم ". بنو قرط"، "قريط" من "بني. كلاب"، بناحية "ضرية"، فبعث رسول الله عليهم "محمد بن مسلمة"، فاستاقَ إبلاً وغنما منهم، وهرب القرطاء. وقد أرسل الرسول "أبا بكر" لغزو "بني كلاب" بنجد، وذلك سنة سبع للهجرة، وذكر انه غزا "بني فزارة". وأرسل عليهم سنة تسع "الضَحّاك بن سفيان الكلابي"، ومعه "الأصيد بن سلمة بن قرط"، فلقيهم "بالزجّ" موضع بنجد، وتغلب على "القرط".

ولما غزا الرسول غزوة "الأبواء"، وهي غزوة "ودّان"، وكانت أول غزوة غزاها الرسول، وادعه "مخشي بن عمرو الضميري"، وكان سيد "بني ضمير" "بني الضمير" في ذلك الوقت. والأبواء قرية من أعمال "الفرع" من المدينة، بينها وبين "الجحفا" مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً.

وتقع ديار "بني مدلج" بناحية "ينبع"، ومن أرضهم "ذو العشيرة"، وهو لبني مدلج. وقد غزاهم الرسول غزوته المعروفة ب "ذي العشيرة" على رأس ستة عشر شهراً من مُهاجَره، فوادعهم ووادع حلفاءهم من "بني سمرة". ويظهر إن هذا الموضع إنما سمي ب "ذي العشيرة"، نسبة إلى الصنم "ذو العشيرة"، كان له معبد في هذا المكان، فعرف به.

ومن القبائل التي أقامت على مقربة من مكة "خزاعة"، ومن رجالهم عند ظهورّ الإسلام، "عمرو بن الحمق" الكاهن، صحب النبي وشهد المشاهد مع "علي" وقتله "معاوية" بالجزيرة. وكان رأسه أول رأس نصب في الإسلام. و "عمرو بن سالم الخزاعي"، الذي جاء إلى الرسول يشكو تظاهر "بنو بكر ابن عبد مناة بن كنانة" وقريش على خزاعة، ونكث قريش عهدهم الذي قطعوه للرسول ألا يظاهروا أحداً على خزاعة، فكان ذلك من عوامل فتح مكة.

ومن رجال خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العُزّى"، شريف كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة. ومن بطون خزاعة "بنو المصطلق"، وعرفوا ب "بلمصطلق" أيضاً، وقد كانوا ينزلون ب "المريسيع"، وهو ماء لهم، من ناحية "قديد" إلى الساحل. وقد كان . قائدهم وسيّدهم "الحارث بن أبي ضرار"، أبو "جويرية"، التي تزوجها النبيّ بعد إن خرج إليهم في غزوة "بني المصطلق" من سنة ست. وهم من "خزاعة". وكان "الحارث" قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، ودعاهم إلى حرب الرسول. فلما وصل الرسول إلى "المريسيع"، تفرق من كان مع الحارث من العرب. وتغلب الرسول على "بني المصطلق" وأخذ منهم أسرى وغنائم، وكانت "جويرية" في جملة من وقع في الأسر فتزوّجها الرسول. ومن بطون خزاعة "بنو الملوّح"، وكانوا ب "الكديد".

وكان في جمله من يقيم بتهامة "بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة"، ومن مياههم "الغميصاء". ولما توفي الرسول تجمعت بتهامة جموع من مدلج، تأشب إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء من كنانة، عليهم جندب بن. سلمي، أحد "بني شنوق"، من بني مدلج، فحاربهم "خالد بن أسيد" وشتَت شملهم، وأفلت جندب، ثم ندم على ما صنع.

وكتب الرسول لقوم من "أهل تهامة"" بديل وبسر وسَرَوات بني عمرو، ذكر فيه انه لم يأثم مالهم، ولم يضع في جنبهم، ثم قال لهم: "وان أكرم أهل تهامة عليّ وأقربهم رحماً مني أنتم ومن تبعكم من المطيبين". ثم أخبرهم إن "علقمة بن ثلاثة" قد أسَلم. وأسلم "ابنا هوذة وهاجرا وبايعا على من تبعهم من عكرمة".

وينقل "ابن سعد" صورة كتاب كتبه "أبيّ بن كعب" وجهه "لجماع كانوا في جبل تهامة قد غصبوا المارة من كنانة ومزينة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد"، فلما ظهر رسول الله، وقوي أمره، وفد منهم وفد على النبي، فكتب لهم كتاباً جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لعباد الله العتقاء. انهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فعبدهم حرّ ومولاهم محمد. ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها. وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم. وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان".

ويظهر من مضمون هذا الكتاب، ومن بيان أهل الأخبار عن الذين كانوا قد اعتصموا في جبل تهامة، انهم كانوا من الخارجين على الأعراف، ومن الرقيق الآبق، تجمعوا في هذا المكان المرتفع وتحصنوا وأخذوا يغتصبون منه المارة. وبقوا على ذلك حتى ظهر الرسول على أعدائه، فوجدوا إذ ذاك انهم لن يتمكنوا بعد ظهور الرسول من الاستمرار في التحرش بالمارة والتحرز بهذا الجبل، وان ظروفاً جديدة قد ظهرت، ستؤمن لهم سبل العيش، وان الرسول سيعفو عنهم ويغفر لهم ما وقع منهم قبل الإسلام، فجاؤوا إليه وأسلموا عند. وكتب لهم كتاب أمان بذلك.

ومنازل "كنانة" بتهامة، وهم فيها قبل الإسلام بأمدٍ طويل.

و "علقمة بن علاثة"" هو "علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب". وهو الذي نافر "عامر بن الطفيل" عند "هرم بن قطبة بن سنان".

وأما "ابنا هوذة" فهما: العدّاء وعمرو ابنا خالد بن هوذة من بني عمرو ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

وأما